يقول الاستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطى بصدد الحديث عن رواية - الساعة الخامسة والعشرون - : ( إن الحديث عن كتاب ظهر منذ سنوات ، يبدو ولا شك كالقيام بعمل فات أوانه ولكنى مع ذلك اجدنى مندفعا بحماس الى ان اعرف القراء على رواية : الساعة الخامسة والعشرون التى مضى أوان الحديث عنها من الوجهة الادبية التقليدية أو الدعاية المادية ...
ذلك لان المسرح الذى مثلت عليه هذه الرواية لا يزال قائما بجميع اجوائه ومناظره ، والابطال الذين نسجوها لا يزالون على خشبة المسرح يكررون الرواية من أولها كلما انتهوا الى آخرها ، ان المسرح يبدأ من أدنى الشرق الشيوعى الى اقصاه ، ومن ادنى الغرب الآلى الى اقصاه . انه ذلك ( العالم المتمدن الآلى ) على حد تعبير المؤلف ، اما ابطال الرواية ، فهم كما قال المؤلف : ( إن اشخاص روايتى سيكونون من الرجال الذين يعيشون على سطح الكرة الأرضية ! ولما كان ( هومير ) نفسه يعجز عن كتابة قصة ابطالها ملياران من الاشخاص فانني سأمثلهم فى عدد قليل لا يتجاوز العشرة . ان هؤلاء العشرة سيحيون الحوادث نفسها التى يحياها الآخرون .
إن مثل هذه الرواية فى اعتقادى تهم الانسانية اهتماما كبيرا لانها قصتها .
ومن المؤسف جدا ان بني الانسان اليوم بحاجة الى ان يقرأوا قصة حياتهم فى كتاب ، أذ انهم فى ذهول تام عنها !... إن مثل هذه الرواية لا تقدم بفوات سنوات على كتابتها ، لانها متجددة فى حياة هذا الانسان ... انسان ما بعد الحرب العالمية وقبلها .
غير ان هذا لا يعنى انى ساقدم عصارة تامة عن هذه الرواية الهامة فى سطور هذا المقال ، اذ الواقع اننى لم اصل بعد من القدرة الكتابية الى ان اطوى
حديث ثمانية وستين وخمسمائة صفحة فى كلام عدة صفحات . غير اننى سأسمعك اجراس الخطر التى تدقها رواية ( الساعة الخامسة والعشرون ) على سمع العالم كله ... انها الاخطار التى بدأ العالم الآلى يستيقظ مذعورا منها ، على حين يحلم عندنا السطحيون البسطاء فيها بالنعيم المقيم والسعادة الوارفة .
ومن حسن الحظ ان هذه الرواية لا يمكن - كما يقول مترجمها الافرنسى - ان تستغل من قبل حزب بعينه أو دولة بعينها ، لانها تمد اصبع الاتهام الى مجموعة ( العالم المتمدن الآلى ) بالجريمة . وهذا فى الحقيقة اثمن ما فى الكتاب ( 1 ) .
مقدمة المترجم :
يقول الاستاذ ( فايز كم نقش ) مترجم هذه الرواية الى اللغة العربية ... ( إن كتاب - الساعة الخامسة والعشرون - الذى نقدمه الآن لقارئنا فى طبعته الثالثة ، يعالج اخطر تحول قيمى فى تاريخ البشرية ، تحول الانسان من المجتمع اليدوى الى المجتمع التقنى ودور صانع الآلة فى عبوديته لما ابدع وصنع . انه الصراع بين القيمة والمادة ومفهوم الحضارة والانسانية بينهما من زاوية جديدة كل الجدة ، طريقة كل الطرافة وصحيحة الى اقصى حدود الصحة ، انه صراع بين الانسانية والبربرية . فهو اذن كتاب لا بد وان يقرأ ، وهو كتاب لا بد وأن يقتنى !
يستطرد المترجم بالحديث قائلا .. هذا الكتاب الذى نفذت طبعتاه الاولى والثانية ، أحدث ضجة فى أوربا كلها لم يحدثها كتاب مماثل من قبل ، وترجم الى اكثر اللغات الحية . فأعيد طبعه فى فرنسا وحدها أكثر من خمسين مرة ، كانت الاولى عام 1949 والاخيرة فى الربع الثالث من العام 1965 .
ولقد حظي هذا الكتاب فى شرقنا العربى بتقريظ واف فقال بعضهم فيه : ( إنه افضل كتاب صدر بعد جمهورية افلاطون ! ) وقال آخرون : ( لم يسبق لكاتب ان نجح فى هز مشاعر جماهير العالم كله وأحاسيسهم نجاح مؤلف هذا الكتاب ) .
ولعل السبب الاوفى فى نجاح هذا الكتاب على هذا النحو الفريد راجع الى أن المؤلف الذى يمتاز بعبارته السلسلة الواضحة والقصيرة ، قد عانى شخصيا جانبا كبيرا من الآلام والمحن التى سردها بكثير من الدقة والتوفيق فى فصول كتابه الشيق.
فالمؤلف رومانى الاصل ، مثقف متعمق فى علم النفس واللاهوت ، محيط بنفسية شعبه وعاداته ونوازعه احاطة مستفيضة كاملة ، وهو الى جانب ذلك يملك قدرة ملحوظة على التعبير عن أفكاره تعبيرا مشرقا وافيا . وبفضل قدرته على الكتابة واحاطته بابعاد ما يكتب وادراكه قضايا شعبه والشعوب المحيطة به وافكارها ، استطاع ان يخرج للعالم سفرا فريدا نادرا ، بل تجربة فذة فى ابراز أهم ميزات شعوب أوربا التى تشرد بينها خلال سنوات الحرب الثانية القاسية .
ولقد استغل المؤلف قدرته على استقراء نفسيات الناس الذين يقابلهم وبسطها بوضوح وكمال أفضل استغلال . فتسللل بتفوق الى اعماق شخصياته الاوربية المختلفة فى الدول الاوربية المختلفة ، ونزع عنها الستور التى تحجب حقيقتها عن انظار السواد الاعظم من جماهير القراء والمثقفين ، واظهرها على حقيقتها المجردة ، خالية من المسحات واللمسات المضللة ، فجاء كتابه هذا والكتب التى تلته آية الانتاج الاممى.
والقارىء الذى يتابع احداث هذه القصة ، يجد نفسه متنقلا مع فصولها بين البيئات والمجتمعات المختلفة التى تنقل الكاتب بينها ، ويحس بأجواء تلك المجتمعات والبيئات احساسا حيا وكأنه عاش بنفسه فيها ، فلا عجب بعد ذلك إذا قررنا باعتداد وثقة ان مؤلف هذا الكتاب هو افضل كاتب ( كوسمو بوليتى) شهدته أوربا منذ موريس دوكوبراو ، مع الفارق الكبير بين الكاتبين فى الاسلوب وفى القضايا التى عالجها كل منهما بأسلوبه الممتع المثير .
عن المؤلف :
مؤلف هذه الرواية هو السيد كونستانتان فيرجيل جيورجيو - ولد فى 15 ايلول عام 1916 في رازبونى - نيامتز فى رومانيا ، درس الفلسفة واللاهوت فى جامعتى بوخارست وهيدلبرج ، وهو سكرتير سفارة سابق للعلاقات الثقافية فى وزارة الخارجية الرومانية ، كتب عددا من المؤلفات نال احدها ( اثر فوق الثلج ) الجائزة الملكية للشعر فى رومانيا عام 1940 .
يجابريل مارسيل يكتب :
وهنا آتى على نقل المقدمة المستفيضة القيمة التى كتبها فابرييل مارسيل مترجم هذا الكتاب الى اللغة الفرنسية ، لما لها من أهمية وشبه تلخيص لاسلوب المؤلف ولمضمون هذه الرواية التى لا مثيل لها من حيث كافة القيم الانسانية المختلفة . والمدرجة بين طياتها وعلى صفحاتها المتعددة ، وعذرى فى ذلك حسبما أعتقد هو أننى لم استطع أن اقوم بتلخيص فصول هذه الرواية فى عدة صفحات . حيث يكتب مارسيل قائلا : هذه أول مرة - اذا لم أكن مخطئا - أقدم لكتاب يصدر عن مجموعة ( النيران المتشابكة ) بمقدمة ادبجها بنفسي . لكن ( للساعة الخامسة والعشرون) فى الحقيقة شأننا متفردا بندرته .
انه أولا ، موضوع فريد على شكل ما ، نقدمه اليوم الى الجمهور الفرنسى لان مؤلفه لمس لاسباب جد بديهية استحالة نشر كتابه فى موطنه . ثم اننى - لاسباب سوف تنجلي بالنتيجة - اغتبط بالتفكير فى ان هذه الرواية البديعة ، هذه الرواية المخيفة ، ستظهر أول ما تظهر فى فرنسا وباللغة الفرنسية . اننى لا أشك فى ان ترجمات اخرى ستعقبها والا لكان فى ذلك مدعاة للاسى ، لكن هذا ليس كل شئ : لا أظن ان بالمستطاع ايجاد مؤلف أكثر تعبيرا وبيانا للوضع المريع الذى تجد الانسانية نفسها غارقة فيه اليوم ، لقد قال أحد شخصيات هذه الرواية : ( لم تعد الارض ملكا لبنى الانسان ) . والاصح ان بنى الانسان كما يبدو ، نسوا ان يتصرفوا تصرف البشر . غير ان هذا القول ليس وافيا : ان الامر لا يرتكز على النسيان والتنكر لشرعة ، بقدر ما يرتكز على اعداد منكر كان ذلك النسيان نتيجة حتمية له .
أكاد أجزم ان جانب الاختلاق فى ( الساعة الخامسة والعشرون ) يكاد يكون مقفلا . لست أريد القول : إن كل ما فى هذا الكتاب انما هو ترجمة وقائع شخصية دقيقة فيه برغم أن المؤلف وزوجه عانيا شخصيا بعضا من أقسى المحن المدرجة فيه ، لكن ما عمله السيد جيورجيو ، كان مقتصرا على جمع عناصر هذه القصة المبعثرة ، التى هى فى جوهرها اصدق ما يمكن قراءته وبالتالى أقل نفعا بالنسبة الى متشيع لا يخرج عن كونه متشيعا فحسب ، ولا يمكن لهذا الكتاب ان يستغل من جانب واحد من الاحزاب القائمة حاليا ، وهذا اثمن ما يبدو لى فيه ، صحيح ان الوحشية الالمانية والوحشية السوفياتية مثارتان فيه فى صحائف ملتهبة ، فلا يستطيع احد الادعاء بان الموقف مشايع للنازية أو للبلشيفية ، لكن النواة ليست هنا ، ان الشر
المبين هنا شر عام يتضح بازدياد ، ان الغرب اصيب به كما ابتلى به ذلك الغرب الاقصى الذى ما عاد - كما يبدو- يمكن ان يكون ارض الامل والسراب لاحد ، كما ظل طيلة القرن التاسع عشر وخلال السنوات الاولى من القرن الحالى ، ان هذا الشر هو استبدال المفاهيم المجردة ( المجاز ) بالحسيات ، ذلك الابدال الذى إذا لم يكن يرتكز على قاعدة الوضعية ( التكنيك ) ، فانه على الاقل يعتمد على التكنو كراسيه التى ما زالت فى طور التناسق تأخذ فى النضوج تحت ابصارنا ، ان ذلك يجعلنى أتساءل عما إذا لم تكن (الوضعية) ، بسبب جنوحها الى اعتبار نفسها غاية وحلولها محل القيم التى يزعم بطلانها ، وارثة المثالية الفلسفية ، التى اصبح اثرها الخارق المعبر على الزمن بعيدا عن النقد والجدل . اننا هنا بصدد بدعة تستدعى التبصر فيها فى حدود منهاجى ،
ان كبار ممثلى المثالية من افلاطون الى كانت وحتى هيجل ، يغدون دون ريب بين مفاخر الانسانية ، وليس من شىء أكثر استعبادا من اعتبارهم - هم انفسهم - المسؤولون مباشرة عن النكبات الهائلة المعاصرة . ولكن يبدو ان كل شئ قد تم وكأنهم ادمجوا مرغمين ، ودون علم منهم ، فى خدمة قضية لم نكن قط قضيتهم ، قضية اذا تعمقنا فى بحث الامور وجدناها مضادة فى كل نقاطها للقضية التى كرسوا انفسهم لخدمتها ، ولا شئ فى هذا الصدد أكثر غرابة وتدليلا من مصير مذهب هيجل - هيجيليانسم- الذى انتهى الى وضع يتنافى اطلاقا مع نظرية - الاونيفر سالسيم - لهيجل وينكر بسفه شديد كل القيم التى مجدها ذاك ، ولا مجال هنا للتساؤل عن كيفية وقوع هذا التصرف المنكر البعيد عن التصور ، لانه يجب البحث عن ذلك بين عميق الخطوط الميتافيزيقية ( علم النظريات ) والتيولوجية (علم اللاهوت ) . هناك مجال واسع للتفكير فى ان المثالية جنحت الى التمادى فى الاضرار منذ اللحظة التى فقدت فيها اتصالها مع الوحى العلوى ، اللحظة التى انفصلت فيها عن مذهب القديس يوحنا المتعلق ( بالفعل ) اللحظة التى اتجهت فيها نحو تأكيد الانسان للانسان وليس نحو انتقال نعمة ، الهية انحدرت للقاء الانسان عن طريق الانسان . ان اباطيل النظرية الماركسية لم تصبح ممكنة الا اعتبارا من اللحظة التى اصبحت تلك العبادة الدنسة مقبولة من عديد من الاشخاص ، ما زالوا عاجزين عن ادراك نتائجها الرهيبة . قلت الميتافيزيقية الماركسية ، والواقع ان الامر لا يتعلق مطلقا ببحوث عميقة تبصر بها ماركس نفسه فى دوائر محدودة جدا من دوائر الحياة الانسانية . وبالاسلوب الفنى فى حد ذاته وبالتالى الذى لا غنى عنه ، والذى كان ماركس أول من عرفه واستعمله ليبرز حقائق كانت أهميتها من قبل لا تكاد تخطر على بال .
استميح العذر لهذا الاستطراد الفلسفى . لكننى اطمئن القارى ، الذى قد يزعجه هذا الاستطراد بانه لن يجد فى كتاب السيد جيورجيو ما يؤيد هذه النظريات مباشرة . ولكن يبدو لى ان كل شئ فى هذا الكتاب انما يؤيد أعمق تجربة تصميما واثارة . كما يؤيد تفكيرنا فى سلوك السبيل الذى أتينا على بيانه .
ما كنت لأغفر لنفسى لو مسخت القصة الخارقة التى سيطالعها القارىء ، بايجازها وايضاح خطوطها مسبقا ، لذلك ساكتفى بإيراد بعض المقاطع التى تبدو لى معبرة بصورة خاصة والتى تسمح لقارئ ان يكون فكرة عن أهمية القصة الاستثنائية .
المجتمع الآلي :
قطع الكاتب تريان كورروغا وزوجه نورا مئات من الكيلومترات مشيا على الاقدام ابان الهزيمة الالمانية عام 1945 ، رغم انهما كانا دائما من انصار قضية الحلفاء ، وان نورا كانت يهودية أفلتت فى آخر لحظة من الاضطهاد ، ليلتحقا بالمنطقة الامريكية التى كانت تبدو لهما ملاذا أمينا . هاهما فى مدينة ويمار ، لكن روح - جيته - لم تكن هى التى تتقد فى نفس الحاكم الامريكى لتلك المدينة ، فما كانت شخصية تريان وزوجه وتفكيرهما ليدخلا فى حسبانه ، انهما يحملان جواز سفر رومانى ، ورومانيا تعتبر رسميا من وجهة النظر الامريكية ، دولة معادية . واذن يجب ان يعامل تريان وزوجه معاملة رعايا الاعداء وان يسجنا ، ولا يسعنى هنا الا الاعجاب بالطريقة التى جاء التحليل الجدلى الذى كان عدد كبير من المفكرين قصيرى النظر يعتقدون الى وقت قريب انهم واجدون فيه الاداة الذهنية الممتازة ، يضع نفسه بها فى خدمة الزيغ والضلال ، انه آلة يمكن استعمالها كما يراد ككل الآلات الاخرى . اما الفكرة الحقيقية فانها شئ آخر . ساألت نورا : ( كم من الوقت ينبغى لهم ليعرفوا انهم أوقعونا وانهم يحتفظون بنا فى السجن ؟ اننى لا استطيع الاحتمال اكثر من ذلك ! ) فيقول تريان : ( انهم لن يشعروا ابدا بوجودنا . ان الحضارة الغربية فى مرحلتها التقدمية الاخيرة لم تعد تأبه بالفرد ، ولا شئ يدعونا الى الامل بانها ستأبه له يوما ، ان هذا المجتمع لا يعرف الا بعضا من المقاييس الفردية . اما المخلوق الكامل ، بصفته الشخصية ، فانه لا وجود له فى نظره ... انت مثلا ، لست الا مواطنة عدوة أوقفت فى ارض المانية ، هذه هى اقصى ما يستطيع المجتمع ( الغني) الغربى ان يتخيله عنك ... ان هذا المجتمع عندما يوقف أو يقتل أحدا ، لا يوقف أو يقتل شيئا حيا ، بل فكرة ،
رمزا ، وفى المنطق الصحيح لا يمكن أن تعزى اليه هذه الجريمة . لان أية آلة لا يمكن اتهامها بارتكاب جريمة . ولا يمكن لأحد أن يطالب آلة بمعاملة الانسان حسب مميزاته الشخصية ... كل ما أعرفه هو أن اصطناع الانسان للقوانين والمقاييس ( الاصطلاحية ) وهى مقاييس ممتازة فيما يتعلق بالآلات انما يعادل جريمة قتل . ان انسانا يضطر الى الحياة فى الشروط والوسط التى تحيا فيها الاسماك يموت خلال دقائق . والعكس صحيح . لقد خلق الغرب مجتمعا مشابها للآلة ، انه يرغم بنى الانسان على العيش فى صميم هذا المجتمع ويضطره الى الانسجام مع قوانين الآلة ، ومتى بلغ بنو البشر فى تشبههم مبلغ الآلات حتى يماثلوها ، فعندئذ لن يبقى بشر فوق سطح الارض ) .
انهم جنس فاسد :
يرى هنا ان ( الساعة الخامسة والعشرون ) تشبه نهاية ايروهون لصامويل بوتلر . لكن بين الكتابين فارقا يسمح بتقدير المرحلة المنقضية خلال أقل من من قرن فحيث كان ايروهون لونا من نظام محال خيالى من طراز جوليفر مثلا ، لا يمكن لشئ ان يكون أقل محالا وخيالا من رواية السيد جبورحيو . هذه القصة ، قصة ايوهون موريتز الذي ظل يرسم على التوالى يهوديا بينما هو آري فى حقيقته ، ثم آري صحيح ومن عرق السادة العظام ! ثم يعامل بعد ذلك من قبل الحلفاء معاملة صديق فمعاملة عدو دون ان يؤخذ بعين الاعتبار نوعه وكونه وكيانه الشخصى ، هذه القصة ، قصة المجانين التى دبجها مدون مدقق منصف بكل امانة ، تبدو وكأنها التعبير الحر ىي عما سيبلغ اليه حال الانسان فى عالم يتنكر له . ولكن أى عالم هو هذا ؟ ؟ وممن كون وأقيم ؟ انه عالم يسعى ( المواطنون ) فيه الى الحلول محل الانسان ، ( ان - المواطنين - لا يعيشون فى الغابات ولا فى الادغال ولكن فى المكاتب . ومع ذلك فانهم أشد قسوة من وحوش الادغال . لقد نسلوا من اندماج الانسان بالآلات انهم جنس فاسد ، انهم اقوى عرق على سطح الارض حاليا . ان وجوههم تشبه وجوه الانسان بل وان المرء ليخلط غالبا بين الانسان وبينهم . لكنه لا يلبث بعد حين ان يعرف انهم لا يتصرفون تصرف بني الانسان ولكن تصرف الآلات . ان لهم مقاييس زمنية بدلا من القلوب ... هؤلاء هم المواطنون ... نشء غريب ، لقد اكتسحوا كل الارض ) .
لست واثا حقا من ان التحليل قد بلغ هنا غاية القصد ، فلكى تفهم هذه الصورة الانتقالية او الميتاستازية - اذ لا شئ اكثر تناسبا مع المقام من هذا
التعبير المأخوذ عن علم الانسجة العضوية ( الهيستلوجيا ) والذى يقصد به تحمل مركز الارض - لا بد من اقحام بسيكلوجية شيللر حول تجدد الشعور : فاذا كان المواطنون فى الديمقراطيات الشعبية ، كما عرفناهم فابهم ليسوا آلات . بل انهم يهدفون الى الحلول الى ( ادنى من الانسان ) يصبح كراهية التفوق ، على اختلاف ألوانه ، مبدأ حيويا عندهم ، أما هنا ، فان الامر يتعلق بحياة مرذولة ذليلة ، حياة تناهض كليا الحياة الحقيقية . أى انها ضد الخلق والحب .
الساعة الاخيرة :
قلت فى مستهل هذه المقدمة ان ظهور هذا الكتاب لاول مرة باللغة الفرنسية يبدو لى مغبطا ، ذلك لان فرنسا ، لاسباب تاريخية وجغرافية معا ، كائنة فى النقطة المحكمة التى جاء السؤال الرهيب الذى طرحه السيد جيورجيو يمثل اقصد حدته المأسوية . ان تأييد ثقافتنا الفكرية ثقافة مدعومة من حيث المبدأ ضد مثل هذه الاباطيل . فمونتينى وديكارت وباسكال حتى فولتير أو معاصرونا أمثال بيجر ، وفاليرى ، وكلهم جاءوا من أقاصى الآفاق الفكرية المتضادة ليتحدوا ضد هذا الخطر المريع . مع ذلك ينبغى لاعتراف باننا نرى هذا الخطر القائم يزداد تجسدا كل يوم وخطورة هنا حيث الافراط فى اعادة تنظيم الامة مبدأ منبوذ أصلا ، فهنا أكثر من أى مكان آخر ، يحدث الصراع بين الرجل الحقيقى ومن - ليسمح لى بتسميته - بالرجل الورق ، خسرانا كئيبا . لذلك فان كتاب السيد جيورجيو يأتى فى وقته ومحله . أتمنى أن يقرأ بشغف وان يفسر بشغف من قبل اشخاص افاضل أمناء كى لا يلجأ الى حمى تلك الفكرة السهلة القائلة : إن كل ما جاء فى الكتاب انما وقع بعيدا عنا فى رومانيا وفى المانيا ، وما يزداد وضوحا باطراد - وما لا يضاهى فى أمنية الاشارة اليه - ان هذه التركيزات الموضوعية فقدت اليوم معناها الواقعى : ان ما يحدث على بعد ثلاث آلاف كلمتر من حدودنا يحدث عندنا كذلك . والفرق بين هنا وهناك فى طريق الزوال ، ان المأساة البشرية متشابهة فى كل مكان !.
ويتساءلون : لم الساعة الخامسة والعشرون ؟ انها تلك التى تأتى بعد الساعة الاخيرة ، انها - وسأورد النص حرفيا - تلك التى لا يحل مجئ مسيح فيها شئا . لان مجتمعا محولا الى تيكنكراتية (بين البريقراطية والتكنيكية )
لا يستطيع ان يخلق روحا ، فهو بالتالي مجتمع بين يدى وحوش - لا شك انه يجوز لنا ايجاد مثل هذا التشاؤم المفرط ! اننى من أولئك الذين يؤمنون بأن معجزة كهذه ممكنة دائما طالما بقى من المخلوقات البشرية من يفكر ويضرع . ولكن متى عرفنا ماذا يحدث فى موطن السيد جيورجيو ، متى عرفنا التدابير المجردة عن الانسانية باطراد التى يخضع لها الملايين والملايين من البشر ، استحال انكار مثل المخاوف التى لا يمكن تجنب التشاؤم الغريزى فيها ، ترى هل يجب ان نفضل عليها موقف أولئك الذين يلوذون بأمل الاصلاح عن طريق الحرب ، وكانه - بعد تجارب الثلث المنصرم من هذا القرن - لا يزال يسمح الاعتقاد بأن الحرب يمكن أن تؤتى خيرا ؟!.
على كل حال ، لا ينوه الكاتب بشئ عما ستتناوله الحرب التى قد تكون فى دور التهيؤ . انها لا تشتعل الا فى نهاية كتابه . وفيما يلى أقوال زوجة تريان الذى قتله منذ شهور حارس المعسكر الذي كان نزيله :(هذه الحرب ... ليست حرب الغرب ضد الشرق ... انها ليست الا ثورة داخلية فى نطاق المجتمع الآلى الغربى... ان روسيا بعد الثورة الاشتراكية ، أصبحت الفرع الاكثر تقدما من فروع الثورة الغربية الآلية ... لقد نقلت روسيا كل نظرياتها عن الغرب ، وكل ما عملته انها وضعت تلك النظريات موضع التنفيذ ، لقد حولت الانسان الى صفر كما تعلمت من الغرب ... لقد قلدت الغرب كما لا يستطيع ان يحاكيه الا البربر المتوحش ) وعلى هذا ، فان هذه الحرب ليست الا ثورة داخلية على المجتمع الغربى وهى اذن ليست مهيأة فى صالح البشر ، وكل ما استطيع اضافته الى هذا القول : إنه يمكن التقبل نظريا ، بأن الرجال الحقيقيين بوصفم هذا ، قد يستطيعون الافادة من هذا اللون من افناء الاخ لاخيه . لكن هذه فى الحقيقة ليست الا حلا شفهيا لان الرجال فى الواقع اقرب الى أن يؤخذوا ويسحقوا فى هذا الاعصار الهائل من ان يفيدوا منه . فهل يجب الركون الى الامل الذى اختص به أبو تريان ، القس كوروغا : ( وفى النهاية ، يشفق الله على الانسان كما قال من قبل مرات عديدة ، كما حدث فى سفينة نوح فوق الامواه ، فيطفو ذلك البعض من بني الانسان الذين ظلوا على انسانيتهم ، فوق دوامات ذلك الخراب الجماعى الهائل ؟ ! ان هذه الكلمة هى الاشعاع الوحيد الضئيل الذى يلتمع فى ثنايا هذا الكتاب اليائس العظيم .
ومهما بلغ تفاوت الاسلوب بين هذا الكتاب ( الساعة الخامسة والعشرين ) وبين كتاب رومانى شاب آخر هو السيد سيوران بعنوان ( موجز التفسخ )
الذي سيظهر خلال أسابيع قليلة والذى يشبه مثالا لليأس ، فانه لا يسعى الا التقريب بينهما ، ونحن الذين نجونا مؤقتا - ولعه لوقت جد قريب - نحن مدعوون الى اعارة مثل هذه الشواهد التى تشبه اعماق جحيم انسانية معذبة اذنا شديدة الوعى والرأفة ( 2 ).
أخيرا - بعد أن أتيت على ذكر ماكتبه الاستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطى ، وكذلك مقدمة المترجم الاستاذ فائز كم نقش من الفرنسية الى العربية ، وأيضا ما كتبه السيد جابرييل مارسيل مترجم الرواية هذه الى اللغة الفرنسية ، أترك القارئ الكريم لفرصة ربما ستسنح له للاستمتاع الشيق واللطيف بمطالعة هذه الرواية التى كان بطلها موريتز قد عاد الى بيته بعد ان غاب عنه ثلاثة عشر عاما . كان أول يوم منها غلطة من رئيس مخفر ، ثم استمرت الغلطة تتابع آليا بفعل الحضارة الآلية ثلاثة عشر عاما ...!!!
