... واستيقظ ذات يوم اثر رحلة ممتعة على بساط حلم لذيذ ، وفرك عينية من النعاس ، ونظر بلهفة الى بده اليسرى ؛ انه ما يزال مخمورا بعذوبة الحلم ، ولكن شد ما كانت خيبته أليمة ومرة حين أدرك ان يده خلو من " الساعة " وان ما كان يعيش فيه اضغاث احلام بددتها اليقظة .
ونهض متثاقلا ، وصرخة والده تجلجل فى أذنيه : منذ متى طلعت الشمس وانت ما تزال مستسلما للنوم ؟
اخذ احمد عصاه ولوى " شملته " فوق رأسه وتوجه الى الحقل ، كان يسير وراء جملة وبين الفينة والاخرى يتحسس يده اليسرى كأنه لم يصدق عينيه . ليتحقق من عدم وجود " الساعة " ثم يردد بينه وبين نفسه : " لا بد منها ... لا بد منها " ويدعو الله ان يجعل الموسم خصبا كى يتوفر له نصيب من الدراهم ويذهب الى المدينة ليحقق أمنيته العذبة ، هذه الامنية التى عايشته منذ طفولته الى رجولته ، اجل ، لقد اصبح رجلا بشهادة ابويه ، الم يفوض اليه والده المال فيذهب كل اسبوع الى سوق القرية البسيط ويقتنى لوازم الاسرة ، الم تقل له خالته انهم يبحثون له عن زوجة ؟ .. وهذا شاربه قد طر ، ولحيته قد برزت ، اليس ذلك دليلا على انه اصبح كبيرا ؟.. وينظر الى نفسه . كم هو بعيد عن الارض ان قامته مديدة . ولا شئ ينقصه الآن سوى " ساعة يدوية " تكمل بها شخصيته .
ترى هل يستطيع فى الموسم القادم ان يحققها؟ . وقفزت الى ذهنه احداث متتابعة منذ دخل عامل اقتناء " الساعة " فى حياته ، انه يذكرها عاما كانها ابنة الامس القريب : هذا ابراهيم ابن جارهم يعود من تونس وبيده اليسرى شئ غريب ... سمع النسوة يتهامس به .. ما هو ؟ انه " ساعة " وارتسمت فى ذهنه هذه الكلمة العذبة الرنين ، وتساءل : ما الساعة ؟ ما لونها ؟ ما شكلها ؟ ما فائدتها ؟ وأجابوه بأجوبة لم ترض فيه لهفة الاستطلاع ولا شوق المعرفة ، لم لا يذهب اذن
الى ابراهيم نفسه ويسأله .. وفى الغد كان بجانبه ووجد أجوية مقنعة لاستفهاماته المتعددة ، ولكنه فوجئ بشئ غريب لم يكن فى الحسبان .. هذا التعالي والشموخ من ابراهيم عليه ، واستصغاره لشأنه ...
وأصرها أحمد في نفسه ، انه سيرجعها له طال الزمان ام قصر.. وقرر مقاطعته والتعالى عليه بدوره ، ولكن ما فتئ ان ادرك خطا الفكرة او على الاصح ان فرصتها لم تسنح بعد . انه يريد ان يتعلم قراءة ارقام " الساعة " حتى اذا ابتاع " ساعة " عرف كيف يستعملها ..
تظاهر احمد بالمودة والقربى لابراهيم وتحمل كل الوان التكبر والمذلة في سبيل ان يبلغ هدفه ، ولقد اشتهر بين اوساط القرية ولعه بالساعة ورغبته الظامئه فى التحصيل عليها فاصبح كل فرد يلاقيه يسأله : اين ساعتك ؟ او كم الوقت يا أحمد ؟ وينقبض صدره ، ويضيق من هذا التحدى والسخرية الناضحة بهما السنة اهل القرية ، ولكنه يتسلى بشئ واحد : هو انه سيشترى " ساعة " فخمة ويتحداهم بها جميعا .. وتمر الاعوام ، والمواسم عجاف يتناهبها الجفاف و " الجراد " عاما فعاما .
وتأتى سنة تهطل فيها الامطار بغزارة وتضج حناجر الفلاحين بالشكر وترتفع اكفهم واعينهم الى السماء ، وينطلقون يثيرون الارض ويودعون حناياها بذورا وكلهم ضراعات وابتهالات فى ان تخصب وتزكو وان تسلم من الافات والجوائح وكانت الارض وفية بعهودها فاعطت اضعافا لما تلقته فى جوفها ، وكان الموسم خصبا فتدفقت الدراهم فى ايدى الفلاحين . واقبل القوم على الحياة يستكملون ما ينقصهم من الوان المتع ويوسعون على انفسهم ضيق عدة سنوات عجاف .
وسنحت الفرصة لاحمد ، انه لن يتركها تمر دون ان يظفر بامنيته ، انه سيذهب الى المدينة وسيشترى " ساعة يدوية " اجل ان هذه الفرصة ربما لا تعود ..
وتحركت عجلات السيارة متجهة نحو تونس ، وتحركت معها نوازع احمد ، انه يزور تونس لاول مرة تدفعه رغبتان عنيفتان : اقتناء الساعة ، وجلب لوازم الزفاف ؛ ترى ايعيش لتلك اللحظة الممتعة السعيدة . وقضى كامل الطريق عائشا فى احلام اليقظة اللذيذة . ولم يستيقظ من توهانه السادر الا على صوت رفيقه وهو يقول : هذه تونس ، وفجأة وجد نفسه في احضان المدينة مبهورا بالحركة
المتدفقة والالوان المشعة والابنية الشاهقة ، ولبث اسبوعا كاملا فى التعرف على معالم المدينة وشوارعها ، وذات يوم فيما كان يتجول قادته رجلاه الى سوق تضج بالغادين والرائحين والبائعين والمبتاعين . وفجأة وجد امامه شخصا يرتدي جبة وطربوشا وتحت ابطه محفظة ، وبيده ساعة يعرضها للبيع ، ورأى شخصا وراءه ينادى :
اسمع . . اسمع . . يا صاحب الساعة ويتمنع بائعها بعض الشئ ثم يقف عندما يلتحق به المنادى :
- أتأخذ فيها اربعة الاف فرنك . - لا ان رأس مالها ستة الآف فرنك"، ويقف احمد ، انها فرصة جميلة ، الم يكن فى برنامجه ان لا يعود من المدينة الا بساعة في يده مهما يكن ثمنها ، واخذ يتفحص الساعة المعروضة امامه : انها ساعة جميلة جدا بل انها ساعة ذهبية ما فى ذلك شك وآية ذلك انها صفراء ، وان بريقها يكاد يخطف الابصار ، ثم ان بائعها لابد ان يكون " شيخ علم " وهو لا يغش
واقدم احمد على التجربة ، مطمئن البال ، واثقا من الفوز :
- بكم تبيع هذه الساعة - لقد اعطاني هذا الشخص اربعة آلاف بينما رأس مالها ستة آلاف ماثمنك انت ؟
- ان رأس مالها مرتفع جدا ، ولا استطيع ان ادفع لك ما ترغب فيه اذن : وسلمه الساعة وانصرف ، ولكن صاحبها قال له :
- تعال . . تعال . . نحن نساعدك ، كم تستطيع ان تدفع ، وأراد احمد ان يحتال فيدفع له اقل من راس مالها ليتخلص منه :
- اتبيعها بخمسة آلاف فرنك - اعطنى رأس مالها على الاقل - لا . لا استطيع
- خذها اذن مباركة عليك ، وان كان فيها خسارة لي . وأقسم لك : لولا حاجتى الى الدراهم لما بعتها حتى براس مالها
واخرج احمد محفظة نقوده ليدفع الثمن ، ثم وضع الساعة في يده وانصرف ، كان يشعر انه قد ظفر بامنيته العذبة ، امنية العمر ان يصبح ذا ساعة تلفت اليه انظار بنات القرية ونسائها ويعرف بها وقت الافطار والامساك فى رمضان وتغنيه عن سؤال ابراهيم جاره الذى يتكبر عليه .
وعاد الى القرية والساعة الذهبية تلمع بيده اليسرى تتحدى كل انسان " هذا احمد العلوانى رجع وبيده ساعة " وتجاوبت ألسنة اهل القرية بهذا الخبر اما احمد فقد اخذ يتجول . وكلما لقى احدا يوشك ان يقول له : اتريد معرفة الوقت ، ولكنه يكتفى بان يحرك يده حركة ترى " الساعة " لمحدثه ، انه يريد ان يدل عليهم مقابل ما سخروا منه ومن احلامه سابقا .
ومضت اربعة اشهر ونسى اهل القرية حكاية احمد العلوانى ، ولكن احمد نفسه كان في حيرة ممضة وقلق غامر فلقد اخذت ساعته تتعثر فى سيرها وتضطرب وعرضها على كثير من الاصدقاء فلم يستطع احد ان يسعفها بعلاج ، اذن لابد من الذهاب الى احدى المدن القريبة . . .
وسأل عن مكان " الساعاتي " فارشد اليه ، وتقدم احمد والساعة بيده :
- أرجوك ان تصلح مابها من خلل . وتناولها " الساعاتى " واخذ يفحصها بينما جلس احمد ينتظر حكم الطبيب ، وبعد بضع دقائق رفع " الساعاتى " عينيه وحدق فى وجه احمد قائلا : - من اين اشتريت هذه الساعة ؟ - من تونس
- بكم ؟ - بخمسة الآف فرنك
- آه يا بني لقد اغرتك مظاهر هذا المجتمع المزيفة فوقعت في الشراك - ماذا . . ماذا ؟ يا سيدى!
- لاداعى في مزيد من الخسارة عليها يا بني ! - لماذا . .؟! - انها ساعة من نحاس . . .!!

