الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

السباحة في الآبار الآسنة

Share

البئر عميقة ، مليئة ماء آسنا تنبعث منه روائح كريهة عفنة .    وقفت على حافة البئر ونظرت الى قاعها البعيد ... البعيد ... لم أر الا ظلاما ووجها مبعوجة ... مهزوزة صورته .

اعترانى الدوار والتخاذل وأحسست برغبة جامحة فى التقئ فتراجعت الى الخلف لكن قبضة يد أبى القوية عصرت معصمى .

    - تقيأ ... ألق ما بجوفك . تلك بداية المغامرة والمقامرة ... تقيأ كل ما حفظته من سخافات الكتب ودجلها . ألق بكل تلك القصائد التى حفظتها عن العفة والطهر والنظافة لا بد من ذلك . لا بد من التطهر قبل أن تغوص فى البئر كما يغوص الآخرون .

  رنوت الى ابى بتوسل ، فلاح لى وجها شاحبا وعينين ترفان غضبا وضراوة وشفتين ترتعشان انفعالا .

- هيا بسرعة تقيأ . - لم استطع يا أبى . - ضع أصبعك فى حلقك وتقيأ . - لقد فعلت ولم أستطع . - دعنى أجرب ... افتح فمك .

  وأدخل أصبعه فى حلقى فاكتسحتنى قشعريرة سرت فى كل جسدى ، وتحفز جوفى ليلقى بمحتواه خارجا وندت عنى حركات غير ارادية لكن شيئا لم يخرج من جوفى وأعاد أبى الكرة حتى نال منى الاجهاد . فأشفقت على أمى وصاحت متوسلة :

- دعه ستقتله ... دعه .

وأمسكت بذراعه فدفعها بعيدا وصرخ . - الولد ولدى وأريد أن أصنعه كما أريد . - ألا ترى وجهه كيف استحال الى شحوب . - لا يهمك من أمره شئ تلك هى المرحلة الاولى وسيتعود هيا ... يا ابن الكلب حاول أن تلقى ما بجوفك .

  وأغمى على ونقلونى الى المنزل وعندما أفقت وجدتهم متحلقين بى وأمى ممسكة بيد ى بهلع وعندما فتحت عينى خاطبتنى مشفقة :

- كيف حالك يا ابنى ؟ - لا بأس . و ورن صوت أبى : - ستمر التجربة بسلام . لم يكن بصوته تلك القسوة لكنه لم ينم عن اشفاق . - لا بد أن أحرق كل تلك الكتب الغبية التى قرأها وسببت له أعراض التقيئ . لابد أن أحرقها أمامه .

  أفرغ جميع الرفوف من كل محتوياتها وكدسها كوما فى باحة المنزل واضرم فيها النار .

  - سيحترق ذلك الجن الذي سكن عقل ولدى .    وراح ينظر الى الدخان يتصاعد شامتا . وأقبل نحوى .    - انظر لقد استحال كل شئ رمادا وأريد أن تستحيل كل الافكار التى استقيتها من هذه الاوراق اللعينة رمادا ... أفهمت .

  عاد بي الى البئر .    تقدمت .    - لا تنظر الى الماء لا تهمك قذارته وما يطفو عليه من ادران ... لا تهمك الروائح الكريهة التى تنبعث منه لا تنظر الى الماء ... اغمض عينيك .. سد أنفك وأذنيك ثم أقفز . وسرعان ما تشعر بقوة تجذبك الى الاسفل فاستسلم لها دون مقاومة .

  واضطربت مفاصلى فصاح فى :    - انظر اليهم ، تعلم منهم القفز والشجاعة لقد تدربوا ولم يعودوا بحاجة الى سد آذانهم وأنوفهم وأفواههم لقد تعودوا بالماء القذر .

  كانوا يقفزون ثم يعودون تباعا وأبدانهم تقطر بالماء الآسن وقد علق الطحلب بملابسهم وانتفخت جيوبهم .

  - أنت جبان ربيت على الخوف ، لا أم لك ... أقفز ... أقفز .    - لا أريد يا أبى ... لا أريد .    - ان لم تفعل سألهب ظهرك بالعصا .    والتفت الى أمى التى كانت ترنو الى بهلع ظاهر .    - كل هذا بسببك لقد أرضعته الجبن مع الحليب .    وقالت أمى : لماذا لا تقفز بدلا عنه .    - انى لا أحسن السباحة .    - وأنا أيضا ورثت عنك هذا العجز .    - يجب أن تتدرب على ذلك ... وان لم تفعل سأدفعك بيدى هذه كرها .    أغمضت عيني ... نفذت الرائحة الكريهة الى خياشيمي فكادت تصرعني ... ولانت لهجة أبى :

  - انى لا أريد الا الخير لك يا ابنى . يجب أن تفعل ما يفعله جيلك ، هذه هى الطريقة الوحيدة لتملأ جيوبك .

  - لا أطمح الى ملء الجيوب ... أترك لى اختياراتى .    - ما زلت مغرما بالثرثرة .    وأحسست بيد تدفعنى بقوة الى البئر شعرت ببرودة الماء تتسلل الى عظامى بالطحلب اللزج ينزلق عليه جسدى ...

طفقت أغوص وأغوص مستسلما لقوى الجذب الى أسفل . وبعدها أحسست بقدمى تغرقان فى وحل لزج . كانت تلك أول تجربة . وبعدها صرت أقفز فى البئر دون مساعدة أبى ثم أؤوب ملآن الجيوب .

اشترك في نشرتنا البريدية