يقف كل يوم مع العاطلين المفتشين عن عمل يومي ، تحصل على شهادة مدرسية كتب عليها انقطاع اختيارى ، سلوك سئ ، غيابات كثيرة ، لم يظلموه ولكن ظلم نفسه ، زين له ابن الخال السفر الى بلد أوربى ، أوربا بلد الحضارة والتقدم ، أوربا بلد العمل المتواصل ، ليلهم نهار ، سبتهم أفرراح ، الأحد غياب عن متاعب الدنيا ، المال يخلطونه خلطا ويخبزونه خبزا .
- هل أجد عملا يا ابن الخال ؟ .
- مثقف مثلك بحد العمل بين ليلة وضحاها ، مستوى السنة السابعة ثانوى درست كل العلوم وكل الآداب ..
- والدى لا يوافق لانى ناجح فى الدراسة .
- أترك المراجعة والمواظبة تصبح من الذين لا يصلون الى المعدل مع سوء سلوك وتهاون وقلة انتباه .
- هذا هو جواز السفر الى أوربا ؟
يضحك الاثنان ويمد ابن الخال سجارة من الخارج طالت قامتها ونحف حجمها بها قطعة " الفلتر " رسم عليها خطان ذهبيان مع الاسم باللغة الانجليزية تغرى بالتدخين ، أما مظهر علبة السجائر فرائع ، من الورق المقوى رسم عليه فارس من رعاة البقر متحفز متيقظ وفى فمه سجارة زادته قوة وحيوية .
القداحة غازية من أحدث ما صنعت المعامل الاوربية ، الحركات التى يتم بها اشعال السجارة وتدخينها هى نفسها مستجلبة من الخارج . 115 691
- محظوظ أنت يا ابن الخال .
- عندما تقرر السفر ابعث لى رسالة وأنا اسهل اليك كل شئ .
- لا أشك فى صداقتك ، أنت لا تفارقني ليلا ونهارا ، عندما ترجع الى أوربا أبقى أياما عديدة وأنا اشعر بالوحشة والوحدة .
- عملت الخير فى الأغراب فكيف لا أساعد ابن العمة ؟ .
- يظهر لى أن دخول البلد الذى أنت فيه لا يكون الا بعد الحصول على عقد عمل مع احدى الشركات .
- كل شئ سهل . أحضر جواز السفر وأنا أتكفل بالباقى .
ويشعر أن هناك عائقا آخر يمنعه من السفر ولكنه يخجل أن يصرح به كان ينتظر أن يذكره ابن خاله الا أن ذلك لم يتم ، هل يصارحه بالحقيقة حتى يرى جوابه أم يذكر ذلك فى الرسالة المقبلة ؟ .
- لا يخفى عليك حالة العائلة .
- أعرف ما قصدت .
- ما العمل من تلك الناحية .؟ المهم ..
- لا تواصل كلامك ، سأبعث اليك ثمن تذكرة السفر بالطائرة .
- هل اعتبر وجودى بجانبك فى أوربا أمرا منتهيا ..؟
- انهض الآن لنذهب الى شاطئ الشفار ، لا ليس ذلك الشاطئ لقد أصبح مملوءا بالمصطافين ، نذهب الى الغضابنة ، أخير الذهاب الى شاطئ بوجعفر ، كانت سيارة فخمة ، كل شئ فيها آلى ، البلور يصعد وينزل بمجرد الضغط على زر ، لون البلور رمادى ليس أبيض كلون بلور سيارات الناس ، ضاغط السرعة آلى فالسيارة ترفع وتخفض فى سرعتها بمجرد الضغط على دواس عكس ما ألفه فى باقى السيارات ، عندما يريد تسييرها الى الخلف تسمع صوتا باللغة الاجنبية يقول ، " ابتعد من فضلك .. ابتعد من فضلك " وسط المداينة لا يستعمل المنبهات العادية بل تسمع وشوشة عصافير ، المذياع وآلة التسجيل ومضخمات الصوت من أعلى طراز ، يشعر الانسان بالطرب وهو يستمع الى الموسيقى الغربية . 692 116
- هل اعجبتك الأغانى والموسيقى ؟ .
- يظهر أنها مسجلة من حفل .
- سجلتها من آخر حفل حضرته قبل الاتيان الى تونس .
- هل تذهب الى الحفلات ؟ .
- أذهب كل ليلة أحد ، الذهاب الى المراقص أمر ضرورى فى أوربا .
- لو كانت عندى مسجلة لسجلت هذه الأغانى .
- لا تتعجل الأمور ، ستذهب الى أوربا وتشترى كل شئ .
شعر بالخجل أمام ابن خاله ، انقلبت الأمور ، كان ابن خاله فاشلا فى دراسته وكان الأهل يعتبرونه لا مستقبل له وها هو اليوم أحسن منه ، فتش عن أمور يعيد بها اعتباره أمام ابن خاله فلم يجد شيئا ، لباسه لا قيمة له أمام اللباس " الموضة " الذي يرتديه الراجع من أوربا لقضاء اجازته السنوية السروال " جينس " ذو الازرار البرنزية ، الصدار من النوع الذى يلبسه الفنانون والممثلون العظام فى أوربا ، الحذاء له كعب عال يحدث نقرات محبوبة تهز السامعين اعجابا وتقديرا حسب اعتقاده ، متى تسمح الظروف ويكون فى أوربا ، ؟ مهما ثابر وعمل ليل نهار لا يمكن أن يحسن مستواه ويصل الى هذا المستوى المادى ، سيستحم اليوم فى شاطئ بوجعفر وعند العودة يبدأ فى مساعيه لاقناع أبيه بوجوب التخلى عن فكرة مواصلة الدراسة وعليه أن يسمح له بالسفر الى أوربا للعمل هناك .
عجبا ، ان الايام تمر ثقيلة مملة ، انقطع عن الدراسة بمحض ارادته ، جواز السفر فى حوزته ، الشهادة المدرسية مائلة أمامه ، سمع الاهل والاحباب والقاصى والدانى انه سيسافر الى أوربا ، موزع البريد فى تونس وفى البلد الاوربى الذى فيه ابن خاله لا يعمل الا من أجله ، الرسالة المطولة تلو الرسالة المفصلة وابن الخال لا يرجع جوابا ولا يبعث بكلمة ، الرسائل المضمونة الوصول لا ترجع اليه ضائعة ولا تنفع شيئا فى تغيير الوضعية ، خاله طلب منه صراحة الا يأتيه دائما الى المنزل ، عنده العذارى ويخاف على عرضه وشرفه ، زوجة خاله تسلم عليه ببطاقة التقسيط ، بنات خاله يتظاهرن كالعادة بعدم الاكتراث به ، انه عاطل عن العمل ، فاشل فى 117 693
- محظوظ أنت يا ابن الخال .
- عندما تقرر السفر ابعث لى رسالة وأنا اسهل اليك كل شئ .
- لا أشك فى صداقتك ، أنت لا تفارقني ليلا ونهارا ، عندما ترجع الى أوربا أبقى أياما عديدة وأنا اشعر بالوحشة والوحدة .
- عملت الخير فى الأغراب فكيف لا أساعد ابن العمة ؟ .
- يظهر لى أن دخول البلد الذى أنت فيه لا يكون الا بعد الحصول على عقد عمل مع احدى الشركات .
- كل شئ سهل . أحضر جواز السفر وأنا أتكفل بالباقى .
ويشعر أن هناك عائقا آخر يمنعه من السفر ولكنه يخجل أن يصرح به ، كان ينتظر أن يذكره ابن خاله الا أن ذلك لم يتم ، هل يصارحه بالحقيقة حتى يرى جوابه أم يذكر ذلك فى الرسالة المقبلة ؟ .
- لا يخفى عليك حالة العائلة .
- أعرف ما قصدت .
- ما العمل من تلك الناحية ؟ المهم ..
- لا تواصل كلامك ، سأبعث اليك ثمن تذكرة السفر بالطائرة .
- هل اعتبر وجودى بجانبك في أوربا أمرا منتهيا ..؟
انهض الآن لنذهب الى شاطئ الشفار ، لا ليس ذلك الشاطئ لقد أصبح مملوءا بالمصطافين ، نذهب الى الغضابنة ، أخير الذهاب الى شاطئ بوجعفر ، كانت سيارة فخمة ، كل شئ فيها آلى ، البلور يصعد وينزل بمجرد الضغط على زر ، لون البلور رمادى ليس أبيض كلون بلو سيارات الناس ، ضاغط السرعة آلى فالسيارة ترفع وتخفض فى سرعتها بمجرد الضغط على دواس عكس ما ألفه فى باقى السيارات ، عندما يريد تسييرها الى الخلف تسمع صوتا باللغة الاجنبية يقول ، " ابتعد من فضلك .. ابتعد من فضلك " وسط المداينة لا يستعمل المنبهات العادية بل تسمع وشوشة عصافير ، المذياع وآلة التسجيل ومضخمات الصوت من أعلى طراز ، يشعر الانسان بالطرب وهو يستمع الى الموسيقى الغربية .
- هل اعجبتك الأغانى والموسيقى ؟ .
- يظهر أنها مسجلة من حفل .
- سجلتها من آخر حفل حضرته قبل الاتيان الى تونس .
- هل تذهب الى الحفلات ؟ .
- أذهب كل ليلة أحد ، الذهاب الى المراقص أمر ضرورى في أوربا .
- لو كانت عندى مسجلة لسجلت هذه الأغانى .
- لا تتعجل الأمور ، ستذهب الى أوربا وتشترى كل شئ .
شعر بالخحل أمام ابن خاله ، انقلبت الأمور ، كان ابن خاله فاشلا فى دراسته وكان الأهل يعتبرونه لا مستقبل له وها هو اليوم احسن منه ، فتش من أمور يعيد بها اعتباره أمام ابن خاله فلم يجد شيئا ، لباسه لا قيمة له أمام اللباس " الموضة " الذى يرتديه الراجع من أوربا لقضاء اجازته السنوية السروال " جينس " ذو الازرار البرنزية ، الصدار من النوع الذى يلبسه الفنانون والممثلون العظام فى أوربا ، الحذاء له كعب عال يحدث نقرات محبوبة تهز السامعين اعجابا وتقديرا حسب اعتقاده ، متى تسمح الظروف ويكون فى أوربا ، ؟ مهما ثابر وعمل ليل نهار لا يمكن أن يحسن مستواه ويصل الى هذا المستوى المادى ، سيستحم اليوم فى شاطئ بوجعفر وعند العودة يبدأ فى مساعيه لاقناع أبيه بوجوب التخلى عن فكرة مواصلة الدراسة وعليه أن يسمح له بالسفر الى أوربا للعمل هناك .
عحبا ، ان الايام تمر ثقيلة مملة ، انقطع عن الدراسة بمحض ارادته ، جواز السفر في حوزته ، الشهادة المدرسية مائلة أمامه ، سمع الاهل والاحباب والقاصى والدانى انه سيسافر الى أوربا ، موزع البريد فى تونس وفى البلد الاوربى الذي فيه ابن خاله لا يعمل الا من أجله ، الرسالة المطولة تلو الرسالة المفصلة وابن الخال لا يرجع جوابا ولا يبعث بكلمة ، الرسائل المضمونة الوصول لا ترجع اليه ضائعة ولا تنفع شيئا فى تغيير الوضعية ، خاله طلب منه صراحة الا يأتيه دائما الى المنزل ، عنده العذارى ويخاف على عرضه وشرفه ، زوجة خاله تسلم عليه ببطاقة التقسيط ، بنات خاله يتظاهرن كالعادة بعدم الاكتراث به ، انه عاطل عن العمل ، فاشل فى 117 693
دراسته ، فهم انه غير مرغوب فيه ، اختار طريقة ثانية أصبح يقف بعبدا فى النهج الذى يسكن فيه خاله وينتظر الساعات مرور ساعي البريد واذا رآه يقف أمام مسكن خاله يضغط على كبريائه ليسأل هل وصل مكتوب من ابنهم ؟ .
أصبح يتحاشى أن يراه اصدقاؤه الذين كان يدرس معهم ، وكان متفوقا عليهم . وكان مرجعهم عندما يجدون صعوبة ، وكانوا يطلبون منه أن يكون فى فريق المراجعة الذى كونوه ، وفي تلك المجموعات تسلية ، مجلة فيها شئ عن الغزل . وصور واردة من أوربا . وسجارة من صديق ثرى ، وكأس شأى وقهوة وقطعة حلويات ، ونظرة وابتسامة ، واستدعاء الى عيد ميلاد . ما أكثر أعياد الميلاد فى هذه السنوات !! البعض من الشباب يحتفل بعيد ميلاده ، كل شهر وفي كل مرة يستدعى مجموعة .
وأحيانا يوصله أحد الاصدقاء فى الليل على الدراجة النارية " الياماها " وأحيانا يقودها هو ، ويسمح له صديقه بجولة عليها منطلقا بها حسب الطريقة الامريكية المعروفة فى أفلام العنف .
انتهت تلك الأمور ، خسر كل شئ يدخل البيت فتعترضه أمه بالشكوى من الزمان .
- ماذا فعلت يا ابنى ، هذا يوم داخل ويوم خارج وانت عاطل عن العمل !؟
- انتظر أن يبعث لى ابن خالى رسالة فيها عقد العمل مع احدى الشركات ومعلوم السفر .
- " ترقبى يا دجاجة حتى يأتيك القمح من باجة " .
- ماذا تريدين أن أفعل ؟ .
- أبوك يقترح عليك أن تعمل .
- أين ؟ .
- معه فى حضيرة البناء .
- أنا يا أمى اخدم فى حضيرة البناء !
- أبوك لا يستطيع أن يراك عاطلا عن العمل .
خرج فى الصباح الباكر ووقف بين عدد هائل من العاطلين عن العمل الذين يفتشون عن موطن شغل غير قار ، يوم عند هذا وأيام عند ذاك ، ومقابل يوم عمل لا " يعسل عصيدة " يبقى مختقيا فى الركن حتى لا يراه أحد من أصدقائه ولكنه مجبر على ذلك .
- مالك مرتبك ؟ .
- من قال لك ذلك ؟ .
- المشاهدة أقوى دليل .
- يظهر انك مثقف .
- من السنة الثالثة مهنى بناء .
- من أهل الاختصاص .
- لم يعترفوا لى بالاختصاص ..
- سيأتى ذلك بمرور الايام ، " أصعب الامور أوائلها " .
- وأنت ؟ .
- سنة سابعة ثانوى ، انقطاع اختيارى .
- مهبول .
- صحيح .
مريض برأسك .
مريض بعقلى .
مسكين .
- أستحق أكثر من ذلك .
- لو علم الناس أنك مريض بعقلك ما عرضوا عليك عملا ، لأنهم يخافون منك ، وانقطع الحديث فجأة فقد عرض عليهما عمل فى نفس حضيرة بناء لمدة أيام ، كانت يداه تتحركان وعقله يواصل سرحانه فى عوالم مختلفة ، أين أوربا وعلبة السجائر الرفيعة والسيارة الفخمة واللباس العصرى والآلات 119 695
الالكترونية والسهرات فى الحفلات ليلة الاحد ، والرحلات يوم الاحد ، والمطار والطائرة وتذكرة الطائرة ، والاموال الكثيرة ، الكثيرة جدا . الاكداس ..؟
- أجلب الملاط .
- حاضر .
- اخلطه وصب عليه الماء .
- تفضل .
- عندما أكون على المائدة قل لى تفضل ، أما الآن اعمل واغلق فمك ، وأغلق فمه وقد شعر بالدنيا تدور حوله ، ما هذا الجحيم وما هذا المستوى لم يكن متعودا بمثل هذه الممارسات وبمثل هذا الانحطاط فى المعاملة ، أين المعرى والفارابى وابن سينا وابن منظور والمقدسى ؟ . أين " بيتاقور " ، وتالاس ، وجابر ابن حيان ..؟
لم ينفعوه ولم يدافعوا عنه ، وفي غمرة هذا الذهول ظهر له احد أصدقائه سلم عليه بحرارة ، فرح به .
- كيف تفعل بنفسك هذا الفعل ؟ .
- عند القيلولة أحكى لك ما جرى .
- هذا منزلنا ، تكلم ، لا تخف وروى له القصة بحذافيرها وهو يتنهد من حين لآخر .
- هل تريد الرجوع الى المعهد ؟ .
- أخذت شهادة مدرسية .
- لا يهم ، والدى يستطيع التدخل لفائدتك .
- جميل لا أنساه مدى الدهر .
رجع الى البيت يخامره الشك ويطغى عليه التفاؤل من حين لآخر ، ومرت الايام ثقيلة وهو يترقب حتى كان يوم ...
- أحضر شهادة طبية ومطلبا .
- لماذا ؟ .
- المدير وافق مبدئيا على رجوعك الى المعهد . لان ملفك المدرسى طيب ما عدا الاشهر الاخيرة التى قررت فيها الانقطاع عن الدراسة ، ونذر أن يكون هادئا مستقيما ، فقد لقنته الحياة درسا لن ينساه مدى الدهر ، والدنيا تجارب ، فلذة الدراسة لا تعادلها لذة ، والثقافة الراقية أمر ضرورى ، للشخص ، والمظاهر الخاذعة لا قيمة لها ، والمادة وحدها لا تكفي للحياة السعيدة ..
- عدت يا أمى الى قسمى ..
- الحمد لله .
- فرح بى الاساتذة والتلاميذ .
وكتب الى ابن الخال رسالة مطولة يشكره على عدم ايفائه بالوعد ويعلمه أنه رجع الى المدرسة ، وذات يوم حمل اليه البريد رسالة من ابن خاله يهنئه فيها بالعودة الى الدراسة ويعده بأنه سيقضى معه عطلة الصيف فى السهرات والافراح وينصحه بالنجاح والمثابرة ..
