اروع اثر ادبى على الاطلاق فيما وقعت عليه من روائع الفكر العالمي نفذ الى صميم مأساة الكون نفادا ليس كمثله شئ قراءته عسيرة وفهمه اعسر وتذوقه اشد عسرا ! لذلك لم يلاق من القراء العرب الاقبال الذى كان يمكن ان يناله كتاب في مثل منزلته وارى من واجبى -كاي قارىء - ان أسهم فى توضيح جوانب من هذا السد للذين استعصى عليهم فهمه وتأويله من حرفاء الكتاب العربي . وحسبي ان اثبت صادقا ما اعتلج فى نفسى من خواطر وافكار عند قراءته وما عرانى من اهتزاز اليم عند الفراغ منه .
ان اول ما اثار اهتمامى اللغة التى يلذ لي ان ادعوها دون تعسف او غلو لغة المسعدى فقد استطاع ان يحمل اللفظ الجافى رخما يفيض حياة ودفقا وشوارد من المعانى تتابى على رواض اللغة ورواد الادب . ولولا هذه القدرة المعجزة لما كان له ان يخلق ذلك الجو الاسطورى يروعنا ويروعنا ولما وفق الى ابتداع ذلك العالم المهيب ابطاله رجل متمرد رجيم ، وامرأة مطمئنة حالمة وبغل ذكي وذئب ذو عواء وهواتف منذرة وحجارة ناطقة واطياف تختلج جمالا ورقة . كل شئ فى هذا العالم يفيض حياة زاخرة وكل شىء ناطق ينذر بعجز الانسان وبطلان مساعيه... وهيمنة قوى اشد من الانسان واعلى واقوى من البشر واعظم هى قوة ... الله .
والهدف من هذه الرواية والمحور الذى ادير عليه الحوار هو مصير قضية "الفعل" والانجاز والخلق ، هو ارادة الحياة . فالمسعدى يشعر بان الانسان ليس وحده في هذا الكون ، والناس يتطاولون على القوى الخفية فابرز عواقب ذلك التطاول على لحن فاجع مريع . وما تكاد تمضى فى السد غير قليل حتى تتيقن ان كاتبه كتب لقوة الخلق والايمان بقدرة الانسان على الفعل والتحدى وبناء السدود فى صحارى الهزيمة والفشل فجعل كل شئ فى هذا الكون يسخر من " غيلان " الانسان الذي لا يبالى ، فالهواتف تنذره "انك العاجز . انك العجز" والحجارة تسخر منه مر السخرية : " كذلك هم . لم يقصر فكرهم عن شئ . كمثل قصوره عن فهم ما تقتضيه الحياة من التسليم والجبن والاسلام . " وقومة صهباء
يسألون للماء النار وللسدود الدمار وليدى غيلان ان تتبا ، وغيلان نفسه يؤمن في دفين شعوره وباطن عقله بالخيبة والخذلان فهو يعرف عجزه عن خلق العاصفة والزلزال وتدبير الكون و غلاب الموت الذى تداهمه به ميمونة شاهدا على عجزه وزيفة وإذعانه فلا يجد الى التخلص مهربا سوى ان يتفلسف قليلا في الموت ليستر عورة نفسه فيقول فى غيظ مرير وقد سالته ميمونة فى مكر : لو مت يا غيلان فيرد عليها محسورا . انا لا اخون ما اعده بنفسى من الاعمال والموت خيانة ... لا وجه للسؤال نحن لا نموت إلا فى آخر القصة .. الحياة والموت لا قدر فيهما يا ميمونة ولا قضاء ، "
والمسعدى نفسه ينكر من غيلان كل شأنه فيدعوه : "رجل كأئن زائف " ويصطفى له من الاسماء غيلان ، ويعوى الذئب ثلاثا ، نغمات سودا متفجرة من اعماق الكون انينا .
تبدأ حوادث هذه الرواية عند آخر عشى على منحدر جبل اخشب غليظ حزير نباته كالابر وارضه ظمآى وغباره كثير على حين نرى امراة ورجلا يصعدان فى عقبة كل شىء موحش مروع يومىء للنفس بكلماته التى تشير الى ابعاد في النفس .. غبار كثير وسماء صفراء وارض ضمآى وامراة ورجل يصعدان .. جو مظلم مسود هو لمحة الرواية وسداها ، ويأخذ غيلان وميمونة في حديث متعب لذيذ . اما غيلان فمنطقي الكلام مادى الايمان يسمى كل شئ باسمه في عالم الحس والمشاهدة . يرى ما يرى ويسمع ما يسمع ، وعلى النقيض ميمونة فهي امراة الغيب يتنزل عليها الوحى وتذعن للهواتف وتتوقع وتحدس وتتعظ ، تنظر الجبل فتسمع منه وتسمع الهواتف منذرة فى رطانة بكلام همهمة لغط بعيد المعنى فتراها تنكر من غيلان هذا الانسان المتحدى الثائر على منزلته البشرية واوهام الناس وتدعوه نذير خراب لهذا العالم الذى حل فيه "حلول الدود بالثمرة فالثمرة الى التعفن والفساد . "
غيلان بشر متاله بعيد الطموح هدام مقوض لا يريد لسنة الكون اذعانا كافر بالعراقيل والعجز والاسلام ، لا يؤمن بسوى المغالبة والصراع وقهر العقبات وتجاوز المصير وتبديل سنن الكون وانظمة الحياة على نحو ما يلذ له ان تكون ، والثورة على المعروف والمألوف . هو الانسان الاله يحاول جاهدا الانسلاخ من بشريته الخذيلة الواهنة الى اخرى اعظم شأنا واعلى . ما تعرض لشيء من ذلك بالتلميح
او التصريح الا دوت كلماته عنيفة قاسية صاخبة دليل ثورته وتمرده : " اقول ان اهل هذا الوادى قد سرقوا للوهاد سرابها . وان نفوسهم لنفوس باطلة الكيان كاذبة فروا من الفعل عجزا وبطلان نفس .. هذه الارض المتجعدة المغبار كالعجوز الفاجرة لاحبلنها ماء ، فاملأن بطنها ، فاخرجن حياة ، وسترينهم يا ميمونة يومئذ معرضين عن صهباء والشمس والقحط . " ويمضى فى ذاك الطريق الذى تكتنفه صعاب هول مفزعة وتداهمه الخيبات تترى فلا يحفل بشيء من امرها جاهلا الخبية انطلاقا الى الانتظار والفوز لانها طبيعة الحياة : " مستحيل ان اسكن او تسكني ميمونة لان حياتنا مفعمة عقبات وثنايا وارتحالات واسفارا ، خلو من كل وصول ونزول وكل قرار وسكون . " الحياة عنده حركة تنفي العدم وخصب ياتي على القحط وماء يطغي على الجفاف .. وسد يقهر صاهباء ربة اليبس ويبعث فى الارض الموات حياة وفى الاشجار الضامرة العقيم اثمارا لذة ذوبا .
يدخل غيلان البلدة فيرى اهلها مجانبين معذبين وهم لا يشعرون يضطجعون على الرمال ظهورهم الى الارض وبطونهم الى الشمس تحرقها ، تنفى عنها الماء وتطهرها من الرطوبة فتاتى على جمالها وبهرجها ، انها حياة تقوم على الاوهام : " هذه البلاد ما اكثر الاحلام بها والارواح ما اكثر الاصوات والانبياء . " وتقوم على النار والقحط والظمأ لان الماء اثم وسيئة ، ينحدر فى الوادى من تلك البلدة فيقع على هاوية يفور فى غيبها ماء العين ويقوم السد الى عينه فيصيح صيحة الظافر بعد يأس " سيكون جميلا رائعا اذا ما بنيته ميمونة " قام الى عينيه وسكنه حلما مقيما يريد ان يبدل به من حياة اهل البلدة قومة صهباء حياة القحط والغيب والاوهام وتعذيب الجسد ليعود ترابا جافا محرقا صلدا ، يتملكه الازدراء والاشفاق معا من هذه الحياة ، بل قل الموت فى اصدق حقائقه واشدها عتمة ، ويحاول ان يجعل من الماء اس الحياة فيأخذ فى تحقيق حلمه الذي يسكنه لا يريم ، وان يتخذ من السد الذى انتصب اليه مخايلة وتصديرا حقيقة فى عالم المشاهدة والعيان فيأتي على الاساطير الباطلة التى تعيش عليها شيعة صاهباء ، عبيد الهواتف وسدنة الانبياء ومن تلك اللحظة يدخل فى معارك هول مع الربة واشياعها يتحداهم فتسلط عليه الهواتف الجنون فتقتل صوت التجديف فى صدره وتشرب الكلمات على شفتيه وتخنق قوة العضلات فى فتل ساعده ، وتوحى الى كل ما حواليه ومن حواليه بالهريمة وتضطرهم الى الاستسلام . فكل شيء حوله يسلم ويذعن فالصخور
تفرقع والسواعد تهن والبناؤون يثورون سخطا والآلات تتعطب اضرابا عن الفعل . ويظن ان غيلان سيسلم ويذعن ولكنه عنود ما تكاد تعود اليه الكلمات حتى يصرخ ملء فيه : " ليس فى الحدود والعراقيل ما يعجز عن كسره العزم ... اما الاصوات الهواتف ونبيها وصهباؤها فعليها لعنتي لعنة الانسان " . ويدخل مع ميمونة فى صراع ... انها نقيضه ونذيره ... انها امرأة الحاضر والاحلام تعشق الحياة كما هى ، شعارها فى ذلك ان ساغ ان يكون لها شعار بيت الشاعر :
خذ الحياة كما جاءتك مبتسما في كفها الغار او فى كفها العدم
امرأة الشهوة واللذة الحاضرة : " هذا الفجر يا غيلان حبيبى وهذا النور كاشهى الطعام ."
ميمونة شرقية تعيش فى الحاضر تحت رحمة الهواتف والرؤى وعلى امل السماء راضية مسالمة قانعة ، انها روح الشرق وسر الطمأنينة والحلم (١)، امرأة الراحة والسكون واللذة العذرية الخالصة ، اسمعها تطلب اليه فى دعة صريحة وفى أنوثة : " لو سألتك يا غيلان ان نظل يوما بالكهف وان تنزع الثياب وادع الثياب وان نقضي معا يوما عاديا خالصا طاهرا لا يفصل بيننا كلام ولا حركة ولا ثوب وان تحبني ولا تكلمني واحبك ولا اقبلك وتمسني فلا تختص عني بلذة والبسك فلا امتاز عنك باحساس .. لو سألتك لقلت انت مجنونة .. ويكون حياؤك اقبح من كل فحش . وتكون كجميع الناس . وما رايت الا طهارة الحيوان والقطة تقع للقط والناقة تتصدى للفحل ولا تستحيى ولاتختفي ولاتنكر . ما احتاج الى سد الامن خشى التجرد والعراء .. انظر سدك كالغطاء يستر عورة نفسك ويوهمك القدرة ويستر العجز.. "
وكانما اصابه كلامها فى الاحشاء . واستبد به الشك ومالت نفسه الى سكون الهزيمة او كاد فيصيح : " ميومنة يا شكى وحيرة نفسي يا دائي ودودتي " وهنا ينكشف سر المأساة الفاجعة ، او ما يسميه نقاد القصة " بالعقدة " ، العقدة فى السد هى ان كانت ميمونة انشطارا لنفس غيلان الذي يقوم على ثنائية محيرة وتناقض عريب عجيب هو مركزية حوادث الرواية ، فهو يؤمن علنا بانه الانسان الرب يخلق كافرا بالحدود والقيود وفى باطن نفسه المعذبة تثور براكين خفية وصيحات اليمة مفزعة وانات سوداء موجعة موحشة ، انه يؤمن فى قراره بالخيبة والانخذال وميمونة هى صوت الحيرة فى نفسه الكامن فى خفايا الشعور .
غيلان قلق والقلق به مستبد يشتد على النفس ويحتد ويجعل المأساة اشد ترويعا . تنتهي بهزيمة غيلان وانهيار السد رمز جهاد الانسانية قاطبة الضائع الى غير قرار.. انه رمز لخيباتها الابدية وهي تجهد نفسها لغلاب العدم وقهر القوى الخفية فما تظفر من ذلك بطائل . فاذا رجاء البشرية فى الخلود حلم مضحك سخيف ، واذا السد الى كل ذلك كفاح الانسانية جمعاء تصوره ميمونة فى رؤيا رآتها : " نظرت ويلا شديدا وهولا . رايت الماء غائرا فى الهاوية اصواتا مشتبكة كانها اصوات الهاوية واقعا فيها كالحلم او الخبال او الامنية تقع فى الابد فتغيض فيه .. ولا يرده السد ولا يحبس منه شيئا . هكذا السد صراع بين الاسلام الى سنن الواقع الكونى والافلات من قبضة ذلك الواقع .. واذا غيلان ذلك الانسان الذي يداعب نفسه الامل والحلم ويابي الا ان يجعل منها حقيقة ، يخيب ويخيب وهو يتخذ من خيباته قوى تزيده بالحلم المأمول اغراء .. وهو لا يدرى ان مساعيه باطله واضطرابه عقيم .

