انا قطار الحزن
لا رصيف لي .
أقصده . . . فى كل رحلاتى
أرصفتى جميعها . . هاربة
هاربة ٠٠٠
مني محطاتى . .
كنت أسير فى الشارع فى اتجاه المحطة . وبذهنى تستحم آلاف الذكريات والصور والاخيلة . وكان الجو رماديا وعصافير ليلية تحوم فى الاجواء عندما تقدم مني شخصان ، على وجهيهما تعبر ابتسامات متنوعة وايديهما بيضاء طويلة . سلما على فى حرارة . قبلنى أحدهما مصافحا فى أدب وبلهجة توسلية طلب مني أن أقدم له أوراقى الشخصية . . . وبدون شعور ، أخرجت حافظ نقودى وقدمتها له . نظر الرجل في أوراقى . . . ثم رمق صديقه وقال بلهجة آمرة : " هو . . . هو من نبحث عنه . . . " ثم التفت الى وقال : " لم نكن نقصد ازعاجك لكننا فى حاجة ملحة اليك . . "
وبعد صمت قصير أضاف " أيمكننى أن انظر فى جبينك بامعان . . بدا لى الامر فى غاية من البساطة فسكت . أمعن الرجل النظر فى جبينى وضحك في وجهى . . . كان ضحكه جدولا عاصفا فى شارع طويل مقفر ولاول مرة اشعر باشمئزاز وانتابنى خوف راعش وشعور بخلو المكان . . ثم أحسست ان الاسفلت قد تحول إلى صحراء رملية . . وغابت أنهار وقطارات وأوجه كنت رافقتها فى رحلاتى الماضية . . . واستحمت بالافق شمس رمادية
خلف بحر قاحل . . وتكلم الرجل الثانى بصوت أجش يشبه الى حد بعيد نعيق الغربان السابحة فى العراء . تكلم مؤكدا ضبابية الاشياء وحبه العميق لما ينتابها من تغير مسرف . وصمت . ثم سرح بنظره فى البعيد محملقا . . أمسكنى الرجل الاول من يدى وسار بى بعض الخطوات ثم خاطبني : " ألك أصدقاء . . ؟ " كان سؤاله ضبابيا لكنى وجدت الجواب بديهيا فأكدت بصوت رزين : " لى أصدقاء كثيرون . . . " ابتسم ثم سألنى : " من هم أصدقاؤك . . " بدا لى الجواب بديهيا لكنني أحسست بتلعثم ثقيل فى لسانى . رددت " أصدقائى . . " فالتفت الى وعلى وعلى وجهه يرتسم ابتسام قاحل وأعاد
" أصدقاؤك . . . " أردت أن أركز فكرى لتفهم الاشياء لكن لسانى انطلق بكلام كثير فجأة ، مؤكدا أن كل الناس اصدقائي واحبائى . . . فأنا منذ أن وطئت قدماى هذا الاديم أعيش مع الناس . . . أفكر مثلهم . . بل انى ورثت عنها عدة أشياء كان أغلبها فى صالحى . . ." وقاطعني الرجل باشارة من يده والابتسام يلف وجهه . . . وبعد صمت قصير تغيرت ملامحه قليلا ثم سألنى بصوت دافىء : " وأعداؤك ؟ " ضحكت بداخلى عصافير ناعمة وحلقت فى أجواء بعيدة باحثة عن الليل . . . وشعرت ان الليل والصحراء والبحار الآسنة والرماح المشهرة فى الوجوه الرمادية ، ودوى الرصاص والاضمحلال فى مستنقعات الموت . . . لحن حزين كئيب رافقنى منذ الصغر . . . وبدون أن أشعر أحسست أن لساني قد استعد منذ زمن بعيد للاجابة فانبرى بصوت جهورى يؤكد : أن العالم هو عدوى الوحيد " اومأ الرجل برأسه وغام ابتسام منتش فى وجهه وبدت على محياه غرابة ليلية . وصمت مدة قصيرة ث نتم داخليا وأطرق . . . ثم رفع رأسه ليرقنى بعين شديدة ، بعثت الصداع فى رأسى . . .
فأحسست بثقل الصحراء وصعوبة المشى فيها لمن كان لا يعرف الارتماء فى الابعاد . . ولا يحسن السباحة فى الاعماق . . .

