قصة
كان زهوها ، يوم التحفت به لاول مرة ، لا يوصف . فقد احست بأنها تطلق عهد الصبا ، وتكبر عدة سنين دفعة واحدة . وكانت لا تنفك تقف امام المرآة وتستدير على عقبيها تراقب التفاقه حول جسمها الفارغ ، تطيل أذياله تارة وترفعها تارة اخرى لثرى الوضع الذى يلائم قامتها .
لقد انتهى عهد اللعب واللهو في الزقاق الى غير رجعة . من الذهاب الى البقال المجاور . فقد اصبحت الان " للا " وأصبح بامكانها ان ترافق امها لزيارة الجيران والاقارب وان تشارك في الاحاديث المطروقة تثنى على " فلانة " وتنتقد " فلانة " وتسخط مع الساخطات على ما وصلت اليه الاخلاق من تدهور وعلى ما بلغته الفتيات فى هذا العصر من خفة ومن وقاحة فى تصرفاتهن ، وستبكى مع الباكيات على اخلاق الماضين التى ذهبت معهم . ولديها من الامثلة التى تشاهدها فى أواسط رفيقاتها فى المدرسة ما يفتح لها قلوب المستمعات من النساء فيرين فيها الفتاة المثالية التى تتمنى كل امرأة أن تتخذ منها كنة لها
كانت هذه الخواطر تغزو عقلها كلما وقفت امام المرآة وهى ترتدى " السفسارى " . ما اعظم فرحتها . سيقضى هذا الحجاب الابيض الناصب على الاضطراب الذى تملكها يوم احست باستدارة نهديها الصغيرين ، وعذوبة شفتيها القرمزيتين ، سيحجب " السفسارى " كل مفاتن الشيطان كما يقول ابوها فى كل مناسبة وما اكثر المناسبات التى كان يعلن فيها سخطه على المرأة . وكان يعجبها فى ابيها انه كان يحفظ جميع اقوال المتقدمين والمتأخرين في ذم المرأة . وكانت على ثقة تامة بأن اباها لا يخطئ قط ، كيف يكون ذلك وهو الذى قضى عشرات السنين يدرس فى الجامع الاعظم جامع الزيتونة ، لم يترك صغيرة ولا كبيرة الا احصاها . وظلت تترقب بفارغ صبر صبيحة اليوم الذى ستذهب فيه الى المدرسة " بالسفسارى " وتنضم الى فريق المحجبات من تلميذات صفها ، فيقوى بها حزب الفضيلة على حزب الرذيلة .
واستيقظت صبحة اليوم المنتظر مضطربة لغرابة الاحلام التى مرت عليها تلك الليلة فمرة رأت نفسها تسير وسط الشارع عارية تماما ، ومرة حلمت انها تتعثر باذي " السفسارى " وتنكب على وجهها ، الى غير ذلك من الاحلام المزعجة التى جعلت نومها قلقا متقطعا
ولم يكن مجيئها الى الصف بشكلها الجديد حدثا هاما ، اذ ليست التلميذة الوحيدة التى ترتدى " السفسارى " .
والفت زيها الجديد وغدا لها الامر طبيعيا مع الايام حتى انها اصبحت تلقى بحجابها الابيض كيفما اتفق بعد ان كانت تعتنى بطيه ، فى كل مرة تخلعة ، عناية فايقة .
وعندما بلغت الصف الرابع الثانوى ، لم يؤثر فيها العدد الوافر من التلميذات السافرات بل استمرت على حالها ، انما الشىء الوحيد الذى كان يؤلمها هو تلك الابتسامات من بعض التلميذات اللواتى " تحضرن " فأخذن يتباهين بازيائهن الاوروبية .
وحدث مرة ان جاءت رفيقتها " امينة " الى المدرسة بدون " سفسارى " واعتاضت عنه بثوب طويل الأكمام وغطاء للراس ، ولشد ما اغتاظت عندما شاهدت بنات صفها ، يستقبلن امينة بعاصفة من التصفيق وصيحات التشجيع والاطراء ، حتى اضطرت الناظرة أن تقبل مسرعة لتستطلع الخبر فاجابها بعضهن ضاحكات بأن امينة تخلصت من " السفسارى " فلم تتكمن الناظرة من اخفاء ابتسامتها ، ثم طلبت منهن الهدوء وانصرفت
وسرعان ما انتقلت عدوى السفور من أمينة الى عدد آخر من التلميذات وكانت كل سافرة جديدة تستقبل بمثل ما استقبلت به أمينة وفي كل مرة كانت الناظرة تسرع لاستطلاع الخبر تم تنصرف باسمة . . وغدا حزب الشيطان هو الأكثرية فى الصف فازداد ألمها وبدأت تشعر بشئ من الضيق ، وكانت تراقب بطرف خفى ذراعى " فاطمة " العاريين حتى الكنفين وتحس بالخجل عندما تنظر الى صدر " فتحية " المكشوف حتى اصل النهدين وتلعن فى سرها " نبيهة " التى تأبى الا ان تصفف شعرها دائما حسب أحدث موديلات تصفيف الشعر وكثيرا ما تساءل نفسها عما حدث لهذا الجيل حتى فقد كل احتشام ، انه لا شك تأثير الغرب . ماذا يقول ابوها لو حدثته عما فى صفها من اعاجيب ، انه لن يتردد في اقتلاعها من المدرسة اقتلاعا ، وهناك المصيبة الكبرى ، لا لن ترتكب هذه الحماقة ابدا ، معاذ الله ، انها تفضل الف مرة أن تتحمل كل هذه الامور من رفيقات صفها علم ان تقبع بين اربعة جدران فلا ترى الوجود الا من خلال نافذتها . لشد ما ترعبها هذه الفكرة وقد اصبحت قريبة من انهاء المرحلة الثانوية من تعليمها . وبدأت تنطوى على نفسها ، وقصرت علاقاتها على صديقتين او ثلاث من تلميذات صفها العشرين
وازدادت حالتها تأزما عندما بدأت تسمع بعض أساتذتها يدعون
باستمرار الى نبذ البالى من التقاليد وهم لا شك يرون أن " السفسارى " أحد هذه التقاليد البالية ، وان كانوا لا يفصحون عن ذلك بصراحة بل كانت تشعر كلما طرق احدهم هذا الموضوع أنه يقصدها هى بالذات ، ولكنها بدأت مع الايام تدرك ان المرأة المسلمة كما تبدو من خلال شروحهم وتعليقاتهم ، كائن آخر يختلف عن ذلك الكائن الحقير الذى عرفته من خلال احاديث ابيها .
وبدأت تألف جو الصف وبدأ احساسها بشخصيتها يشتد ويقوى ، وجاهدت نفسها على الخروج من قوقعة ذاتها وعملت على تمتين علاقاتها بجميع تلميذات صفها بل لم تعد تجد حرجا فى ان تثنى على ذوق هذه فى حسن اختيارها لفساتينها ، وفي أن تبارك لتلك تصفيفة شعرها الجميلة ، وصارت تخلع " السفسارى " وتضعه فى محفظة كتبها قبل دخولها الى الصف ولا تلبسه الا بعد خروجها منه ، وادركت ان للحياة وجها آخر وان اساتذتها على حق فى قولهم بأنه لا ينفع مع فساد الخلق حجاب ولا يضر مع الخلق الرفيع عرى انها مقتنعة بذلك ولكن ما هى الفائدة من اقتناعها ، فالمهم ان تتمكن من اقناع والديها ، وارتجفت عندما تخيلت ثورة ابيها وقضاءه على مستقبلها بكلمة واحدة . فما العمل اذا ؟ ماذا لو حدثت امها واخبرتها برغبتها في خلع . . يالله انها تعرف امها جيدا ، ان اول ما ستفعله عندما تسمع هذا الكلام المنكر هو ان تلطم وجهها براحتيها وتبكى وتستعيذ بالله ، لم يبق امامها الا ان تضع فى الجرح ملحا وتصبر حتى تنتهى من دراستها وتنتقل الى العمل وعند ذلك يفرجها الله
ولكن هل بامكانها أن تصبر ايضا ، لم تعد تطيق غبطة رفيقاتها على انطلاقهن وتفتحهن للحياة بل تريد هى ان تحيا ايضا وقبل فوات الاوان يجب ان تعمل على تمزيق الحجاب عن عقل ابيها ولا بد ان تصل الى تمزيق هذا السفسارى اللعين . ثلاث سنوات طوال عجاف ، انها تكاد تختنق ، انها تشعر وكأنه يمنعها عن النمو ، وبما انها تخلعه امام اساتذتها فى الصف فلم لا تخلعه امام سائر الناس
وذات مساء عادت الى الدار وقد عزمت على امر . كانت السهرة شأنها كل ليلة ، والداها منصرفان الى السمر واخوتها الصغار يرددون قطع المحفوظات واعداد الحساب . فغادرت طاولة عملها وانضمت الى الاسرة وابتسم الاب لمقدمها ، وتثاءبت الام ، وآنست من جانب ابيها لينا ولكنها كانت تجيب على اسئلته باقتضاب ، وصعب عليها أن تفجر قنبلتها وتحيل سعادة الاسرة
الى شقاء ، ولكنها لم تعد طفلة صغيرة لقد غدت فى سن توجب على الاخرين أن يحترموا رأيها . .
. . ورأت اباها يتهيأ للذهاب الى فراشه فعارضته وقالت بجراة عجيبة : سيدي ساخرج غدا بدون سفسارى . . لم تدر كيف تلفظت بهذه الكلمات ، بل شكت فيما اذا كانت هى التى قالتها وجحظت عينا الاب وزار بها كالاسد الطعين :
- ماذا تقولين ؟ - قلت بأني سأخرج غدا بدون سفسارى ، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة تشبه ابتسامة القبر لميت جديد وصاح بها وهو يدفعها بيده
- اغربى عن وجهى ، لعنة الله عليك ، وعلى المدرسة ، وعلى هذه الحالة التى وصلنا اليها ، اذهبى . . لن تغادرى بعد الان عتبة الدار ابدا
واسرعت الام على صياح زوجها ، وصعقت عندما سمعت ابنتها تصرخ بوجه ابيها بوقاحة غريبة :
- بل ساخرج غدا . وبدون سفسارى ، ولن يقدر اى مخلوق أن يمنعني عن ذلك . . وجمدت الكلمات على شفتى الاب ( وامتلا فمه ) بالزبد ( وحدق ) هى وجه ابنته وصاح بصوت يشبه حشرجة : المحتضر
- اخرسي يا كلبة يا بنت . . وهوى على وجهها بلطمة عنيفة افقدتها صوابها فلم تسمع نشيج امها وتصايح اخوتها بل استدارت وانهارت نحو الارض متشبثة بثوب امها . .
ولما فتحت عينيها وجدت نفسها وسط سريرها ووجدت اصابعها متشبثة بطرف الغطاء واحست بصلابة حد السرير تحت خدها الايمن وسمعت امها تناديها للذهاب الى المدرسة ، وترامى اليها صوت ابيها ، يكبر الله وابتسمت للضوء المطل من النافذة شاكرة الله على ان الامر لم يتعد الحلم
وبعد ايام اسرعت الناظرة مرة اخرى عندما سمعت عاصفة تصفيق جديدة تنبعث من الصف الرابع الثانوى ، وعندما اخبرتها التلميذات بالحدث الجديد ابتسمت لهن وانصرفت .
