الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

السلاح الثقافي عنصر أساسي، لمعركة التحرر الفلسطيني

Share

أن الكرامة فى هذا العصر لا تكون الا بالخروج من التخلف اى بتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والتنمية الشاملة بالنسبة لمختلف الاقطار العربية هى سبيل الترابط والتكامل ولا يمكن تصورها الا كخطة تهدف لتحرير شعوبنا من مختلف آفات هذا القرن، وهذا يعنى أن التحرير يبقى دوما الهدف الذى ترمى اليه جهود الانسان فى كل المجالات وفى مقدمتها المجال السياسى. ذلك أن مركب التحرير السياسى الذى انطلقت مسيرته منذ نهاية الحرب العالمية الاخيرة لم يستكمل طريقه اذ لا يزال عدد من الشعوب يكافح من أجل حريته واستقلاله وفى مقدمتها الشعب الفلسطينى الذى سيقول عنه التاريخ : إنه هو الذى ابدى فى كفاحه ضد الكيان الصهيونى أشد المقاومة ضراوة وتعرض لغزو مدعم بكل مقومات الحروب العصرية من سلاح ومال ووسائل اعلام وثقافة.

وفعلا لقد كان الكثير منا يعتقد أن العمل الثقافى هو أساسا خدمة الانتاج الفكرى والحث على الخلق والابداع ولئن كان من حق طبيعة هذا العمل أن يترجم عن مشاغل الامة ومطامحها فلا ينبغي له أن يخدم الاغراض الدنيئة، ولا ان ينحاز الى الرذيلة. الا انه من المؤسف أن يتغير هذا المفهوم فى ذهن من بيده الحل والعقد فى بعض المجتمعات المتقدمة وتصبح الثقافة فى عداد الوسائل الدعائية تستعمل كالغلاف الخلاب لتسويق المبادئ الايديلوجية والخطط الاستراتيجية.

وقد اصبحت القوى العظمى شرقا وغربا تركن الى الاستفادة من هذا البعد وتسعى لاستعماله بأكثر ما يمكن من احكام وذلك لبسط نفوذها السياسى

وفرض تغلغلها الاقتصادى فى أوسع مجال. ولم يعد يتحاشى البعض من التصريح علنا (( ان التحرك السياسى على الصعيد الدولى الذى كان يرتكز على أسس ثلاث :

أى القوة العسكرية والعمل الدبلوماسى والنشاط الاقتصادى اصبح فى حاجة الى اساس اضافى الا وهو البعد الثقافى الذى وقع تجاهله فى الماضى بينما هو لا يقل فى الواقع أهمية عن الركائز الاولى، نظرا لما يمتاز به من مرونة وما يضيفه على العمل السياسى فى الخارج من عمق ومتانة.

وها هى التحركات المريبة التى نسجلها داخل المنظمات الدولية المختصة يشؤون الثقافة والعلم تصدر خفية وعلانية عن هذا وذاك من الاقطاب لتؤكد رسوخ هذه النزعة الخطيرة إلى استعمال الثقافة كسلاح لتوسيع رقعة النفوذ.

فلا غرابة اذن ان تعمد الحركة الصهيونية الى استعمال المقومات الثقافية وخاصة الجانب العقائدى منها واستغلال أجهزة الاعلام الى أبعد حد.

وفعلا فقد اعتمد الصهاية، تساندهم فى ذلك فيالق الاستعمار الانقليزى، الواعز العقائدى والاعلامى وبصورة عامة البعد الثقافى كوسيلة رئيسية لبلوغ مآربهم اقتناعا منهم بجدوى هذا السلاح وبمدى الكسب الذى يمكن التحصل عليه من جراء استعماله.

وهذا ما دعاهم الى اختيار الاراضى الفلسطينية كعقر للكيان الصهيونى منذ مؤتمر حركتهم الاول فى نهاية القرن الماضى رغم الحلول البديلة المعروضة آنذاك. وقد ورد فى احدى خطب ناحوم قلدمان رئيس المؤتمر اليهودى فى سنة 1947، انه كان ممكنا لليهود أن يحصلوا على أوغنده أو مدغشقر أو غيرها ليقيموا فى أى منها وطنا يهوديا ولكن اليهود لا يريدون سوى فلسطين.

وقد ألحت الحركة اليهودية فى التركيز على علاقة اليهود بفلسطين اعتمادا على الصلة العقائدية التى تربطهم بهذه المناطق التى استوطنها البعض من اجدادهم قبل ثلاثة آلاف سنة بمدينة القدس ذات المعالم الاثرية وشبه جزيرة سيناء التى انزلت بها الوصايا العشر على سيدنا موسى عليه السلام.

وقد استغل الصهاينة هذه العلاقة الروحية القديمة لتعبئة الطاقات حولهم وبناء حركتهم السياسية.

ومن نكد الدنيا أن عمدوا الى استغلال هذا العامل العقائدى فى أبشع مظهر واتجهوا إلى مغالطة الرأى العام فى المجتمعات الغربية عامة حيث رفعوا ذلك الشعار السخيف الزائف ((أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)).

وقد قصدوا به مما قصدوا ايهام ذلك الرأى العام بفراغ فلسطين من العمران بل من كل أثر حضارى متجاهلين سكانها العرب الذين كانوا يمثلون آنذاك 90 % على أقل تقدير من مجموع المتساكنين، وآثار الامم والحضارات التى عمرت الارض الفلسطينية من قبل اليهود منذ أقدم العصور.

وقد أدرك الصهاينة إذ ذاك ما لاجهزة الاعلام من سلطان فاستخدموها ببراعة فائقة فى تشويه الواقع وطمس الحقيقة واستغلوا السنما والتلفزيون والقصص البوليسية والمسلسلات الصحفية المصورة لخدمة اغراضهم الدنيئة وتحويلها عن وجهتها التثقيفية. فأصبحت هذه الوسائل بقدر ما تتحاشى كل ما من شأنه أن يمس من سمعة اليهود تتسابق الى ابراز النواحى المزرية والتركيز على ثلب العرب، والاستخفاف بهم متجاهلة ما لهم من نواح ايجابية وقيم حضارية.

وشعورا من قادة الحركة الصهيونية بأهمية البعد الثقافى فقد استغلوا مختلف جوانبه الى أبعد حد. وقد ارتكز حاييم وازمان رئيس الحركة فى سنة 1916 على هذا العنصر لاثارة الوتر الحساس لدى الشعب البريطانى واقناعه بالمكاسب الادبية التى سوف تنجر له بعد بعث الدولة اليهودية فى فلسطين، معتمدا على فكرة أن كل ذى نظر بعيد لا بد أن يدرك مدى أهمية وجود اسرائيل بتلك المنطقة الحساسة من العالم اذ ستكون احسن ضامن للحضارة الغربية وأفضل مدافع عنها فى الشرق الاوسط.

وفعلا فقد توصلوا بمثل هذه الاساليب الى قلب التيارات الفكرية وكسبها الى جانبهم رغم عدم واقعية اهدافهم وبعد مراميهم عن الحق والعدل. وكان لهم ما أرادوا، وانساقت المجموعة الدولية وراء اهوائهم فأيدت اغتصاب ارض من شعب لاقرار اناس من جنسيات وهويات متعددة فى أرض غير ارضهم، لئن كانت تجمع بينهم العقيدة والعرق، فانهم يفتقرون الى كل مقومات الذاتية الاخرى. وولدت بحكم رغبة الاستعمار، هذه الدولة المفتعلة التى كانت فى الواقع امتدادا له فازدهرت بصورة مصطنعة فى أجل غير معهود وتفوقت بفضل المدد الاستعمارى غير المحدود فى مختلف المجالات على بقية بلداه المنطقة.

لكن فات مؤسسيها كما صرح بذلك منذ سنوات المفكر الفرنسى ريمون رون لاحدى الصحف المصرية: ((انه لا يمكن أن تنشأ دولة لاناس قادمين من عدة بلدان لا يربط بينهم الا العرق والدين اذ أن ذلك لا يكفى، لاختلاف الثقافات واختلاف انماط السلوك، وقد يكون نتيجة هذا الازدواج الثقافى والسياسى انفجار اسرائيل من الداخل)).

وها هو الواقع يؤيد نظرة هذا المفكر الذى يدين باليهودية، اذ اصبح هذا المجتمع الذى تصر على تقديمه وسائل الدعاية الصهيونية وانصارها كمجتمع حر ديمقراطى مجتمعا قائما على أبشع مظاهر الظلم والتمييز لا بين اليهود وغير اليهود فقط بل وحتى بين اليهود انفسهم أعني بين النازحين من البلدان العربية والذين ينحدرون من أصل أوربى.

وقد شعر مؤسسو النظام الصهيونى بنقطة الضعف هذه وادركوا أن الهوية الثقافية لا يمكن أن ترتكز على العقيدة والعرق وحدهما، اذ أن الذاتية تتمثل فى مجموع الرموز والعناصر التى تجمع بين كافة افراد المجتمع، وهى تتجلى من خلال المؤشرات المادية كنمط العيش وطرق الانتاج ومختلف التقاليد والقيم، وبالاضافة الى ذلك فهى الذاكرة الجماعية والضمير المشترك الذى يوحي بالمواقف والمبادرات التى تنبع من منطق تاريخى وجغرافى واحد وهى بالتالى محور الامة وأداة دوامها وتجددها.

لذلك فان الصهاينة اصبحوا يبحثون عن الروابط الثقافية التى يمكن لها أن توطد اللحمة بينهم فخادعوا انفسهم وأوهموا من انساق وراءهم بأن هويتهم كامنة فى أعماق الارض التى اغتصبوها.

نعم ان فى فلسطين بالذات معالم حضارية واثارا تاريخية من الاهمية بمكان لا للعرب وحدهم بل للانسانية قاطبة. وقد عمدت سلطات الاحتلال الصهيونى الى تهويدها، فعاثت فيها فسادا وهى ما زالت لحد الآن تسعى لمس معالم الحضارة العربية الاسلامية بهدم القرى وتشييد البناءات الشاهقة فوق المعالم الاثرية واجراء الحفريات حيث لا مجال لاى تنقيب مثلما هو الشأن فى المسجد الاقصى بالخصوص.

كما أن الكيان الصهيونى ما زال يمعن حتى اليوم فى ممارسة سياسة القمع ضد الشعب الفلسطينى فى الاراضى المحتلة، يشرد مثقفيه وطلابه ويشدد الخناق على مربيه ويغلق مؤسساته التعليمية وهو لا يترك فرصة تمر دون المس بوسائل التعبير الفكرى للقضاء على الثقافة الوطنية الفلسطينية.

لقد جهل المتعنتون الصهاينة أن الهوية الثقافية التى تنحت على مر العصور لا بالسلاح تفتك ولا بالمال تشترى وانه لا يمكن القضاء على مخلفاتها بين يوم وليلة.

الا انه رغم يقيننا بحق الشعب الفلسطينى وقناعتنا بغرور اعداء العرب فانه لا يمكن التهاون فى مواجهة هذا المظهر الآخر من التحدى الصهيونى.

ذلك ان الاغلبية الساحقة من الدول الصغيرة بما فيها التى تخلصت منذ عشرات السنين من الاستعمار السياسى وحتى التى تنتسب الى العالم المصنع، بمقتضى وضعها الجغرافى والاقتصادى، هى معرضة اليوم للغزو الفكرى وان هويتها الثقافية مهددة بالتشويه والذوبان فى الوقت الحاضر أكثر من أى وقت كان.

وذلك نتيجة التخطيط المحكم لعمليات التوسيع الثقافى والمساندة التى توفرها لذلك وسائل الاتصال الحديثة.

وقد يسرت هذه الوسائل، التى تجاوز مردودها ما كان يتصوره الخيال مهمة القوى العظمى فى استغلال البعد الثقافى على أوسع مجال وأصبحت الذاتية الثقافية فى الدول الصغرى وكانها فى شبه حصار.

وانه لمن المنطقى اذن ان يستعمل الشعب الفلسطينى فى كفاحه السلاح الثقافى كما استعملته من قبله حركات مماثلة وان تركز على استغلال مختلف مظاهره حتى تواجه العدو بسلاح مثل سلاحه.

وقد اهتمت جامعة الدول العربية والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وغيرهما من المنظمات العربية الاخرى بهذا الموضوع الشائك وسعت كل منهما حسب مشمولاتها على التعمق فى مفهوم الامن الثقافى العربى ومعالجته فى مجاليه الاساسيين المادى والمعنوى اذ ان ضمانه يستدعى من الجانب المادى اقامة المنشآت التربوية والثقافية القادرة على الايفاء بمختلف متطلبات الانتاج الثقافى والعلمى الرفيع، ومن الجانب المعنوى توفير الحماية للانتاج الفكرى وتدعيم الحوافز عليه. ونحن نعلم مدى انعكاس ذلك على مناعة الشعوب العربية ودعم معركتها ضد الاستعمار والصهيونية.

وقد أولت هذه المنظمات عناية خاصة الى العامل الثقافى فى الكفاح الفلسطينى وقدمت المساندة الطبيعية لمنظمة التحرير فى هذا المجال كما هو الشأن فى المجالات الاخرى.

ومن جهة ثانية فانه لا بد من الاشارة الى القرارات التى اتخذتها منظمة الينسكو ولجنة التراث العالمى المنبثقة من هذه المنظمة، والخاصة بالقدس واسوارها باعتبار ما تضمنته هذه المدينة من آثار ذات قيم حضارية عالمية دينية وتاريخية.

لقد بذلت الينسكو جهودا ملموسة فى خدمة الثقافة الانسانية عامة. ونحن نتمنى ان تتواصل الجهود حتى تساعد هذه المنظمة الشعب الفلسطينى على الحفاظ على تراثه وعلى الذاتية المميزة التى ورثها عن أجداده.

ونحن نأمل أن تعمل فى نفس الاتجاه الجمعية العالمية للحفاظ على التراث الثقافى الفلسينى ورعايته التى احتفلنا بتركيزها منذ أقل من سنة، وتؤازر الشعب الفلسطينى فى مواجهة الاضرار ودفع الضمير العالمى على المساهمة بوضوح وبدون تردد فى انقاذ التراث الفلسطينى وحمايته من المخاطر المحدقة به والمحاولات الرامية الى طمسه وتشتيته فى نطاق القضاء على مقومات الشعب الفلسطينى بأسره.

كل هذه الجهود بناءة ورغم ذلك فاننا نعتقد انه من الممكن بذل المزيد من العطاء فى المجال الثقافى، ومن الضرورى تسخير كافة الطاقات حتى تقدم المنظمات العربية والدولية المختصة كل ما فى وسعها لتكون خير معين على قراءة صحيحة لماضى الشعب الفلسطينى وتساعد منظمة التحرير على استعمال السلاح الثقافى بصورة علمية وبمختلف معطياته للتخلص من الاستعمار واسترجاع حقوق الفلسطينيين المغصوبة.

اشترك في نشرتنا البريدية