انت تخيفيننى يا سندبادتى الصغيرة ، كم انت بارعة فى العزف على اوتار القلوب ، وانى لأحس بان اوتار قلبى تترنح من السكر تحت اصابعك الدامية المقلوعة الاظفار .
احسست يا سندبادتى الصغيرة ، وأنا أقرأ رسالتك بان شيئا قد تغير فى حياتى ، وبان تحولا كبيرا قد تم فى مزاجى ، احسست ان درجة حرارة دمى قد ارتفعت ، وبان الارض اصبحت تدور بى الى الوراء حتى لأكاد أقبض على الماضى ، وها هى خصلات شعرك لم تزل منها شعرات بيدى ، احسست بان هذا واقع يا سندبادتى الصغيرة كما يحس النائم فى رؤياه ، فاسرعت خطاى الى مرآة كانت معلقة فى ذهنى فاذا هى تعكس لى وجها كنت اعرفه فى شبابى وجها لا غضون فيه ، ورأيت شعر رأسى اكثر سوادا مما كنت اراه فيه من قبل وتأوهت كما يتأوه الذى سقطت من كتابه صورة له قديمة فالتقطها فاذا عرف وجهه فيها اغلق الباب دونه وتأملها ، ثم نفض يده منها وعاد الى عالمه منفصلا عن حياته القديمة والجديدة معا فلا هو فى ماضيه ولا هو فى حاضره ، واى شىء اشد شبها بالموت من ان يصبح الانسان بلا زمن ؟..
انت تخيفيننى ، لقد تذكرت كل شئ فى اليوم الذى رأيتك فيه وتذكرت التفاحة التى ناولتنى اياها لتخرجي من عالمى .. تفاحتك هذه المرة لم تكن تفاحة يا سندبادتى بل كانت شيئا آخر كانت قطعتين من الشكولاطه ، نعم بكل تأكيد انت تخيفيننى لاننى رجل مغرور ، واذا شئت فانا رجل قضى عليه الغرور طوال حياته ، غير انى اذكر لى فضلا واحدا وهو اننى اعرف جيدا اننى رجل مغرور . لذلك كان النزاع بينى وبين نفسى قائما ، وهل انا فوق هذه الارض سوى ظل ذلك النزاع .
نزاع قديم صاحبنى فى كل مرة اقف فيها على هذه الارض ينتهى كل شئ وهو لا ينتهى .
ان فى قلبى يا دميتى الصغيرة ، بل يا سندبادتى الصغيرة ، يقوم خصمان : الغرور ، والعقل ، لذلك انا ارجوك ان لا تقفى الى جانب احد هذين الخصمين وان لا تتحالفى معهما واذا كنت لا بد فاعلة فلا يكون ذلك منك للغرور انا اعرف مثلك ومثل كل هؤلاء الذين يبصرون ان الغرور عذب وجميل فى الوقت نفسه ، وانى لا اكذبك اذا قلت لك انى شربت منه مرة وتمززت جرعة مرة من كاسه فاذا هى تسكرنى طوال حياتى .
حتى لقد ظن بى اصدقائى وحتى انت يا سندباتى الصغيرة اننى رجل مريض ، لقد أوجعك مرضى فناولتنى جرعة اخرى متمثلة بقول الحسن بن هانى : (( وداونى بالتى كانت هى الداء )) ، فاذا انا بعدها اكثر غرورا واشد مرضا مما كنت لقد سألتك مرة ان تعصفى فى مكان غير المكان الذى انا به لانى لم اعد فى هذا المكان سوى ذرات صغيرة من الرماد ترقد تحتها رمة بالية لقد كان هذا الرماد هو اللحم الذى يكسونى فاذا انا اليوم رمة بلا لحم وبلا رماد ، اعيدى الى كسائى فالرماد كساء سحرى يسميه الناس اليوم النسيان .
لقد ألفت هذا الكساء فهل تهبينه لى بعد ان انتزعته منى ولكن عبثا اطلب منك ما لا يطلب ، فانت صورة من الاه قديم كان يقول الكهان عنه انه شديد الخوف من العدم لذلك تراه يبحث عن وجوده فى آلام الآخرين ، يالك من إلاه سادى تعذب الناس ليلجأوا اليك ويعترفوا بوجودك ، انك إلاه ذكى تعرف انك لولا هؤلاء المعذبون لم تكن شيئا . لقد عذبك العدم والوحدة آلافا من السنين والقرون فاذا بك تخرج من هذه الوحدة وتصنع لك دمى يسبحون بحمدك ويعرفون لك القدرة والطول ، أليس كذلك يا سندبادتى الصغيرة ؟ لذلك رجوتك ان تعيدى الرمة البالية الى ما كانت فيه من عدم فاذا أنت تدفعينها بحرارتك وبقوتك وبفتوتك فاذا انا نسمة فى عاصفة وقطرة فى بحر وذرة فى كوم رماد ، لقد كان لى فى زمن بعيد سندبادة صغيرة مثلك مازلت اذكر يدها وهى فى يدى ، ولقد عددت اصابعها مرة فلم يكن لعدد هذه الاصابع نهاية ، عددت اصابعها عندما كنا نركب سيارة وكان الوقت ليلا ، اما اتجاه السيارة فكان لا يعرفه الا السائق لاننا كنا فى غفلة من الزمان والمكان ، وما زلت أذكر أن خصلة من شعرها تداعبني فى وجهى ، الشعر يا سندبادتى جميل لم تكن المرأة سوى شعرها لقد افترشته يوما وصنعت لى منه وسادة
ونمت ، غير انى لم أفق منذ ذلك اليوم ، الشعر عالم لا حدود له ، لقد دخلت يوما هذا العالم المخملى فلم اشعر بشئ أهدأ ولا أطيب ولا اكثر دعة منه ، لقد حاولت مرة أن أقبل أصبعا من تلك الاصابع فاذا هو أصغر من فمى ، لا يشغل إلا حيزا صغيرا منه ، لقد حسدت شفتى بعض شفتى فاذا شفتى تصرخ ولم يسمعها أحد سواى مطالبة بالعدل بالانصاف وتحركت اسنانى تطالب بنصيبها من الحياة فاذا الاصبع تعضه أسنانى ، واذا شفتى أمام أسنانى تضعف عن الطلب . لقد كان كل هذا والسائق يثرثر ويحدثنى عن مكان سعيد بينما انا كنت فى أجمل مكان وأسعده ، كنت أجامل السائق لانى كنت استمع الى نفسه دونه نفسه ، كانت تسبنى تشتمنى تحسدنى تصيح من الحرمان ، لقد استمعت الى نفسه تقول لى ايها المحب الشره لست أحق بالحياة ولا بالحب منى .
ذلك السائق المنافق الذى كان يبسم لى ويبدى الصداقة لم يكن يعرف أنى كنت أستمع الى ما يدور فى داخله . كنا نجلس نحن الاثنين فى المقعد الخلفى ، اما هو فقد كان وحده أمام مقود السيارة يشق طريقا يلفها ظلام الليل ووحشة القلوب البائسة اليائسة الوحيدة . لم اكن اعرف فى تلك اللحظه من شعور ذلك السائق ما أنا أعرفه اليوم ، وحتى صوته لم أكن استمع اليه بالوضوح الذى أستمع اليه اليوم ، لذلك كنت اليوم أكثر قدرة على قراءة رسالتك منى بالامس آه ما اقسى الحياة وما اشدها غير أن بعض الناس لا يرون رأيى فيها ، فينسبون قساوتها لأنفسهم ولا يقولون أن الحياة عزلتهم بل هم هم الذين اعتزلوها ، ولقد رأيت مرة رجلا شيخا ذا مسبحة خضراء ولحية طويلة بيضاء يلبس ثوبا من صوف بأحد المساجد يصلى ويرفع يديه ضارعا الى الله تعالى قائلا : اللهم انى تركت لذة الدنيا فى سبيلك ، ولم أر منذ ذلك اليوم عابدا مصليا اكثر كذبا منه .. وقد استمعت الى الله يضحك منه بملء فيه ويقول له : ما بقى فيك من قوة حتى تعصينى وتذهب فى سبيل غير سبيلي ؟ واوعز الله الى عزرائيل بان يقبض روح هذا الكاذب ، وعلى قبره رأيت جماعة من الشيوخ يذكرون مناقبه ومزاياه ، غير واحد لم يتكلم .. فدنوت منه فاذا نفسه تتحدث بحديث لا يفهمه كل الناس ونفذت الى قلبه فاذا به شاشه تعرض شريطا رأيت الرقابة فى وزارة الثقافة ترفض أشرطة أقل خطرا منه . ومما علق فى ذهنى من ذلك الشريط ان الناس رجل واحد ، وان الاحداث تتغير الاشخاص القائمة عليها ولا تتغير . لقد ابصرت أخطائى كلها يأتيها ذلك الرجل الميت غير أنى كنت اكتمها على نفسى وانكرها عليه . ومما رأيت فى ذلك الشريط يا سندبادتى الصغيرة ، ان ذلك الرجل الشيخ لم يكن سوى سندباد جوالة
مثلى رفض ان يقضم اللحمة الاخيرة عندما سقطت أسنانه ، أما أنا فلم تزل عندى بعض الاسنان بها شره الى اللحم . لقد سألنى أحدهم يا سندبادتى يوما لماذا لا اذهب الى الجامع ؟ فقلت له ألم تر أن فمى به بعض أسنان غير أن الدرب الذى كان يبعدنى عن الجامع قد قصر اليوم ، وغير بعيد ترانى مستقبلا القبلة أحمل فوق ذقنى لحية بيضاء طويلة تتحرك بدعواتى ، حركات فيها ندم وحسرة على ما اضعته من ملذاتها في ما فرط من حياتى الاولى . ما اكثر كذب التوبة وما اكثر حمق التائب اننى أذكر يا سندبادتى الصغيرة يوما بكيت فيه وذرفت الدمع بمرارة ، كنت وحدى ذلك اليوم فاذا الشهقات تخنقنى ابكى بكاء الاطفال ، دمعى يبلل وجهى ، وكانت امامى مرآة الخزانة فما أن رأيت وجهى حتى خجلت أما كان يكفى أن أسمع شهقاتى حتى أخجل ؟ وعدت الى بكائى مرة اخرى وانا بين الدمعة والخجل من نفسى ، عدت الى بكائى لان الاغنية التى كنت استمع اليها فى وحدتى لما تنته . . كان يقول فيها محمد عبد الوهاب :
جفنه علم الغزل ومن العلم ما قتل
فحرقنا نفوسنا فى جحيم من القبل
هذه الاغنية كانت سفينة فضائية عجيبة ليست من نوع السفن الا مريكية ولا الروسية ، انها سفينة من نوع آخر تماما فهى تطوى المسافات الزمانية وتنقلك من عالمك الحديث الى عالم قديم فى أقل من لمح البصر نفقات هذه السفينة لا تقدر بالمليارات من الدولارات ولا تلتهم اموال الكادحين بل تقتضى منك دمعة واحدة وتنهد طويل ، فاذا كان يعوزك يا سندبادتى هذا الوقود أعرتك دمعة .

