كان الفضاء رحبا وكانت الشمس كقطعة الجليد وكان يمشى . عيناه شاخصتان لا يريد أن يلتفت الى الوراء
أعطني حريتي
كان السجان واقفا كالعمود وكانوا فى المعتقل اربعة ، وكان يجر المحلق فى - دى بطء وهو يصفر ممسكا بيده المرآة الصغيرة التى جاءته هدية
كأنك ستدخل على زوجتك هذه الليلة
ظل يصفر وظل المحلق يمر فوق الذقن فى بطء . وكان السجان واقفا كالعمود .
اءt - - دائما هكذا تفعلون تحرون فى آخر لحظة كالاحمرة التى تنتشق رائحة البول على قارعة الطريق
وعندما تسجنون تكونون من الاوائل الذين يطلق سراحهم
عبر قضبان الحديدية كان السجان واقفا .
آه لو أمتلك عنقى -
- أقذال متواطئون تتخالفون حتى مع الشيطان عندما تقتضى المصلحة . كان المحلق يمر فوق الشارب . عبر قضبان الباب الحديدية كان السجان يدخن .
- أنذال دائما انذال نحن المخطئين حشرونا معكم كالجرذان . تعسف جديد يسجل على حساب الحاكم .
وضع المحلق على الارض وظل ينظر فى المرأة الصغيرة .
ذات يوم قالت ريم السعداوى : ما فى وجهك شئ يثير اهتمام امرأة مثلى ى ٣ - ولكنى مع ذلك احببتك
فعلا كانت ريم السعداوى امرأة جميلة لكنها كانت امرأة عاهرة . عرفتها على مدارج الكلية . كانت عاهرة يركبها المثقفون والثوريون ولكنها كانت تلقي دروسا فى السياسة ايضا . كنت اعلم انها لم تصدقنى قط . أكذوبة تحيكها باحكام فى كل مرة ولكنى مع ذلك ركبت طريقها .
عبر القضبان الحديدية كان السجان مع رفيقية كانوا يجلسون القرفصاء ، يشربون الشاى ويدخنون
- عالمان كذبة تخدمون بها مصالحكم ، نصف لكم ونصف لغيرهم وعلى الضعفاء السلام .
ذات يوم جلسنا معا بعدما لهئنا طويلا وجبنا شوارع المدينة وفي النهاية تعبنا .
قالت :
- قصتى معك يبدو أنها ما زالت طويلة
كنت ساكتا متعبا . فقد أدركت أنها أصبحت مصيبتى وأن الدرب مازال طويلا ولابد من شئ يمسك بى كهذه المرآة العنيفة
وذات ليلة من ليالي الشتاء القارسة كانت الرياح تعصف عنيفة وكنت فى الحجرة الوحيدة كالفرخ مع أمي وكنت أعلم أن أمي تنتظر رجلها . ذلك العربية الذي يجيء كل ليلة مترنحا فيركني بقدمه القاسية .
- ابعدى عنى هذا الولد
وانكمش على نفس كالقنفذ
وكنت أسستمع اليه . كان يرمى جسده الثقيل على الفراش ويلتصق بجسد أمي وكنت استمع الى أمي وهى تقول :
- الولد يا رجل الولد . - اللعنة على هذا الولد أنا تزوجتك أنت ولم اتزوج الولد
واسمعه بلهث فوق جسدها فأخفى رأسى وأنكمش وفي تلك الليلة كان سكره شيطانا قبيحا .
وكلني برجله وأزاح غنى الغطاء . ثم أمسكنى من ذراعى وجرنى خارج الحجرة وكانت الرياح تعصف كانت الرياح تشتد . كنت استمع الى صباح أمي وتوسسلاتها ولكنه لا شك كان يغتصبها
في - أخرج ابحث عن أبيك . أنا تزوجتك أنت يا خديجة ولم أتزوج الولد . كان السحان حالسا مع رفقيه ، كان يضحك ويكشف عن اسنانه المتعفنة أخذ المنشفة ومسح وجهه
- لم يكن لى وجه كهذا الوجه
كان الخال يجوب شوارع المدينة بعربته وكان البغل يئن تحت الاثقال ، وذات يوم مسح عرقه وقال لى :
- يا ولد اختي يجب ان تعرف كيف تفك الحرف ، سأعلمك ، ولكنى تعبت فساعدني على هذه العربة .
: ومنذئذ أصبحت عندما اترك المدرسة اركب العربة وأجوب شوارع المدينة . فى أول الامر كانت جولاتى عديمة الجدوى ولكن الخال فى بعض الاحيان كان يوقظ العنف في قلبي فيعتريه غضب جنوني ويصفني
- اين الفلوس يا ولد ؟
- ١ بكيت في المرة الاولى ، ولكنى بعد ذلك قلت لنفسي : يا ولد يجب ان تصمد ( وصمدت . فكان عندما يصفمعنى على خدى الايمن أدير له الخد الايسر فيصفني ايضا وأسكت . ولكنى كنت أصب غضبي على البغل وعلى المارة أيضا . فكنند أرفع السوط عالية وأنزله نارا على البغل فأشق شوراع المدينة فى عنف وفي كل مرة أوقف حركة المرور واحدث فيها خللا واصبح يروق لى ان ارى المار يتافزون أمامى فى هلع وخوف .
ساعلم الناس الخوف فى الطريق وأعلمهم العنف أيضا
وفجأة تعلمت العنف ، فقد أصبحت أغتصب حرفائى اغتصابا . يقف الحريف أمام العربات فأقفز اليه وأركل كل من يحاول ان يسبقني ، اركله برجلى اضربه بالسوط ان لزم الامر . فكل الطرق متروكة .
- تفضل يا سيدى ولا أنناقشه الحساب . فأدعى أنني أقبل أى شئ وعندما اوصل البضاعة اناقش الحساب من جديد فى عنف - هذا دينارك - لا اثنان - ماذا تقول يا ولد ؟ - واحد لي وواحد للبغغل - لم نتفق على هذا يا ولد فأخذه من عنقه وأصيح في وجهه - أما ان تدفع أو اقتلك
وعندما يدفع اركب العربة وجبل من الثلج بدأ يدوب في نفسي وعندما أصل الى الست اصفي الحساب مع خالى : نصف دينار للبغ ونصف لك ونصف لاقامتى وأضع النصف الآخر في جيب . فلقد كنت مغرما بقراءة الكتب .
منذ نهاية تعلمي الابتدائى أصبحت أجادل أساتذتى جدالا عنيقا الخص لهم كتب نجيب محفوظ والسباعي وكتبا أخرى ، وكلما أذكر زوج أمي وقد ركلني ذات يوم والق على قارعة الطريق احس أن هذه الكتب تخدعني
استلقي على الفراش متهالكا . كان الرفاق يتجادلون وكان السجان يقهقه مع رفيقية ومع ذلك كان الرفاق يتجادلون
كانت ريم السعداوى تتحدث عن الحرية والعوالم الثلاثة فى بيت من بيوت الطلبة . وكانت من حين لآخر تدخن فتنفث دخانا وكان الرفاق ينصتون فى عجب وكلهم ينتظرون الفرصة لكن ريم السعداوى كانت تعرف كيف تصطا فريستها .
قلت يجب ان اصطادها قبل فوات الاوان وطفقت أتكلم ، وأصبحت الجمل والشعارات كالاحصنة اللاهثة على لسانى : ماركس ، انجلس ، لنين ، ستالين ،
شمس غيفارا ، هشى منه ، العوالم الثلاثة ، والامبريالية ، والاستعمار المباشر وغير المباشر ، والحزب الواحد .
ثم وجهت لها السؤال امام العموم كالضربة القاضية .
- وهل تعتقدين أنك حرة عندما تفتحين فخذيك للرجال
وضحك الرفاق وقهقهوا ورأيت الغضب فى عينيها القاحلتين ، فتداركت أمرى يسرعة وحولت المهزلة الى مأساة فتحدثت عن حرية المرأة فى مجتمع متخلف والاضطهاد والاستغلال
- كلنا مستغلون ، لا فرق بين الرجال والنساء . عدونا واحد . واقتلوا هذا العنف الذى يعيش بيننا ونشتم رائحته فى كل شئ
ولكنها أرادت اهانتى ، فقد نفثت دخانها وقالت :
- رجعي وجبان . اخرج .
وعاودني العنف فقمت اليها وصفعتها . وتركت الرفاق ينددون بى وخرجت وفى المساء جاءتنى الى البيت . دقت الجرس ففتحت لها الباب . نفثت الدخان فى وجهى ثم دخلت الحجرة وطفقت تخلع ثيابها ثوبا ثوبا .
ها أنا لك اغتصبني
كان الرفاق يتجادلون عن الحرية والاستغلال والاشتراكية . كانوا يقولون أى شئ وكان متهالكا على الفراش يسمع ثم نهض
- بربكم المجوسى أتركوني سنتان فى المعتقل ، استمع اليكم الثورة ، الثورة ، الثورة
كان أبى الذى لم أعد قادرا على ان أذكر ملامح وجهه فلاحا . كانت أمي عندما يغيب ذاك الفحل العربية تجلسنى على ركبتها وتضع يديها على رأسى وتحدثني ، كانت تقول لى كل شئ ، كانت تعتذر عن زواجها وكانت تقول :
- أبوك رحمة الله عليه كان رجلا لا يتعب ، يستيقظ قبيل الفجر ويذهب الى الحقل وفي المساء يعود وكان يقول لى : هذا الولد هو الذي سينسينى تعبى .
ثم مات فجأة هكذا فجأة ، أخذه الموت عنفا وقهرا وهو يصارع الموت قال علمي هذا الولد يا خديجة وافعل بنفسك ما تشائين
وفهمت عندئذ لماذا سلمتني إلى خالى
فتح باب المرحاض واخذ يبول . كان الرفاق قد دخلوا فى مشادة سياسية عنيفة .
- آه لو أمتلك عنقى لعلمتهم السياسة كيف تكون
لقد غمرتني السياسة حتى النخاع . اصبحت في وقت ما انظر الى كل شئ فى هذا العالم بمنظار السياسة . عندما أقف أمام الخضار أو أمام الحزار اتحدث عن السياسة وحتى عندما أكون فى المبغى اتحدث عن السياسية
كنت أقف على أعلى مدارج الكلية وأخطب فيهم . اسب هذا وذاك والعن كل الاتجاهات السياسية فى العالم وعندما أهبط أجدهم ينتظروني في مكان م على الطريق ويأخذوننى ركلا ، كانوا يدوسوننى بأقدامهم ويحطمون رأسي بعصيهم فأصبح كالحجر
لقد قتل العنف قلبي لقد قتل العنف قلبي
وفى يوم ما أوقفني الشرطى ، اتهمنى بكل الاتجاهات السياسية فى العالم . بماذا أرد على الاتهام
رحمك الله يا أبى ! كان المعلم يأخذني من أذني ويأمرني : اقرأ . وكان الكتاب كل شئ بالنسبة لى لكن امرا ما فى بعض الاحيان يجعلني أحرن كالحمار الذي خلفه أبى . وذات يوم مزقت الكتاب وقذفت به في وجه المعلم . رب خالى ع كتفى فى رقة وقال لى :
- يا ولد أختى أنت حر اصنع بحياتك ما تشاء .
وعدت الى المدرسه اهجم على الكتاب تارة فأحس كأن معلمي يركع امامي وأحرن اخرى فأطرد وأجلد وأجلد
فى المعتقل صرخت فى وجوههم . قذفت العنف الذى فى سدرى ، قلت لهم :
- سم - - يا سادتى . انى مهرج . نعم مهرج ضحكت منكم كثيرا ، كلام على اللسان تهريج فى السياسة والثورة لكنى يا سادتى لا املك بندقيه وورانى السراب وخيال الظل ولا شئ غير ذلك ، فلماذا الخوف ؟
كان السجان يضحك . أعجبته نكتة سمعها فى نشرة الاخبار وكان احد الرفاق بقرأ قصيدة لأحمد فؤاد نجم . أغلق باب المرحاض وجلس على حافة السرير ينصت .
جلسنا ذات مساء وجها لوجه . قالت ريم السعداوى وقد تصلبت ملامحها : - لترجع الاقنعة ، كاذبة أنا وكاذب انتتزوج - ولكنهم يطاردونني . أرى الشرطى يقف فى آخر الممر - لتتزوج الليلة وليكن ما يكون . وتزوجنا . نظر الى وجهة فى المرآة فما ترك له المعتقل شيئا - لو أمتلك عنقى لمزقت هذه الافواه القذرة وقف السجان جادا . انفتح الباب ، وحده خرج كان الفضاء رحبا : غمس أنفه فى الزام - يا ريم السعداوى . بعيدا عن الدجل عدت . ويا ليالي الدف أقبلي

