هدية الى الارواح البريئة التى سقطت يوم 9 أفريل 1938
ذات عشية من عشايا أفريل الحالم . . استلقت جثة شاب يافع على ظهرها منفرجة الاعضاء في هيئة صليب ملقى على الارض . . ومن حولها نعال . دفاتر وكتب . . مزق ثياب . . عمائم . . وجثث آدمية أخرى على صدورها زهرات قانية اللون . . وحشية الاحمرار .
ثبتت الجثة عينيها فى وجه السماء فرأتها غاضبة حانقة كدرتها سحائب العفر وروائح البارود . . جبينها العريض يرتطم بأعالى هيكل حجرى بارد . له زخارف هندسية . . شرفات . . أبواب ومسالك ودرج وساحة . . ثم ها هى قضبان السياج . . حديدية مسننة . . طويلة متطاولة . . تلتحق بأعالى البناء الضخم لقصر العدالة . . وتنشب أنيابها فى جبهة الافق
استلقت جثة الشاب اليافع لتشبع أخيرا من زرقة السماء . . وأجنحة الطيور التى حلقت فوقها مودعة . . . . وأخذت تحلم . .
" يا صديقى ... . . وما الذى كنت ترجوه ؟ ٠٠ ما الذى يمكن أن يرجوه رجل مثلى أو مثلك ؟ أو تظن أننا قمنا بالخدمة العسكرية حبا وكرامة ؟ . . أأقنعت نفسك أننا أدينا تلك الخدمة بضمير ورضى . . أو على الأقل كما كان يطلبه منا المستعمر ؟ . . لا أظن
ألا تذكر المشاكسات الكثيرة ، والعناد الشديد . . والخصومات التى لا تنتهى . . وكنا نتحمل نتائجها المرة فى كل حين ؟
أبعد هذا يمكننا التحدث عن "خدماتنا السابقة " ؟ . . أيمكن أن تكون لنا دالة على هؤلاء الاسياد الذين يحكموننا ويحكمون بلادنا ؟ .
دع عنك كل أمل يا صديقى . . فأنا وانت وكثير غيرنا . . هم الأغلبية الغالبة التى لا مكان لها الا خارج السياج الذى طوق به المستعمر حفنة حظوظ ضئيلة خصصها علفا للدجاج المسبح بحمده من المتجنسين ، والقوادين والباقين على عهده من قدماء المحاربين . . وطائفة الموالى عموما .
فهل أنت منهم حتى تطمع فى دخول " الترسخانة " ...؟
وهل أنا منهم حتى أطمع فى خطة حاجب ببعض الادارات . . طلب سخيف قدمته بلاهة منى ونزولا عند رغبة الكثير من أهلى
ثم إنك معروف الصلة بالنقابيين . . كثير الاحتكاك بالجمعيات ذات الميول الدينية والوطنية والخيرية والثقافية . . وغيرها مما لا أدرى . لقد عرفت بأنك مع كل ناعق
اسمع نصحى . . واحرث حقلك خارج السياج . . فلا بد أن ينهار السياج يوما . . وسيكون لى ولك فيه معول " .
رسالة صديقك . . ضيق الدنيا . . بؤس كل ما حولك . . دكان أبيك المظلم الذي اسودت جدرانه بالدخان . . السقف الذي بدأ يلفظ تربه وحصاه من خلال أعواد السرداوى . . " أهنا سأحرث حقلى ؟ "
ومضيت تنزل السوق ، تدق رجلاك الغليظتان بلاط الطريق . . تتيه عيناك بين الشقوق المتقاطعة . . تتأمل ما تجمع بينها من حبات التراب . ونبت فيها من حشائش طفيلية صغيرة . . وكنت كمن يبحث عن الجواب لسؤال ما . . أو كنت كمن يقارن مساحة حقله بمساحة هذه الشقوق التى لم تتسع لغير الفضلات التافهة وأعشاب طفيلية لم تجد لها مجالا فى أرض الله الواسعة فنبتت هنا لتختنق شيئا فشيئا . . أو لتموت تحت وقع النعال الجبارة .
ذات عشية من عشايا افريل الحالم . . استقلت جثة رجل كهل على ظهرها منفرجة الاعضاء في هيئة صليب ملقى على الارض لتشبع أخيرا من زرقة السماء . . وأجنحة الطيور التى حلقت فوقها مودعة . وأخذت تحلم . .
مقهى " فيكتور " . . والبطالة . . والغدو والرواح كل يوم . . ومنظر الحاج على صاحب الضياع ، والاقطاع ، وأموال اليتامى . . وجليسه المواظب " حمه " الجزار المنتفخ كالبرميل يلوك دوما قطعة شواء . . وتلتمع فى أصابعه خواتم ذهبية عديدة ترصعها جواهر " لزمة العسكر " .
مقهى "فيكتور" . وعينا ابنته " نينا " الزرقاوين ، وضحكتها الدافئة الرنانة الممطوطة ولذعات لسانها . . الصحون الصغيرة ، وكؤوس "فيكتور" والعرق الذي ينز من أنف صاحبك " صادق " وهو لا يفتأ يضرب المائدة بجمع يده كل ما اشتد غليان دمه .
وقلت لصاحبك يوما بعد أن ضرب المائدة بجمع يده . . وأسر فى أذنك شيئا : " أنا معك . . ولو الى جهنم . . فليحدث ما يحدث " .
أكنت أكثر تهورا من هذا الزمن المتهور .. ؟ أكنت تعرف الدوافع الحقيقة الكامنة فى نفسك ؟ . . هل ساقك التيار دون أن تعرف الى أين ؟
لم يستغرق عبور المغامرة سوى بضعة أشهر مضت كالحلم الرائع تعقبه استفاقة مرة . انتهى الحلم بك وبصاحبك وأنتما فى سيارة . . وقف الجندرمة فى طريقكما ، وفتشا كل شئ ، ومن تحت المقعد الخلفى . . تماما تحت المكان الذى كانت تحتله يهودية بدينة تلكأت فى النزول . . من هناك سحبت اكياس صغيرة مليئة بالشاى الاسود
وعاد العرق ينز من أنف صاحبك ، فنزل على المائدة بضربة اهتزت لها الاكواب الفارغة والصحون الصغيرة ، وصاح فيك : " يا بؤسنا بعد اليوم !" السيارة محجوزة . . وأحكام التغريم والتهديد بالسجن تلاحقك أنت وشريكك . . ولكنك كنت راضيا عن مغامرتك . . كانت نحوا من الثورة على ظروفك . . ومحاولة للتكسب على هامش الاشياء المعتادة . . نوعا من الحرث خارج السياج .
ذات عشية من عشايا افريل الحالم . . استلقت جثة عامل بملابس زرقاء على صدرها زهرة قانية اللون . . وحشية الاحمرار . وثبتت عينيها فى وجه السماء لتشبع أخيرا من زرقتها . . ومن رؤية الصور التى حلقت فوقها مودعة ٠٠ وأخذت تحلم . .
الخبز المر . . والاهواء . . ودر يمينا . . ودر شمالا . ولا شغل الا اذا كنت قوادا . . ممن يبيعون ضمائرهم فى سوق النخاسة . . وأوشك أن يأكلك الدود . . أوشكت أن تلتهمك الحشرات . . البق . . الضفادع المنقنقة القاعدة فى دفء مياه الغدران . . أوشك أن يصطادك المتربصون بك وبأمثالك عند كل منعطف . . الحبائل فى كل مكان . . المصائد فى كل طريق . . ولا عيش لمن لم يقع فيها . . فأين المفر ؟ . . البحر أمامكم . . والعدو وراءكم . . وليس لكم والله إلا . . .
وها قد عاد زمن البطولات . . يا طارق !
كانت مظاهرة بنزرت سلمية . . بيضاء الرايات . . شريفة المقاصد . . عدل . . عدل . . حرية . . حرية . . واذا الافواه تلقم نارا . . واذا السماء تمطر رصاصا . . سبعة أموات . . واثنا عشر جريحا . . والقهر والموت . . والغصة فى القلب . . والحقد تحت الاضراس والنواجذ . .
وحسب الناس أن انتهى كل شئ . . وهل يمكن أن ينتهى هكذا كل شئ ؟ أنا هنا . . أتى بى الثأر . . وهذا السياج أمامى . . وأنا أسقط دونه . . فهل سيتحطم يوما يا ترى ٠٠ ؟
ذات عشية من عشايا أفريل الحالم . . استلقت جثة رجل ملتحف . . صهدته شمس الجنوب . . وهرأت أصابعه مناجم الفسفاط . . وعلى صدره لمعت زهرة قانية اللون وحشية الاحمرار . ثبتت الجثة عينيها فى وجه السماء لتشبع أخيرا من زرقتها ومن رؤية الطيور التى حلقت فوقها مودعة . . وأخذت تحلم .
ليس لك . . ما هو لك . . ولهم . . ما ليس لهم . يعلمونك حق الاضراب . . ويحرمونك منه . يستخرجون بجلدك ودمك وعرقك وانفاس رئتيك كنوز أرضك . . ويحيطونك بالعسف . . والظلم والوشاية . . ويسومونك خسفا وسوط عذاب .
الاضراب . . الاعتصاب . . وهذه مخازن الاسلحة . . فلتشتعل المناجم . . ولتنفجر " المتلوى " بمن فيها . . ملائكة وزبانية . وصاح شمشون : على وعلى أعدائى يا رب !
وجاء الضابط ينادى أن استسلموا ! ماذا تعنى هذه الكلمة فى مثل هذا اليوم ٠٠؟٠٠ وهزك الحذر أنت ورفاقك . . فصممتم ، واعتصمتم ، وتدرعتم ، ووقفتم صفا واحدا . . ثم رأيتهم يسقطون سقوط الوعول المنحورة بعد يومين من الصبر الجميل القوى المتين . . وتغلغل الحقد فى رئتيك المملوءتين بغبار المنجم . . لاهناءة بعد اليوم . . وأطلقت النار . . وما زلت تطلق . . وها أنت أمام السياج . . تسقط دونه . . فهل سيتحطم يوما يا ترى ؟
الحفل الآن يقام في قلب المدينة . . انتقل الضجيج وأزيز الرصاص الى هناك . . الخيل تصهل . . والفرسان يلهثون . . رصاص رصاص دماء دماء . .
فتح شاب يافع منكفئ على وجهه أمام قصر العدالة جفنين ثقيلين . . لمس . جرحا ساخنا . . بلل شفتين مشققتين . . ثم انقلب على ظهره فواجهته السماء كالحة . . غاضبة . . حانقة . . تستقبل بقايا العفر وروائح البارود . . جبينها العريض يصطدم بأعالى الهيكل الحجرى البارد . هنا عاثت الزوبعة . . هذا موقع العاصفة . . من هنا مرت الريح الصرصر
جلس بقهر وعناد . . كومة عذاب ونقمة . . أين المحفظة . . أين الدفاتر والكتب والرفاق . . أين الطمأنينة . . بل وأين العدل ؟
كل الاشياء المبعثرة حوله تتحدث . . تتهامس . . وأعين الجثث التى تنعكس عليها زرقة السماء فيها عزم وتصميم . . وكثير من الاحلام التى لم تتحقق
تحامل الشاب على نفسه ، وأخذ يطوف على الجثث فيأخذ بأيديها . . الواحدة بعد الاخرى . . ويقودها الى قضبان السياج الحديدية المسننة ، حتى صارت صفا واحدا يلقى بكل ثقله عليها . . ثم صاح فيها أن تدفع معه قضبان الحديد . . أن يضغطوا معه كلهم فى قوة الرجل الواحد . . أحياء وأمواتا حتى تلين القضبان . . وينفتح الطريق . ولان السياج عند الضغطة الاولى . هوت قضبانه وتمددت أرضا . . فتخطته الجثث . . وأخذت تصعد الدرج العديدة . . الهوينا . . الهوينا . . ودخلناك . . فى يوم مشهود . . أيها القصر !

