ليست هذه المجلة ، مجلة سياسية او حربية ، ولكنها مجلة ادبية عربية اسلامية تعتز بالعروبة والاسلام ، فهي تنشد فيما تنشر عزة العرب ، وتهدف فيما تعالج من الموضوعات الى مجد الاسلام . وبهذا كان من " صميم موضوعاتها " نشر كل ما تراه قويم الطريق راشد الكيان ، وموصلا الى هدفها المنشود . .
لقد أخذنا العبرة في أن للسيادة الجوية اليوم شأنا مهما فى احراز النصر ، وفي دحر الإعداء . .
أخذنا هذه " الحكمة " من " فم " الحرب العالمية الثانية ، التى دكت " برلين " دكا على " هتلر " حتى أرغمته على " الاستسلام " المطلق ، وقد قتل نفسه على ما روا العارفون ، ودفن تحت انقاض برلين المنهارة في كل مكان بفعل قذائف الطائرات المنهرة عليها كالمطر الغزير . .
كما أخذنا هذه " الحكمة " الصارمة من مشاهد الحروب الجزئية والكلية التي تنشب بين كل فترة واخرى بين قوم وقومهم ، وبين أمة وأمة فيما بعد الحرب العالمية الثانية ، فكان الطيران فيها دائما هو " السلاح المفضل والذي عليه المعول " فى هزم معنويات ودحر ماديات الخصوم .
وأخذنا هذه الحكمة أيضا وأخيرا من واقع حرب ٥ حزيران ١٩٦٧ م كما هو معروف وليس بنا هنا أن نؤرخ لجالبات الانتصار فى التاريخ . . فهذا موضوع واسع الاطراف . . يقتضينا دراسة مستوعية لفنون الحرب منذ القدم واستعراض المستنبط من آلاتها : من النبل والرمح والسيف ، الى عصر " المكاحل " - البنادق والمدافع بعد ذلك ثم عصر الطائرات الاسرع من الصوت والدبابات والصواريخ والطرابيد والالغام والمدمرات والبوارج والغواصات وسفن التجسس ، وبلايا عصر الذرة والاقمار الصناعية وملابساتها حالا .
وهدفنا من وراء هذه الكلمة محدود فهو الالمام المحدود أيضا بمزايا السيادة الجوية اليوم . .
ولقد احسنت كل الاحسان ، دولتنا السعودية العربية الاسلامية الموفقة ، المرموقة بين دول العالم اليوم ، بوثباتها " الفيصلية " العلمية والعملية المرموقة ، والتي هى
بناءة ، وسائرة الى الامام دائما ، وفي تعقل وحكمة وبصيرة واتزان .
أقول : أحسنت كل الاحسان ، اذ امتثلت لأوامر الله تعالى في اعدادنا لأعدائنا كل ما نستطيعه من قوة مادية ومعنوية ، حينما عنيت بانشاء (كلية الملك فيصل الجوية) فى مدينة الرياض . . فكان هذا فتحا مبينا ، وتطورا ملموسا ، ونشأة قوية حديثة وطليعة مجد جديد .
وفي أضواء هذا البحث عنت لى ملاحظة تاريخية مهمة ، ذات علاقة قوية بمسألة السيادة الجوية " اليوم . . وتتمثل هذه الملاحظة في أن " اعتلاء " جند على جند بصفة مطلقة ، كانت من أهم أسباب النصر السريع منذ القدم ، وذلك لان " المحاربين المعتلين " من السهل عليهم أن ينقضوا من على أعدائهم ، فيتحكموا في مصايرهم ويهزموهم شر هزيمة ، بخلاف ما اذا كانوا متساوين معهم على سطح الارض ، فان هزيمتهم اياهم منوطة بزيادة قواتهم وقواهم المعنوية وتنظيماتهم وتدابيرهم عليهم .
ويورد لنا تاريخنا المجيد شيئا من هذا المعنى . . وذلك في " غزوة أحد " التى ابتلى الله المؤمنين فيها ابتلاءا منوعا . ففي هذه الغزوة العظيمة فى مقدماتها ونتائجها شرح الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته أثناء وجودهم جميعا في حومة الوغي - شرح لهم مزية العدو عليهم بصعوده من فوق مواقعهم ، وقد انبرى نفر من صحابته - في التو- لجلاد اعدائهم المعتلين عليهم في جبل أحد ، وسرعان ما أدرك الصحابة الكرام هذا السر الحربى الخطير الذى كشفه لهم النبي القائد العظيم . . فأقبلوا على من (ارتفع فوقهم) فى منطقة القتال ، وما زالوا بهم حتى أجلوهم عن هذا المكان " المعتلي " عليهم . وهذا نص ما ورد في " سيرة ابن هشام " عن هذا الادراك العميق للخطط الحربية العميقة وملابساتها التى تؤدى الى النصر اذا تحققت ، والى الهزيمة اذا لم تتحقق . . وتقرير هذه القاعدة في حومة الوغي وبهذا الاسلوب البرقى المشرق مما يدلنا على عظم قيادة الرسول صلوات الله عليه وسلامه .
روى ابن هشام في سيرته قال : " قال ابن اسحق : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب - بكسر الشين - معه اولئك النفر من اصحابه اذ علت عالية من قريش الجبل . قال ابن هشام : كان على تلك الخيل خالد بن الوليد . قال ابن اسحق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم انه لا ينبغي لهم ان يعلونا . . فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل " (١)

