عندما نقرأ هذه الاسطر نفهم المسار الذى أخذ محمد مزالى حتى مارس الوظائف العليا فى صلب اللجنة الاولمبية الدولية ..
الواقع ان ((حبات الامل)) تلخص كل ((عمليات البذر)) التى تمخضت عن هذا الحصاد الزاخر الفكرى والسياسى الذى يجنيه اليوم محمد مزالى ناضجا صرفا زكيا .
وتوصلنا ((حبات الامل)) الى ((مرآة سقراط)) اى الى مرحلة دراسة الفلسفة بالسوربون والى كامل النشاط الفكرى المتدفق فى قلب الحى اللاتينى ..
الى جانب ذلك كله حافظ محمد مزالى على الوشائج التى تربطه بوطنه .. واندرج تدريجيا فى النضال الوطنى وفى النضال من اجل تحرير وتطوير المرأة المسلمة ...
خلال تلك الحقبة صحا قلبه على تقدير وحب الفتاة التونسية التى كانت طالبة فلسفة معه على طريق مثل أعلى مشترك .
وبدأ هذا المثل الاعلى يتحقق خلال الفترة التى سماها ((الاعمال والايام)) وكانت فترة العودة الى ارض الوطن وكان مجازا فى الفلسفة .. وكانت سنوات تعليمه الاولى .. ولقد حيى - بول بالتا - فى لوموند ((حديث الفعل)) فأكد أن محمد مزالى كان يشتكى ((وله الحق فى ذلك)) من انه فى السوربون يمر الطالب مباشرة من الفلسفة الاغريقية الى فلسفة القرون الوسطى مما يدل على تجاهل كامل للعطاء العربى الهائل فى هذا المجال فى حين ان العالم العربى بتوليه نقل المعرفة الاغريقية والهندية وباضافته اليها بحوثه ومعارفه الخاصة ضمن الربط والوصل بين العصور العتيقة وعصر النهضة ويضيف بول بالتا قائلا : ((ولقد نجح محمد مزالى بشكل اخاذ عندما قدم فى صفحات معدودة 864 128
ملامح وروائع هذه الفلسفة العربية المتجاهلة فى أوربا .. وهذه الفقرة فى كتاب ((حديث الفعل)) نود لو يقرأها متفقدو التعليم المكلفون باعداد البرامج التعليمية فى فرنسا)) .
وفى خط متواز مع نشاطاته كرجل تربية وتعليم ناضل محمد مزالى بشكل نشيط فى صلب العائلة الدستورية .. كتب عن ذلك يقول : (( اننا كنا نحس ان الاستقلال آت لا ريب فيه من قبل ان يصبح هذا الاستقلال حقيقة ومن قبل ان يتم الاعلان عن الدولة التونسية ذات السيادة وكنا نعرف تمام المعرفة انه يجب علينا الا ننسى ان تطورنا لا يمثل هدفا فى حد ذاته ولا تحقيقا لحلم يجب الوقوف عنده . ذلك لان معركة أخرى ، ربما ستكون اصعب ، تنتظرنا : وهى معركة تشييد الدولة والحفاظ على مكاسب الاستقلال وارتياد مدرسة الديمقراطية وان ننكب على الانتاج بازدياد باطراد لنتمكن من توزيع عادل للمداخيل ..
عندما وجدت نفسى ذات صباح على رصيف حلق الوادى .. يوم غرة جوان 1955 .. منتظرا عودة الرئيس بورقيبة بحماس وتأثر مع عشرات الآلاف من المواطنين كنت احس ان المعركة ستكون اكثر صعوبة .. لانها معركة سوف لن تكون ضد الاجانب كما كانت وانما ستكون لاستئصال شياطينا الذاتية وازالة نزعاتنا القبلية وبناء دولة والاقلاع عن تفسير صعابنا بنسبة اسبابها للغير .. وكنت أدرك مدى روعة تحمل المصير وكذلك مدى ثقل تلك المسؤولية)) .
ابتداء من 1956 اقتحم محمد مزالى بصفة حقيقية الحياة العامة عندما عين رئيسا لديوان وزير التربية القومية الى جانب ذلك ظل ينفق كامل جهوده فى مجلة (( الفكر )) التى تمثل كما قال هو ذاته : (( شهادة اخلاص مناضل الى جانب كونها مبادرة ثقافية)) .
ثم عين مديرا للشباب والرياضة حيث مارس ما اسماه بـــ ((اغراءات اولمبيا)) اثر ذلك فى عام 1964 تولى مهمة الادارة العامة للاذاعة والتلفزة التونسية ..
وانها لمسؤولية ضخمة عندما نفكر فى مدى تأثير الخبر السليم والموضوعى على الشعب .. فوق ذلك فان الاعلام يمثل كذلك فى بلد سائر فى طريق النمو طريقة ووسيلة بيداغوجية ممتازة .
ثم توالت المناصب الهامة .. فمن وزير للدفاع الى وزير للتربية القومية الى وزير للصحة العمومية .. وعلى امتداد تلك الحقبة بأكملها واصل محمد مزالى عمله بكل حماس وايمان لتطوير بلاده والمساهمة فى نهضتها. 120 865
فى ميدان سياسته الصحية .. كان محرك المجهود الضخم الذى بذل ((قصد ادماج النشاطات الوقائية والتربية الصحية فى العمل العلاجى)) على نحو يجعل من الصحة العمومية ((عنصرا أساسيا فى التطور الاجتماعى)) الا انه بجدر التأكيد بالخصوص على التخطيط العائلى الذى كرس محمد مزالى له جهودا فائقة وبحماس مثالى مدعوما بمساندة الرئيس بورقيبة .. الذى كما قال محمد مزالى : ((اعتبر هذه المعركة بمثابة معركة مصيرية ضد التخلف ومعركة من اجل انبعاث تونس ونهضتها ومعركة من اجل الكرامة الانسانية)) .
فى فقرة ((بذور الفكر)) تحدث محمد مزالى عن الاصلاحات التى خصص لها اساس نشاطه كوزير للتربية القومية وخاصة حملة التعريب .. كتب فى هذا الموضوع يقول : ((كنت أود أن تنتهى غربة اللغة العربية فى بلادها وان لا تظل منكمشة فى تربتها .. ))
منذ يوم 23 افريل 1980 استلم محمد مزالى مهمة الوزير الاول الثقيلة الجليلة .. وبهذا الاختيار نلمس مدى ثقة الرئيس بورقيبة واعتماده على رجل تكون فى مدرسته وتميز بالكفاءة والوفاء والاستقامة والاخلاص .. لهذا كله لا يمكن الا ان يصطفية المجاهد الاكبر ويتوسم فيه خير مواصل لاختياراته السياسية الكبرى .
هذه التجربة فى منصب وزير اول شرحها محمد مزال فى فقرة ((دروب العمل)) .. حيث تحدث عن ممارسة السلطة فى تونس وكذلك عن الحوار بين الشمال والجنوب وعن المكان الذى تحتله البلاد التونسية فى العالم وعن علاقاتها مع مختلف الدول ..
فى هذه الفقرة الهامة أبرز محمد مزالى ان انتصاب مقر الجامعة العربية بتونس وهو الاختيار الذى كرس تونس ((كدولة محبة للسلام وكأمة شغوفة بالعدالة وكشعب متعلق بالحرية وكأرض حوار)) ونوه محمد مزالى فى هذا الفصل ايضا فى مجرى حديثه عن سياسة تونس بـــ ((هذا الاستقرار المثير للاعجاب الذى تتمتع به البلاد وهو استقرار يرتكز على منطق الحق وعلى قاعدة المساندة الشعبية وعلى عبقرية الرئيس بورقيبة اكثر من ارتكازه على ذوى الخطى العسكرية او الخوف من الهراوة)) .
ومن اروع ما جاء فى هذا السجل القيم هذا الاعتراف : ((لا اعرف هل ان غدا سيكون متركبا من كل ما اتمناه .. وهل ان دورة الايام ستمكننا من تحقيق كل ما يبدو لنا ضروريا منذ امد بعيد .. الا انه مهما حصل .. فانه يبقى لى الرضى العميق عن نفسى .. لاننى تكلمت لاقنع واشرح .. لما فيه
الصالح العام .. ولاننى تصرفت وعملت فى خدمة الامة بالنضال المتواصل والمجهود المخلص .. وانى لاشعر بالراحة .. لانه لا يوجد اى شئ فيما عملت وحفلت كان يرمى للاساءة للغير او بدافع الاحتقار للبشر .. وانى كنت أشعر دائما بأنى أساهم فى عمل بشرى .. وأتحمل عبء مصير البشر .. وأتعامل مع الآخرين .. مع ادراكى على الدوام لهذه الحقيقة العميقة : الانسان يكون تارة كبيرا الى ما لا نهاية له وطورا صغيرا لا متناهيا فى صغره .. وهو ليس بالملاك ولا بالوحش .. ولان الخطأ أمر بشرى .. حصل لى ان اخطأت وان ارتكبت هفوات .. ولكن حسن نيتى .. سيكون شفيعى )) .
ثم توجه للشباب .. الذين سيستلمون ذات يوم مسؤولية تحمل المشعل الخطيرة داعيا لهم مهيبا راجيا ((اتمنى لهم ان يبذلوا جهدهم ، باستمرار ، لتوخى الحذر من المشكين والمضللين .. وان يتفادوا التقتير بجهودهم حسب حسابات فوائدهم الشخصية والا يكيفوا نشاطهم طبقا لقيمة الجزاء الذى بتلقونه .. وارجو لهم بالخصوص ان ينزعوا عنهم التخاذل والاستسلام للمقادير .. وان يبذلوا قصارى ما لديهم من جهود وعزائم وان يشعروا بأنهم مسؤولون عن اعمالهم ومصائرهم ووجودهم فى هذا العالم .. واتمنى لهم اخيرا فى علاقاتهم مع غيرهم ان يرتقوا الى درجة نبذ الحقد .. الذى هو غضب الضعفاء ... ))
على هذا الاستنتاج لا نريد ولا يمكن ان نضيف اى شئ .. فهو افصح وابلغ من كل ما يمكن ان يقال . . اذ ان كل كلمة فيه تنضح ثراء وحكمة وانسانية .. تستوجب تأملنا وتستحق اعجابنا .

