تمهيد :
اسمحوا لى فى مستهل كلمتى ان اعيد هنا فقرة قصيرة سبق ان نشرتها عن الشابى منذ خمسة عشر عاما لعلاقتها بموضوع اليوم . . جاء فيها :
(( ان الشابى - كاى اديب آخر - لا يمكن للتاريخ وللنقد ان يزنا حياته او ادبه بميزان العدل والانصاف ، ولا للباحثين ان يستوعبوا صورته الادبية ويتعمقوا تحليل شخصيته وعبقريته وانتاجه . . لا يمكن لهؤلاء جميعا ان بفعلوا شيئا من ذلك ما لم تتوفر لديهم جميع مصادره الاساسية . وهى فى راينا :
اولا - آثاره الشعرية والنثرية ، وخاصة ديوانه المؤرخ ويومياته ورسائله .
ثانيا - آراء معاصريه وذكرياتهم وانطباعاتهم عنه وعن علاقاتهم به وما اعتور ذلك كله من قضايا وشؤون بل وشجون ايضا ، ولاصدقائه هنا قول خاص .
ثالثا - دراسة عصره بكل ما كان فيه من اوضاع وتيارات فكرية واجتماعية وسياسية ، وما جرى فيه من احداث غيرت المفاهيم ومشت بالتاريخ وجهة اخرى .
ولا شك ان بلوغ جميع هذه الاغراض امر يحتاج الى زمن طويل وجهود عديدة واجيال من الدارسين . . ومن هنا لا مناص من ان نتعقب الخطى وراء
كل امكانية متاحة لكى نظفر باثر جديد من آثار الشابى او نكتشف حقيقة كانت غامضة او مجهولة . وفى كل ذلك لا يسعنا الا ان نكبر كل جهد يبذل فى هذا السبيل ما دام القصد نزيها والنتائج عادلة والغايات شريفة .
أجل ! ان أهم مصادر الشابى هى آثاره ، وان أهم هذه الآثار هى ديوانه المؤرخ ، ويومياته ورسائله .
فاما ديوانه ، فقد كان لمهرجان الشابى سنة 1966 يد كريمة فى انجاز طبعة جديدة ، مستوفية معظم قصائد الشاعر . ولا شك عندى فى ان تاريخ القصائد - ومن حسن الحظ ان الشابى كان يؤرخ كل قصائده ، وهو امر قل ان انتبه له من الشعراء - لا شك فى ان وضع تاريخ القصائد فى طبعة جديدة سيحدث انقلابا كبيرا فى دراسة الشابى وفهم نفسيته ومؤثرات العصر فيه . (1)
اما يومياته ، فانها دون الديوان والرسائل شانا ، رغم ما يعلقه عليها بعض الباحثين من آمال مبالغ فيها . انما هى اقرب للخواطر الوجدانية والمقالات الجبرانية ، وليست من نوع اليوميات التى يقص فيها كاتبها حياته الخاصة وانطباعات الحياة والناس فى نفسه .
ومع ذلك فاننا قد نظفر فيها ببعض الملاحظات او - التفسيرات الهامة . لبعض حوادث الشابى اليومية ، وما جرى بينه وبين معاصريه من حوار او مشاكل او علاقات (2) .
على ان لى املا واحدا كنت ارجوه فى هذه اليوميات وهو ان نجد فيها شيئا من حيث الشابى عن حياته الداخلية ، اعنى حياته الخاصة ، زواجه او حبه او ميوله العاطفية . لكنها لم تسعفنا بشئ من ذلك .. وهكذا ضاعت منا الحقيقة كاملة عن حياة الشابى - العاطفية . تلك الحياة التى تومئ اليها بعض قصائده ، ولكننا لا نظفر فيها بيقين .. وان بالغ بعض الكتاب فى وضع الاحكام القاطعة حولها .
اما رسائله ، فانها تاتى فى الدرجة الثانية بعد الديوان من حيث الاهمية ، لكنها من حيث علاقتها بالاحداث العامة والعلاقات الاجتماعية والحياة الادبية فى تونس والبلاد العربية ، اشد التصافا وأكثر دلالة من الديوان نفسه ، ومن اليوميات كذلك .
ان رسائل الشابى تعيننا اعانة كبيرة جدا على حل كثير من المشاكل والقضايا المتعلقة بحياته وبادبه وبمكانته فى عصره ، ومدى تاثره باحداثه ورجاله ومعطياته المختلفة .
وهى الى ذلك صورة صادقة لافكاره وميوله وكفاحه الادبى والاجتماعى . اضيف الى ذلك انها قد كتبت دون تعمل فنى او صناعة ادبية ، لانه لا الشابى ولا زملاؤه كانوا يكتبون هذه الرسائل لتنشر يوما بين الناس . ولذلك فهى ، فى رايى ، اكثر صدقا وصراحة من اليوميات ، لان اليوميات التى يكتبها ذوو الشان فى الحياة ، معروف لديهم سلفا انها قد تنشر يوما ويقرؤها الناس ، لذلك فهم لا يكتبون فيها الا ما يريدون ان يطلع عليه الآخرون (3) .
ومن هنا وجهت عنايتى الى البحث عن رسائل الشابى لدى اصدقائه ومعاصريه ممن كان يراسلهم .
وكان تركيزى على الصديق المرحوم محمد الحليوى باعتباره اكثر الادباء مراسلة مع الشابى . وكان لفطنته ، قد جمع لديه رسائله مع البشروش واستعاد رسائله الخاصة للشابى من عائلة الفقيد عقب وفاته ، مما يدل على انه كان يقدر قيمتها ويفكر فى نشرها .
وبمتابعة الجهد مع الحليوى امكن لى أن اقنعه بنشرها ، وأن اتولى شخصيا الانجاز والتقديم لها عام 1966 فى طبعة ممتازة .
ثم واصلت البحث للظفر بآثاره النثرية الاخرى وخاصة رسائله . وقد اسعفنى الحظ بالعثور على نصوص نثرية هامة جدا لدى عدد من هؤلاء الاصدقاء .. اذكر منهم هنا - مع فائق التنويه والتقدير : - زين العابدين السنوسى
- محمد صالح المهيدى - ابراهيم بورقعة - الدكتور على الناصر - سامى الكيالى وجميعهم انتقل الى رحمة الله خلال العشرين سنة الماضية . ومعلوم ان الثلاثة الاوائل كانوا من اهم واعز اصدقاء الشابى بعد البشروش والحليوى .
اما سامى الكيالى وعلى الناصر فكلاهما من سوريا وقد عاشا معا فى حلب خلال العشرين سنة الاخيرة من حياتهما . لقد اشار اكثر من باحث من معاصرى الشابى ، وخاصة المهيدى ، الى ان الشابى كان يراسل عددا من ادباء المشرق العربى ، وان من بينهم :
- الدكتور احمد زكى ابو شادى . - الدكتور ابراهيم ناجي . - الدكتور على الناصر .
ويبدو ان الشابى راسل مرة واحدة سامى الكيالى حين اهدى اليه كتابه ((الخيال الشعرى عند العرب)) .. حيث نوه به الكيالى فى كلمة قصيرة ، نشرها عنه فور وصول الكتاب اليه .
ومنذ مطلع الخمسينات ، وانا دائم البحث لدى هؤلاء الاصدقاء ومع غيرهم للعثور على شئ لديهم من رسائل الشابى او انتاجه غير المنشور .
وقد اشرت الى شئ من هذا والى نتائج هذا البحث مع بعض هؤلاء كابى شادى وابراهيم ناجي فى كتابى ((اثار الشابى وصداه فى الشرق)) . لكن الحظ اسعفنى بعد صدور الكتاب عام 1961 بالعثور على عدد من النصوص النثرية والشعرية لدى عدد من احباء الشابى واصدقائه (4) .
وثيقة بخط الشابى
ويسعدنى فى هذه المناسبة ان اقدم نصا واحدا من نثره ، متمثلا فى رسالة كتبها إلى الدكتور على الناصر الشاعر والطبيب السورى المولود بحماه سنة 1894 والمتوفى بحلب مقتولا بالرصاص داخل عيادته سنة 1970 (5) .
ويعود الفضل الى الصديق المرحوم سامى الكيالى الذى توسط فى الحصول على هذه الرسالة من الدكتور الناصر .. وكان ذلك عام 1966 على مرحلتين ، ففر الاولى نسخ لى الاستاذ الكيالى نص الرسالة بخطه .. وفى الثانية بعث لى بنسخة مصورة عنها كما هى بخط الشابى (6) .
ويشير الكيالى (المتوفى هو الآخر عام 1972) يشير الى ان الدكتور الناصر لم يعثر فى اوراقه الا على هذه الرسالة (7) .
تحمل الرسالة تاريخا بالسنة والشهر دون اليوم ، اذ هى مؤرخة بشهر اوت / اغسطس / 1930 ومكتوبة على ورق عادى مسطر ، من النوع الذى كان شائعا لدى عامة الناس فى كتابة الرسائل .. ويبدو أن الشابى كان يستعمل في اغلب الاحيان نوعين من الورق فى كتابة رسائله الى اصدقائه :
-النوع الرسمى الذى كان يستعمل فى الدوائر الرسمية ولدى المحاكم (ومعروف بالوزيرى) وهذا ما عثرنا عليه فى رسائله للسنوسى .
- النوع العادى ، او الشعبى ، وهو الورق القصير المسطر ، وهذا ما امدنا بنماذج منه عدد من اصدقائه مثل خريف والمهيدى .
ومن هذا النوع الاخير .. كان حجم ورق رسالة الشابى الى الدكتور على الناصر - كما يمكنكم ملاحظته فى النسخة المصاحبة لهذا التقديم .
وبدون ان نطيل عليكم في النتائج والملاحظات التى يمكن الوصول اليها من قراءة ((الرسالة )) وربطها باحداث عصره وبحياته وظروفه الادبية الخاصة .
سنكتفى هنا بتلخيص ذلك فيما يلى - كمرحلة اولى - تاركين التفاصيل والمقارنات الى مناسبات لاحقة .
اولا - الشكل
هى رسالة طويلة - نسبيا - يلفت النظر فيها - لاول وهلة - أن الشابى قد تعمد ان يكتبها بخط الرقعة الشائع فى المشرق ، ولم يكتبها بخط النسخ التونسى الذى اعتاد ان يكتب به كتاباته الاخرى . ومع ذلك فقد وفق الى حد ما فى هذا التقليد لخط مخاطبه .
وهذه الظاهرة الكتابية الثابتة نرد بها على من زعم أن الشابى كتب قصانده الى مجلة أبولو - فيما بعد - بخط مغربى صعب القراءة . مع أن الشابى كان جميل الخط ومفهومة حتى فى خطه التونسى . وهو لو فعل هذا لاشار اليه صديقه الآخر - الاهم بين اصدقاء الشابى فى الشرق - المرحوم احمد زكى ابو شادى صاحب المجلة .
فقد كتب لى ابو شادى اكثر من عشرين رسالة انطلاقا من الشابى وحول ادبه وعن معاصريهما وذلك بين سنوات 53 - 1955 حيث توفى هو الآخر فى ابريل عام 1955 .
ثانيا - المضمون
تتضمن الرسالة عناصر وافكارا كثيرة منها ما يتعلق بظروف الرسالة والدافع الى كتابتها .
وكما بدا لى فان الرسالة هى الاولى التى بعثها الشابى الى صاحبه ، وانه قد كتبها كرد وتحية منه الى الدكتور الناصر ، الذى كان البادىء فى ربط الصلة بالشابى من خلال اهدائه ديوانه الاول ((قصة قلب)) ..
وهذا ما جعل الشابى يستهل رسالته بشكر الناصر على بادرته بالهدية ويثنى ثناء ادبيا جميلا على ((قصة قلبه)) .. ويعده فى ختام الرسالة بانه سيهديه ديوانه ((اغانى الحياة)) الذى شرع فى اعداده للطبع .
وبين تنويه الشابى بـــ ((قصة قلب)) للشاعر السورى ، الذى استهل به رسالته وبين ما ختم به من وعد باهداء ديوانه اليه بعد طبعه ... راح الشابى
يصول ويجول باسلوبه الساحر المثير .. مركزا كلامه فى نقاط جوهرية هامة .. تمحورت في موضوعات رئيسية ثلاثة :
اولا - تحدث عن كتابه ((الخيال الشعرى عند العرب)) وما اثاره من سخط وغضب فى اوساط تونس الادبية والرجعية .
ثانيا - دعا بقوة وحرارة وشباب الادب فى المشرق الى ان ينهضوا بالشرق، ويجددوا ادبه بثورة تبعث فيه لهيب الحياة .
ثالثا - حاول ان يعطى لمخاطبه صورة عن نهضة تونس الادبية الشابة ، وقد ايدى فى هذه الصورة غيرة على بلاده دفعته الى تجميلها اكثر من حقيقتها .
وبخصوص كتابه عن الخيال الشعرى ، فان الشابى اعتبره ((جهاد قريحة)) ودعوة الى التحديد وتحرير الناس من القديم البالى .. لكن دعاة الرجعية قابلوها بالسخط والغضب والامعان فى التمسك بالماضى ورسومه الدارسة . وهذا نص خطه حرفيا :
((وانى اقدم لك نسخة من كتابي الصغير ((الخيال الشعرى عند العرب)) الذى وان لم يكن ((قصة قلب)) فانه ((جهاد قريحة)) ارادت ان تحرر الناس وتدعوهم الى سواء السبيل ، فلم تلق منهم الا كل غطرسة وعناد . فقد الفت كتابى ثم نشرته على الناس ودعوت فيه الى منهاج جديد من البحث والفهم والتقدير لمفهوم الادب العميق ، فارضى ناسا واسخط آخرين - وكان اكثر اغضابا لمشيخة ((الماضى)) التى لا تفهم من الحياة الا يوم الامس ، ولا من المجد الا ذكريات القديم ولا من الادب الا اصداء الامس البعيد .. فثاروا وعجبوا ورمونى بكل سخط ونكير ، فتجلدت لهم وصبرت . وسأكون المنتصر اليوم أو غدا او بعد ان يطوينى الموت فى ظلامه ويلفنى الابد فى شملته .
وقد جره حديثه هذا عما لقيه هو وكتابه من عنت وانتقاد الى توجيه دعوة حارة الى شباب الادب العربى كي يثوروا على القديم ، ويحققوا طموح الامة العربية ، التى يرمز لها الشابى بالشرق والشرقيين ، فى الثورة على واقعها المريض وحياتها الراكدة الخامدة .. قائلا :
((ان الادب العربى فى حاجة الى ثورة ادبية تجتاح كل ما رث من قديمه وبلى من جذوعه ، الى نهضة ((رومانتيكية)) تنفخ فيه روحا جديدا وتبعث فيه لهيب الحياة القوية الثائرة ، فتخلقه خلقا جديدا يلائم نفوس الشرقيين الطامحين
الى آمال جديدة وحياة كاملة . وليس للشرق امل الا على الشباب المخلص من ابنائه . هذا الشباب الذي يضحى بكل شئ ارضاء للحقيقة ونصرا للحق والجمال . ان ادبنا لم يتحدث بجمال الوجود ولم ينبع شعراؤه برحيق هذه الفتنة الساحرة ؛ فنحن فى حاجة الى من يحدثنا بمثل ذلك ، ان ادبنا لم يتحدث عن عواطف الانسان البعيدة واحلامه العميقة وافكاره الغريبة المستترة النائية ونحن فى حاجة الى من يحدثنا بذلك .
ان ادبنا لا يشعر قارئه انه دخل الى عالم كله فن وسحر وجمال ، وكله احلام واطياف كأنه من جمال الفردوس أو من اعماق الجحيم ونحن الى ذلك فى حاجة ، واذن فليعمل شباب العالم العربى لهذا ان اراد الحياة وليعمل بهذا ان اراد المجد والخلود ؛ ولذا فانى ادعوك وادعو نفسى الى العمل لايقاظ روح الشرق الجميل من سبباتها الطويل)) (8)
بعد هذا يصل الشابى الى ختام رسالته ، فيرى من واجبه ان يحدث صاحبه عما بدا من تباشير نهضة جديدة فى تونس . ولا شك انها كانت متمثلة فى الشابى اولا وفى زمرة الشباب الذين بدأت طلائعهم تبرز فى معظم مجالات الحياة الوطنية فى أيامه .
يقول الشابى : ((فى تونس اليوم نهضة تجديدية لا باس بها ، ولكنها ما زالت مستضعفة بين انصار الجمود الكثيرين وانها ستنتصر اليوم او غدا لان الشيوخ لا حجة لهم غير الاوهام والاباطيل)) .
وقبل ان تترك نص الرسالة بخط الشابى بين ايديكم .. لتتابعوا بانفسكم العناصر الاساسية والثانوية الاخرى ، التى لم نتعرض لها هنا ، لضيق الوقت ، ولاننا ايضا لم نقرأ عليكم الا فقرات معينة من الرسالة ..
قبل ذلك .. ارجو ان يتسع صبركم وحلمكم الى سماع الملاحظات الرئيسية التالية حول محتوى الرسالة بصفة عامة : ان هذه الرسالة ، من حيث اسلوبها تضعنا من جديد مع اسلوب الشابى الشعرى ، بالفاظه الانيقة والبسيطة فى ان واحد ، وحمله القصيره المنغمة والشفافة .. الحافلة بالتقابلات المتداعية والصور الشائقه .
ومن حيث مضمونها نرى فيها المواقف التالية : - تاكيد آرائه فى الخيال والتبشير بها من جديد . - كشفه لاول مرة عن غايته من هذا الكتاب . - شعوره بالالم والاحباط لما لقيه هو وكتابه من رفض حاد ومصادمة عنيفة من معاصريه .
- توضيحه طبيعة العمل والمنهج الجديد الذي قام به فى البحث الادبى لاول مرة بتونس . - تقسيمه لمعارضى منهجه الجديد إلى جيلين .. جيل الشيوخ وجيل الشباب .. وان الشيوخ كانوا اشد غضبا وتهجما .
- تحمله وصبره على ما نقموا . - ايمانه القوى بانه المنتصر ، اليوم او غدا ، او بعد وفاته .. وهذا ما حدث بالفعل .. وما هذه الذكرى العالمية الا دليل على ذلك . وهذا ما حدث له ايضا فى مجال اعظم واهم .. حين تنبأ بزوال الاستعمار وانتصار الشعب .. يوم لم يكن احد يقول ذلك او يتوقعه ..
كان هذا عام 1925 عقب محاكمة محمد على الزعيم النقابي بابام قليلة .. والحكم عليه وعلى رفاقه بالنفى خارج ارض الوطن ولم يكن فى ساحة النضال صوت واحد يعد الجماهير بالخلاص .. فاذا الشابى الذى لم يتجاوز عمره - يومئذ - ستة عشر عاما يعلن قسم الموت من اجل تونس .. ويبشر شعبها بالحرية والخلاص :
انا يا تونس الجميلة فى لج الهوى قد سبحت اى سباحه
شرعتى حبك العميق وانى قد تذوقت مره وقراحه
لا ابالى وان اريقت دمائى فدماء الضاق دوما مباحه
ان ذا عصر ظلمة غير انى من وراء الظلام شمت صباحه
ضيع الدهر مجد شعبى .. ولكن سترد الحياة يوما وشاحه
ونعود للرسالة ، لنقول باننا نجد فيها ايضا : - دعوته الى ضرورة التجديد فى الادب بما يتماشى مع طموح الاحبال .. ويجدد حياة الامة العربية .. لكنه فى دعوته هنا يكاد يكرر نفس الافكار
والمعانى وبنفس العبارات تقريبا .. التى سبق له ان اعلنها فى كتابه ((الخيال ...)) وهى فى هذه الرسالة اكثر قربا وتشابها لما اعلنه فى سنوات لاحقة الى صديقه محمد الحليوى من خلال رسائله .. وهو فى النهاية يلخص موقفه بان الادب ، والشعر منه خاصة ، هو جمال وسحر وثورة وتجديد او لا يكون .
وفى الرسالة موقف جديد وواضح .. وهو اعتباره لنفسه مساهما فى نهضة العرب - لا نهضة تونس فقط - وعلى حد قوله فهو يعمل (( لايقاظ روح الشرق من سباتها الطويل )) .
- ونود فى الختام ان نسجل حقيقة تاريخية هامة جدا فى حياة الشابى الادبية تجاه معاصريه التونسيين .. وهى ان الشابى لم يرد على احد ممن انتقد كتابه بتونس .. سواء من دعاة الرجعية والمتشدين نحوه امثال حسين الجزيرى ومحيى الدين القليبى .. او الذين كانوا من اصدقائه ومنهم من كان يشاطره فى معظم آرائه .. ولكنهم مع ذلك انتقدوا عليه اشياء كثيرة .. وفى طليعة هؤلاء صديقه محمد الحليوى .. الذى اعتبر معظم آراء الشابى فى الخيال اعادة وترديدا لما سبق ان اعلنه نقاد المشرق .. وخاصة منهم العقاد وميخائيل نعيمة .
والحقيقة ان موقف الصمت الذى لاذ به ولازمه الشابى نحو منتقدى كتابه فى تونس ، قد تغير بعد سنتين فى قضية اخرى ، وان كانت ذات صلة بموضوع كتابه ، وهي قضية ((السرقات الشعرية)) التى تحول الحديث فيها ، عنده وعند الحليوى الى حديث عن الشعر بوجه عام .. عن مفهومه وجوهره ، والغاية منه ، ومدى صدقه فى تعبيره عن احاسيس الشاعر وقضايا المجتمع ؟ .
ومع هذا يبقى السؤال مطروحا : لماذا لازم الشابى الصمت فى تونس حيال منتقدى كتاب الخيال .. مع انه رد ، وبشدة ، على ناقديه المشارقة ؟ .
ثم هو - كما اعلم - لم ينفس عن كبته حتى فى مراسلاته الخاصة مع اصدقائه التونسيين .. الذين عرفنا جانبا كبيرا من رسائله اليهم .. امثال الحليوى وخريف وللهيدى ؟ فى حين نراه يفعل ذلك فى رسائله للمشرق.. كما تؤكده رسالته هذه ؟

