ان الحديث عن ابي القاسم الشابى ، الشاعر التونسى العظيم ، حديث فى الواقع عن النهضة الادبية والفكرية فى الثلث الاول من هذا القرن ، لا فى تونس وحدها ، بل في سائر بلدان المغرب العربى كذلك . ففي بداية هذا القرن ، وعلى وجه التحديد ، فى اعقاب الحرب الكونية الاولى ، اخذت شعوب المغرب العربى ، وفي مقدمتها تونس ، تستيقظ من السبات العميق الذي حل بها نتيجة لهيمنة الاستعمار على مقدراتها السياسية والاقتصادية والثقافية . وكانت يقظه الشعوب المغربية من الشمول بحيث اصابت جميع مرافق الحياة ، فراح السياسى والاقتصادى والثقافى ، كل فى مجاله ، يجدون فى احياء ما اخطاته يد الاستعمار ورجاله ، وتمثله والانطلاق منه نحو مستقبل ادبى افضل .
ومن المؤكد ان هذه المرحلة لم تكن طويلة كاختها فى المشرق العربى ، لان النهضة الادبية والفكرية المشرقية لم تكد تستند فى بداياتها الا على التراث العربى القديم .
ونحن هنا لا نريد طبعا ان نغمط حق رفاعة الطهطاوى وزملائه فى مدرسة الالسن فى السبق الى نقل ما عند الغربيين من حضارة ومعارف إنسانية حديثة . يصلها من المشرق العربى هى التى تفسر تزامن مرحلة الاحياء ومرحلة الحدثلة عنه الا على سبيل التجوز .
ان الآثار الادبية والنقدية التى ظهرت في المشرق العربى فى هذه الفترة انما تعود فى روحها ، وفيما تهدف اليه ، الى التراث دراسة واقتباسا . وهو الامر الذي لم يحصل مثله في النهضة الادبية والنقدية فى المغرب العربى ، حيث ان المسافة التى تفصل بين مرحلة الاحياء ومرحلة التعرف الى المناهج والنظريات
الغربية كانت قصيرة جدا ، إن لم نقل منعدمة تماما . ولهذه الظاهرة الغربية نوعا ما اسباب معقولة نذكر منها اثنين اساسيين : أولهما ان النهضه الادب والنقدية فى المغرب العربى استفادت استفادة كبرى من اختها فى المشرف العربى حتى ان الاعمال الادبية والنقدية التى وصلت ، فى اطار هذه النهضة ، الى بلدان المغرب اوائل هذا القرن كانت ناضجة الى حد ، وحملت معها ، بالإضافة الى نظريات التراث ، نظريات ومناهج نقدية غربية دفعت النهضة الادبية والنقدية فى المغرب العربى دفعة كبيرة الى الامام . وهذه الاستفادة المزدوجة مما كان يصلها من المشرق العربى هي التى تفسر تزامن مرحلة الاحياء ومرحلة الحداثة فى المغرب العربى .
اما السبب الثانى لهذا التزامن فهو تمكن الثقافة الفرنسية من نفوس الكثير من نقاد المغرب العربى وادبائه نتيجة للوجود الاستعمارى الفرنسى الطويل ، فهذه الثقافة مكنت كثيرا من نقادنا من الاطلاع على ما عند الغربيين من نظريات ومناهج حديثة فى النقد والادب ، مما سمح لبعضهم بان يعتنقوا الاتجاه التأثرى السائدة فى المشرق العربى حينئذ ، ولآخرين بأن يظلوا تقليديين فى ابحاثهم ودراساتهم الادبية .
هذه هي النهضة الادبية والنقدية في المغرب العربى بعامة . اما فى تونس الشقيقة بخاصة فعلائقها بالثقافة الاوربية كانت اعمق من علائق الجزائر والمغرب الاقصى بها ، وهذا بالرغم من اعتبار فرنسا الجزائر جزءا لا يتجزأ منها ، ومن ارتباط المغرب الاقصى بفرنسا عن طريق الحماية ارتباطا لا يقل اهمية عن ارتباط تونس بها . ولا ادل على هذه الخصوصية من ظهور نخبة واسعة من الادباء التونسين مزدوجى الثقافة كانوا دعامة فكرية وادبية لتونس الحديثة قبل الحرب الكونية الثانية وبعدها .
- 1 -
واذا كنا نريد ان نتحدث عن الشابى الناقد هنا ، فان أول ما يبغى ان نسجله بشانه هو ان الشابى كان من الادباء والنقاد التونسيين القلائل الذين رفعوا ، فيما بين الحربين راس تونس عالية فى مجال الفن والفكر والبحث ، واسهموا في النهضة الادبية العربية بما اتخذوه فى مجالات مختلفة من مواقف . وكل المهتمين بالادب والنقد العربيين يعرفون ان الشابى كان عضوا محررا فى مجلة ابوللو ، وان المراسلة لم تنقطع بينه وبين الدكتور احمد زكى ابى شادى
وان هذا الاخير كثيرا ما ألح على الشابى ان يرسل اليه بقصائده ودراساته . وعن طريق مجلة ابوللو وما كان ينشر فيها للشابى من قصائد ، عرف صاحب " اغانى الحياة " فى المشرق العربى ، وصنف واحدا من الشعراء العرب الغنائيين الذين اشتهر بهم الادب العربى فيما بين الحربين .
وبالرغم من ان ابا القاسم الشابى عرف شاعرا اكثر منه ناقدا ، الا انه اسهم مع ذلك فى بلورة التفكير النقدى فى تونس بصفة خاصة ، وفي بلدان المغرب العربى بصفة عامة ، وهذا بفضل ما كان ينشر له من دراسات جادة فى جريدة " الزمان " ومجلة " العالم الادبى " وما كان يقرر فى هذه الدراسات من اراء جريئة ، ويتخذ من مواقف نقدية اصيلة .
ويؤكد ما قلناه هذه المناقشات العديدة التى كانت تدور بين الشابى ومحمد الحليوى وزين العابدين السنوسى ، والتى يمكن الاطلاع عليها فى هذا الكتيب الهام الذي هو " رسائل الشابى " ففي هذه " الرسائل " مجموعة من الافكار والمواقف تدل كلها على جراة فريدة فى الشابى ، جراة مصدرها الاقتناع بما يقول ، والايمان بان الادب العربى لن يتطور ويلحق بالاداب العالمية الكبرى الا اذا جدد نفسه ، وطرق موضوعات أوسع أفقا ، وأكثر انسانية . ويمكن اجمال هذه الاراء والمواقف فى الحديث عمن اسماهم " الشعراء الحقيقيين " ورفض شعر المناسبات والتقليد ، وطريقة تناول الاعمال الادبية ، وكل هذه النقاط كان للشابى فيها رأى حاسم يستحق العناية والاهتمام .
ويدعو الشابى فى اطار النقطة الاولى الى ان يرتفع الشاعر بفنه عن الدهماء ، فهو يؤكد فى غير موضع ان الفن لم يخلق للجمهور ، وانه لا قيمة مطلقا لرأى هذا الجمهور فى الفن . والشعراء الحقيقيون عند الشابى هم هؤلاء الذين " يرتفعون بارواحهم الى آفاق فسيحة ارحب واسمى من سماء البيئة المحدودة " منعزلين بدنيا غريبة رائعة لم تخلقها الحياة الا في اعماق قلوبهم الملاى ببهاء الكون ومثل الحياة العليا .. واولئك الذين لا يصورون عادات العصر المتغيرة المتحولة ، بل عادات الحياة الخالدة على الدهر ، ولا يضعون احاديث الوعاظ والمتكلمين والفلاسفة والمتفلسفين ، بل احاديث نفس الانسان التائهة فى بيداء الزمان ، ولا يعلنون اسرار القصور والمجالس ، بل اسرار الازل والابد " ( 1 ) .
لقد اوردت هذا النص فى بداية الحديث عن موقف الشابى من الظاهرة الادبية لما يشتمل عليه من ملامح واضحة تحدد لنا مذهب هذا الاديب الكبير فى الفن ، وتلحقه ، كما سيتضح لنا ذلك فى فقرة تالية ، بالمدرسة الرومانسية فى الادب والنقد ، فالانعزال فى " دنيا غريبة رائعة " ، والتعبير عما " فى القلب والنفس " وعن " عادات الحياة الخالدة " كل ذلك يؤكد رومانسية الشابى فى موقفه النظرى وابداعه الشعرى .
والغريب في موقف الشابى كما يستفاد من هذا النص هو رغبته فى ان يرتقى الشعر الى آفاق " اسمى من سماء البيئة المحدودة " كما يقول ، فهو هنا يعبر عن رؤية مثالية فى الفن رؤية تجعل الشعر اسمى من ان يضطلع برسالة اجتماعية ، واقدس من ان يقوم باي دور نفعى كان . ويستنتج من هذا الموقف ان الشابى يرفض أى شعر لا يعبر عن عواطف القلب وأحاسيس النفس وعادات الحياة الخالدة . ومن الشعر الذي يرفضه الشابى لهذا السبب ويقف ضد اصحابه وقوفا لا هوادة فيه ، شعر المناسبات الذى يكثر فى الادب العربى فى عصوره المختلفة . وقد عبر الشابى عن موقفه من هذا الشعر فى قصيدة ( شعرى ) فقال :
" لا انظم الشعر ارجو به رضاء الأمير
بمدحة او رثاء تهدى لرب السرير ( 2 )
وقال في القصيدة ذاتها :
" لا اقرظ الشعر ابغي به اقتناص نوال (3)
- 2 -
ويقف الشبابى ضد شعر المناسبات لان هذا الشعر لا يعبر عن نفس قائله كما سلف ، وكما سيتضح اكثر عند الحديث عن تحديده للشعر ، فالشاعر الذى ينتظر المناسبات لتسجيل اسمه في قائمة الشعراء ، سواء قصد بذلك الحصول على حظوة أو نوال ، أو " ارضاء الامير رب السرير " كما جاء فى كلام الشابى ، اقل ما يقال فيه انه لا يستنطق ضميره ، ولا يعبر عما يضطرب فى قلبه ، وتجيش به نفسه ، وانه اذا كان كما يقول الشابى فى رسالة له الى
الحليوى قد " أصغى الى الناس وما يقولونه ، وسار فى هذه الدنيا باقدامهم ، ورآها بابصارهم ، وأصغى اليها بآذانهم ، فقد كفر بالفن ، وخان رسالة الحياة " ( 4 )
وكل ما نجده للشابى فى هذا النص يذكرنا بكلام العقاد فى هذا الصدد فى بعض مراحل حياته . فقد وقف العقاد كذلك ضد شعر المناسبات وان ينظم منه فى بعض الحالات ، ووصم صاحبه بكل النعوت المزرية التى تخرجه من اسرة الشعراء الحقيقيين . واذا كان صاحب " العبقريات " قد اعتبر الادب والحياة شيئا واحدا كلاهما يعبر عن الشعور بطريقته الخاصة فان الشابى لا يكاد يذكر الفن كما فى الكلام السابق الا وبجانبه الحياة ، وانه عندما يؤكد أن شاعر المناسبات كافر بالفن يذكر في الوقت ذاته انه خائن لرسالة الحياة .
يتحدث الشابى كذلك عن التقليد والمقلدين كما يفعل المحدثون فى كل الاداب ، وكما فعل افراد جماعة الديوان والدكتور طه حسين بصفة خاصة ، ويرى الشابى ، بمناسبة حديثه عن الشعر التونسى فيما بين الحربين الكونيتين ، ان الذى يحط من قيمة الشعراء التونسيين هو انهم يتخذون من الادب العربى القديم " الذي لم يخلق لنا ولم نخلق له غذاء لارواحنا ورحيقا لقلوبنا لا نترشف غيره " ( 5 )
وبالرغم من هذه المبالغات التى يتسم بها كلام الشابى عن التقليد هذا والتعميم الشديد الذي يضع الشعر العربى كله فى ميزان واحد ، الا ان الشابى مصيب في الفكرة الاساسية من هذا الكلام ، فالتقليد تقليد مهما كانت الغاية منه ، ومهما كان النص المقلد انه يدل ، فى جملة ما يدل عليه ، على ان الشاعر المقلد ضعيف الشخصية ، وتابع لغيره فى موقفه ومسلكه فى الفن . وهو امر يرفضه الشابى ويرفضه معه النقاد المحدثون ، لان الشعر ان كان أثرا من آثار التقليد والمناسبات يخطئ دوره الاساسى فى التعبير عن المشاعر الانسانية ، والحياة الروحية الخالدة ، ويعود كلاما عاديا خاليا من الفن ، وغير قادر على القيام برسالته امام المتلقى ، واذا كان هناك من ضعف فى موقف الشابى من قضية التقليد ، فانما هو ربطه التقليد بالادب العربى القديم وحده ، اذ انه اذا كان الشاعر المقلد انما يتجه غالبا الى الشعر القديم ، فانه كذلك كثيرا
ما يقلد الشعر الحديث الجيد ، وفى هذا يختلف موقف الشابى عن موقف العقاد وشكرى وطه حسين الذين يرفضون تقليد القديم والحديث معا .
ومما يدل على الشابى كان يسير في تجديده عموم موقفه فى الخط الذى سارت فيه الحركة النقدية في المشرق العربى ، انه وقف هو الآخر ضد الشعراء التقليدية وانه كان يستخدم المصطلحات والنعوت نفسها التى استخدمها العقاد والمازنى وغيرهما في جملتهم ضد شعراء الجيل السابق ، وهكذا تجد كلمة " اصنام " وكلمة " تحطيم " في كلام الشابى كما نجدهما فى كلام العقاد والمازنى فهو فى رسالة إلى الحليوى يقول بعد الاشادة بروحه وقوته فى تناول الاعمال الادبية : " لا تخجل يا صديقى فاننى لا اداجى ، وانما اصارحك فى موقف جاسم في تكوين الأدب التونسى الحى الجدير بالخلود ، وفى تحطيم الاصنام الخشبية التى تحتل مكانا من الادب يجب ان يحتله الاحياء الدين بعرفون كيف ينفخون فى الشعب روح الحياة ، والذين يعرفون كيف يعلمونه محبة الحق والقوة والجمال " ( 6 )
الا يذكرنا هذا الكلام بكلام العقاد والمازنى فى كتابهما " الديوان " الذى عد بداية لمرحلة جديدة فى الأدب العربي ؟ ففى هذا الكتاب كذلك تطالعنا كلمة " تحطيم " وكلمة " اصنام " ، وفيه ايضا نحس بان العقاد وجيله يريدون أن يزحزحوا حول الشعراء السابقين عن مكانتهم الفنية والاجتماعية . واذا كان افراد جماعة الديوان قد حققوا انتصارا ضخما فى المجال النظرى ، وعجزوا عن احتلال المكانة التى كانوا يحلمون بها فى مجال الفن ، فان الشابى لم يصطدم بشعراء فى سمعة شوقى وحافظ ومكانتهما . ولذلك اعتبر الشابى ، بالرغم عن قصر حياته ، من كبار الشعراء التونسيين ان لم يكن اكبرهم على الاطلاق .
- 3 -
بهذه الروح القوية ، وفي اطار هذه المواقف النيرة الجريئة كان الشابى ينظر الى الاعمال الادبية التى تقع بين يديه ، وينصح لصديقه الحليوى باتباع المنهج نفسه فى تناول هذه الاعمال وبالاتسام بالموضوعية فى هذا التناول فعندما تردد الحليوى فى دراسة " دى فينى " الفرنسى لما اشتهر به من استهتار فى الحياة ، وعدم اكتراث بمواضعات الناس ، وتحرر فى السلوك والاخلاق ، عندما تردد الحليوى فى المنهج الذي ينبغي اتباعه فى دراسة هذا
الشاعر ، رجاه الشابى الا يراعى فى عمله غير وجه الحق ، وقال له : " اكتب الحق خالصا لوجه الحق . والى اعماق الجحيم بهاته الانصاب البشرية الزائفة " ( 7 )
ان الشابى لم يستخدم كلمة الموضوعية فى نصح صديقه . غير ان مجموع كلامه يدل على انه يعنيها ، فهو يرى ان على الباحث الا ينظر الى العمل من خلال ما يحيط به من ظروف ومناسبات والا يتأثر بردود الفعل الممكنة ضده ، فالحقيقة الفنية والموضوعية هى التى ينبغى ان تكون الهدف الاول للباحث . والتعبير عن هذه الحقيقة كما يمثلها العمل الادبى ، او على الاقل كما يراها الباحث الموضوعى هى الضمان الوحيد لعدم الوقوع فى التزوير والانفعالية والتحامل .
بدانا بالحديث عن هذه المواقف المتفرقة للشاب حول " الشعراء الحقيقيين " و " شعراء المناسبات " و " شعر التقليد " و " كيفية تناول الاعمال الادبية " ، لما لهذه المواقف من اثر بارز فى تصور الشابى لماهية الشعر ، ومجاله وافاقه ، وموقفه من " الخيال الشعرى عند العرب " . وقد عرفنا من خلال هذه الفقرة الاتجاه العام الذى يسيره الشابى فى الفن ، وهو الاتجاه الرومانسى كما عرف فى المشرق العربى ، وفى الغرب الى حد . وسيتضح لنا هذا الاتجاه في الفقرة التالية بما لا يدع مجالا للشك ، ونرى بالمناسبة نفسها كيف ان الشابى كان صادقا مع نفسه ، وعميقا فى تصوره للفن ورسالته الانسانية .
- 4 -
لقد قدم ابو القاسم كرو خدمة كبرى للادب والنقد فى تونس عندما الف كتابه " أبو القاسم الشابى حياته وشعره " . ومن احسن ما اشتمل عليه هذا الكتاب ما اسماه المؤلف " نماذج من النثر " . ففي هذه النماذج يقول الشابى فى الشعر والشعراء : " ان الشعر يا صاحبى هو ما نسمعه ونبصره فى ضجة الريح ، وهدير البحار ، وفي بسمة الوردة الحائرة يدمدم فوقها النحل ، ويرفرف حواليها الفراش ، وفي النغمة المغردة يرسلها الطائر فى الفضاء الفسيح ، وفي وسوسة الجدول الحالم المترنم بين الحقول ، وفي دمدمة النهر الهادر المتدفق نحو البحار ، وفي مطلع الشمس وخفوق النجوم ، وفى كل ما تراه وتسمعه وتكرهه وتحبه ، وتالفه وتخشاه " ( 8 )
ان الشعر كما صوره الشابى ههنا ذو علاقة متينة بالانسان والوجود ، بالانسان لانه هو الذى يحس بهذا الشعر ويدركه من خلال مظاهر الوجود ، وبالوجود لانه هو الموضوع الاساس، للشعر . والشاعر الحق هو الذي يحسن التعبير من خلال مشاعره واحاسيسه عن الوجود فى انقى مظاهره واسماها . ويدل هذا الموقف من الشابى كذلك على انه يعتبر الطبيعة كما نحس بها ونراها ، الموضوع المفضل لدى الشعراء الرومانسيين ولامر ما تتفق آراء النقاد على ان من ملامح الشعر الرومانسى ان اصحابه يهربون الى الطبيعة عندما تضيق بهم الحياة فى المجتمع ويحسون بعدم القدرة على حل مشاكل الحياة بالطرق المتاحة للناس العاديين .
والشعر فى آخر الامر انما هو الحياة ذاتها : الحياة بخيرها وشرها ، بحسنها ودمامتها وفى هدوئها وثورتها ، وصمتها وضجتها ( 9 ) . ويتفق الشابى فى تصوره للشعر بهذا الشكل مع العقاد ، الذى عرف الشعر بانه " التعبير الجميل عن الشعور الصادق " ( 10 ) ، والذي اعتبر الادب والحياة شيئا واحدا بوصف كل منهما يعبر عن الشعور ( 11 ) . ولا اعتقد اننا نبالغ عندما نعتبر الشابى فى مواقفه النظرية على الاقل امتدادا لحركة التجديد فى المشرق العربى والمشارقة انفسهم ، ولا سيما اعضاء جماعة ابوللو ، كانوا يعتبرونه كذلك .
وللشابى كلام في شعر العقاد بمناسبة صدور ديوانه " وحى الأربعين ". وقد ورد هذا الكلام في مناقشة بين الشابى والحليوى الذي انكر على العقاد قول البيت أو البيتين فى الموضوع الواحد . ومما رد به الشابى على هذه الملاحظة قوله : " فالعبرة يا صديقى عندى انما هى نبوغ الشىء وعلو عنصره وكرم معدنه لا بكميته وكثرته .. ثم الا ترى معي ان قولك ان النفس تابى الا ان تكون ممتدة النفس هو ضرب من تحكم الارادة الذى تنعاه على العقاد في شعره . اما انا فلا افهم الشعر الا انه فيض الحياة فى ايقظ ساعاتها واحفلها بنوازع الفكر والشعور ، وكما أن السحابة العابرة قد تسيل السيول ، وقد تسكب القطرات كذلك نفس الشاعر " ( 12 ) .
ان ربط الشابى المستمر بين الشعر والحياة يؤكد الفكرة الاساسية التى قررنا منذ البدء فى تصوره للشعر ، فهو لا يراه شيئا آخر غير الحياة ، وهو يطلق كلمة الحياة فى مفهومها العام : الحياة التى تحيط بنا فى المجتمع ، والحياة التى نحياها فى نفوسنا ، او نتملاها كما يقول العقاد ، والحياة فى دلالاتها الميتافيزيقية . واذا كان الشابى قد اظهر فى بعض مواقفه استخفافا بالشعب وعدم حساب اى حساب لذوقه وحكمته ، فانه مع ذلك قد تجاوب معه فى كثير من شعره ، تجاوب معه بطريقته الخاصة التى تنظر الى امور الحياة المادية بعين الاستخفاف . ولعل اشهر بيت قاله الشابى فى حث الشعب على النهوض والثورة ، والذي طالما رددته وما تزال تردده شعوب المغرب العربى ، هو قوله :
إذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ( 13 )
- 5 -
ويؤدى بنا الكلام على موقف الشابى من الشعب وأمور الحياة الى الحديث عما اذا كان هذا الشاعر الناقد يحدد رسالة ما للشعر ، والواقع انه لايمانه بقدسية الشعر ، وروحانية دلالته ، لا يمكن ان يحدد له الا رسالة نفسية انسانية . فليس الشاعر خادما للشعب فى شؤونه العامة بأى وجه من الوجوه ، ولكنه خادم له ايما خدمة فى حياته النفسية والعاطفية والروحية . وتستنتج هذه الرسالة من كلام الشابى ، ومن تحديداته المختلفة للشعر بصفة خاصة .
وقد بدا ذلك كاوضح ما يكون عندما اراد ان يضع مقياسا لما اسماه " الشعر الالهى " فقال : ولكى تدرك هذه الحقيقة فانظر هل هو من ذلك النوع الذى يوسع افق الحياة فى نفسك ، او يجعلها تحس بتيارات الوجود اكثر مما كانت تحس ، وتدرك من معانيه واصواته اكثر مما الفت ان تدرك ، وينسيك وجودك الانسانى لحظة لتستغرق فى عالم الجمال المطلق الذي يخلقه الشاعر حوالى ، ويسبغ منه على نفسك . أقول : انظر فان كان هذا النوع فاعلم انك تقرأ شعرا الهيا لا تجود بمثله الحياة كثيرا ، والا فاعلم انك تقرأ مثلا دون ذلك " ( 14 ) .
ان التمعن فى هذا النص بجعلنا نسجل ملاحظات عديدة ، ملاحظات تندرج كلها فيما اسلفناه بخصوص تصور الشابى لفن الشعر . انه يترقى به دائما الى مستوى اعلى من مستوى الحياة المادية ، ويجعله نابعا من نفس صاحبه ، او كما سبق " فيضا للحياة ". وشعر من هذا النوع لا يهتم بغير شؤون الوجود والحياة فى اسمى دلالاتهما ، ولكن هذا الاهتمام الاسمى للشعر ، كما يقرر الشابى .
هو الذى يستطيع توسيع افق الحياة فى نفوسنا ، ويجعلنا نحس بامور من الحياة لم نكن نحس بها من قبل ، وندرك امورا اخرى كنا نجهلها . هذا طبعا بالاضافة الى هذه الرسالة التى تندرج في تصور الشابى للشعر ، والتي بدونها لن يكون الشعر شعرا ، وهي المتعة الفنية التى يحصل عليها القارئ من خلال قراءته لهذا الشعر الالاهى . وهذا الوجه من رسالة الشعر هو الذى عناه الشابى بقوله فى النص السابق : " وينسيك وجودك الانسانى لحظة لتستغرق فى عالم الجمال المطلق " . فالشعر من النوع الذى تكلم عليه الشابى يفيد بارتقائه إلى مستوى التعبير عن معانى الوجود والحياة كما يحس بهما الانسان . فى اعمق اعماق نفسه ، وبالتعبير عن هذه المعاني باسلوب فنى جميل ( 15 )
هذا الفهم لرسالة الشعر هو الذى جعل الشابى ، كما جعل افراد جماعة الديوان ومفكرى المهجر ، يلح كثيرا على علاقة الشعر بنفس صاحبه ، اى بالنفس الانسانية فى اعمق احاسيسها واشملها ، ويرفض كل شعر آخر يعنى بشؤون الحياة اليومية العادية . وفي ديوان " اغاني الحياة " للشابى قصائد عديدة تلح كلها على هذه العلاقة وهذا الرفض ، فمرة يخاطب الشعر بانه " نفاثه صدره " ( 16 ) وثانية يسميه بانه " فلذة فؤاده " ( 17 ) وثالثة بجعله " فم شعوره وصرخة روحه الكئيب " ( 18 ).
فى اطار هذا الفهم للرسالة الشعرية اعتبر الشابي الشعر حقيقة سماوية ، وقال : " ان الفن الرفيع حقيقة سماوية سامية تنزل على الناس من أفكار الجبابرة وارواحهم . ولن تحافظ على سمو عنصرها ، ونبل غايتها الا اذا ظلت بعيدة عن الشعب منزهة عن رغائبه واهوائه . اما إذا انحط الفن الى خدمة
الشعب ، واتباع منازعه وغاياته ، واصبح اداة يصرفها كيف شاء ، فقد انقلب عبثا صبيانيا سادجا لا قدسية فيه ولا جلال " ( 19 ) .
ان معظم النقاد التاثريين العرب يتفقون مع الشابى فى هذا التصور لرسالة الفن . ولو عدنا إلى ما قال هؤلاء النقاد لراينا ملامح كثيرة من كلام الشابى ، ولعرفنا ان التاثريين العرب فى عمومهم ، او الرومانسيين كما يحلو لبعضها ان يقول ، ينطقون كلهم من مبدأ واحد هو اصل كل هذه المواقف المتشابهة ، وهو مبدأ ارجاع الشعر بخاصة ، والفن بعامة ، الى النفس البشرية وما يضطرب فيها من عواطف ومشاعر واحسيس وامال واحلام ، الامر الذي جعلهم لا يرون للشعر غير الرسالة الانفة الذكر .
غير ان امرا واحدا يكاد ينفرد به الشابى عن سائر النقاد التاثريين ، وهو هذا الموقف العدائى الحاد للشعب ، فهو لا يريد ان يسمع عن شئ يسمى "رغائب الشعب واهواءه ومنازعه وغاياته " . وهل هذا الموقف راجع الى ما عاناه الشابى من حرمان وعدم اعتراف له بالمكانة الشعرية التى كان يحلم بها ، والتي جهل او تجاهل نزعته الجديدة فى الشعر . ولكن الغريب هو ان يحمل الشابى الشعب جريرة هذا التقصير فى حقه ان كان هناك تقصير حقا .
- 6 -
لقد ذهب الشابى مذهب الرومانسيين الغربيين والعرب فى امور اخرى غير الرسالة السالفة الذكر . فقد قال بالنبؤة الشعرية كما قال بها عبد الرحمان شكرى وغيره . ولعل جميع من قالوا بنبوءة الشاعر انما كانوا يقصدون الالهام وما ينتج عنه من صفاء فى النظرة ، ورؤية للمستقبل فى اطار الحاضر . ان هذه النبؤة هي التى يقول فيها الشابى فى قصيدة بعنوان " النبى المجهول " .
" فهو فى مذهب الحياة نبى وهو فى شعبه مصاب بمس
هكذا قال ثم سار الى الغا ب ليحيا حياة شعر وقدس " ( 20 )
وقد يندرج فى القول بالنبؤة القول بان الشعر لا يتاتى الا فى اثر نوبة عصبية . فهذه النوبة هى التى تحرك نفس الشاعر ، وتجعله يتلقى الهاما يعتقد
كثيرون انه ضرب من النبوءة ، ويبدو ان الربط بين النبوءة والانفعال العصبى شئ يسير ، اذ ان الشاعر ، فى عرف النقاذ التأثريين ، لارسستطيع قول " الشعر الرفيع " ، على حد تعبير الشابى ، الا بعد معاناة نوبة عصبية يقترب بفضلها من ضفاف الحقيقة المبتغاة ، فاذا ما وفق الى التعبير عن هذه الحقيقة بشكل مرضى أو بأسلوب فنى جميل كما سبق فى كلام الشابى ، فانه يكون كمن أوحى اليه بمعاني الحياة الخالدة
وليس هذا الامر جديدا بالقياس الى الشابى وامثاله من التاثريين . وانما الجديد حقا هو هذه القصة التى يحكيها الشابى عن نفسه بخصوص النوبة العصبية . يقول الشابى : " اما الشعر فقد لبثت نحوا من عشرين يوما لا يخفق فى نفسي شدوه أو غناؤه . ثم اخذتنى النوبة وانا لها كاره فلفتنى فى مثل العاصفة الهوجاء التى لا ترحم ، وملأت على صفو الحياة ألسنة الهواتف التى لا تسكت وتهادت حول قلبى الصور والاشباح والخواطر والذكر ، ولم تفارقنى فى نوم ولا يقظة ، حتى لقد اضطرب على النوم في اليومين اللذين استيقظت فيهما روح الشعر الخفية الغامضة ، وحتى رجوت من الله ان يرحمني وينقذنى من هاته الثورة العنيفة العاصفة وقد فعل " ( 21 )
ان في هذه القصة امورا كثيرة تستلزم الوقوف عندها طويلا . غير ان حجم هذه المحاضرة لا يسع مثل هذا الوقوف ، واذا كان فى القصة شئ لا يمكن تجاوزه فهو هذا الشبه الشديد بين قصة الشابى وقصة النبى صلى الله عليه وسلم عند انقطاع الوحى عنه لمدة قصيرة ، وهذا الاضطراب الكبير اثناء اصابة الشابى بالنوبة ، كما كان يصاب الرسول عليه السلام بالرعشية والذهول عند نزول الوحي عليه . كل هذه الملامح قد يكون الشابى قصد اليها قصدا انما تدل على شئ واحد ، وهو ايمان هذا الشاعر الناقد بان العملية الشعرية ضرب من الوحى والالهام يصله بالعالم العلوى . وما النوبة التى الح الشابى عليها وعلى اثرها فى نفسه الا تمهيد لهذا الانتقال الروحى والنفسى الى عالم اسمى من عالم الناس .
-7 -
كل هذا ولم نعرض بعد الى القضية الاساسية التى اشتهر بها الشابى ، والتى وجهت اليها من اجله اتهامات بلغت حد وصمه بالزندقة والكفر ، وقد خصص
الشابى للخيال محاضرات كاملة القيت في مدرسة الخلدونية ، فاستمع اليها المثقفون التونسيون ، وتناقشوا حولها ، فوقف بعضهم مع الشابى ، ووقف اخرون ضده ، ثم جمعت هذه المحاضرات ونشرت للمرة الاولى سنة 1929 تحت عنوان " الخيال الشعرى عند العرب " وظهرت الطبعة الاخيرة سنة 1983.
وقد عدت المواقف التى اتخذها الشابى فى هذا الكتاب شبيهة بمواقف الدكتور طه حسين فى كتابه " فى الشعر الجاهلى " . والناقدان العربيان ، التونسى والمصرى تناولا فى الواقع موضوعا واحدا وان من جانبين مختلفين . فاذا كان طه حسين قد تحدث عن الشعر الجاهلى وعن مدى صحته ونسبته الى اصحابه ، فان الشابى تحدث عن الخيال ، ومدى عمقه واتساعه فى الشعر العربى القديم . ولسنا هنا بصدد مناقشة الموقفين ، وبيان صوابهما او خطئهما بل كل ما نريد فى بداية هذه الفقرة انما هو بيان مكانة الشابى فى التفكير النقدى التونسى ، ولذلك نكتفى هنا بالتساؤل عن موقف الشابى من الخيال بصفة عامة ، وموقفه منه فى الشعر العربى القديم بصفة خاصة ؟
ان أول ما يطالعنا به الشابى في قضية الخيال هو انه يراه ضروريا للانسان ونعتقد انه فى هذا يسير فى الخط الرومانسى العام ، الذي يرى اصحابه ان لا فن بدون خيال ، بل ان لا حياة بدون خيال . يقول الشابى فى هذا الصدد : " النقطة الاولى : هى ان الخيال ضرورى للانسان لابد منه ولا غنية عنه ، ضرورى له كالنور والهواء والماء والسماء ، ضرورى لروح الانسان وقلبه ، ولعقله ولشعوره ، ما دامت الحياة حياة والانسان انسانا . وانما كان كذلك لان الخيال نشا فى النفس الانسانية بحكم هذا العالم الذى عاش فيه الانسان وبدافع الطبع والغريزة الانسانية الكامنة وراء الميول والرغبات " ( 22 ) .
يذكر هذا الموقف العام من قضية الخيال بموقف كولردج منه . فكلاهما يرى ان الخيال ضرورى لحياة الانسان ، وان كان الناقد الانجليزى تحدث بشكل اكثر اتصالا بالفن . فتقسيمه الخيال الى اولى ، وهو الذى قصده الشابى فى النص السابق ، وثانوى وهو الذي يحتاج اليه الفن ، انما هو تقسيم دعت اليه الضرورة المنهجية : لا سيما وان هذا التقسيم لا يعنى فى تصور كولردج اختلافا فى الطبيعة ، بل تفاوتا فى المستوى والوظيفة فقط ، لان الخيال الثانوى فى
آخر الامر ليس اكثر من تطور للخيال الاولى ، ولا يحصل هذا التطور فى الواقع الا لدى من اهلتهم الطبيعة للفن .
اما الشابى فيلح على الخيال بصفة عامة ، وينظر فى منشئه ودواعيه ، وفي ضرورته للانسان ليحيا حياة طبيعية ، فهو عنده لا يختلف عن الماء والهواء والنور والسماء ، فكما ان الانسان لا يستطيع الحياة بدون هذه الاخيرة ، كذلك لا يستطيع الحياة بدون الخيال . ولعل الجديد في كلام الشابى هو انه يربط الخيال بالغريزة والطبع ، اى انه يعتبره ملكة فطرية تولد مع الانسان ، وتتطور معه حسب المحيط الذي يعيش فيه .
الجديد كذلك في موقف الشابى من الخيال هو انه يربطه باللغة . اذ ان الشابى يفكر دائما فى وظيفة اللغة فى اطار الفن . وقد اسلفنا رأى الشابى فى ان الشعر تعبير عما يختلج في النفس البشرية من عواطف ومشاعر واحلام . وخواطر . وهنا يرى ان قيام اللغة بهذه الوظيفة لا يستقيم بدون خيال ويقول فى هذا الصدد : رغم كل ذلك لم يزل بحاجة الى الخيال لان اللغة مهما بلغت من القوة والحياة فلا ولن تستطيع ان تنهض - من دون الخيال - بهذا العبء الكبير الذى يرهقها به الانسان ، هذا العبء الذي يشتمل خلجات النفوس الانسانية وافكارها واحلام القلوب البشرية والامها ، وكل ما فى الحياة من فكر وعاطفة وشعور . بل انها لا تقدر على الاضطلاع بهذا الحمل الثقيل حتى بالخيال وانما الخيال يمدها بقوة ما كانت لتجدها لولاه " ( 23 ) .
الانسان اذن فى حاجة الى اللغة والخيال ليحيا حياة مستقيمة . وهو امر مسلم به لو لا ان ربط الشابى بين اللغة والخيال قد يوقعه فيما يكره ، اذ انه ، كما سنرى فى تقسيم الخيال عنده ، يكاد يحصر هذا الخيال فى المجاز والاستعارة والتشبيه وما اليها مما تقرره علوم البلاغة . ومع ذلك ينبغى الاعتراف للشابى بانه ينطلق من نظرة شمولية فى موضوع الفن . فهو كما رأينا منذ بداية هذا البحث ينطلق من فكرة قارة عنده ، وهي ان مصدر الفن ، والشعر بصفة خاصة ، هو النفس البشرية ، الامر الذي سمح له بان يرد كل امور الفن، بما فيها اللغة والخيال ، الى نفس الفنان . وهو امر يندرج ، كما اسلفنا ، فى الاتجاه العام الذى ينهجه فى الفن . ولكن ما رأى الشابى فى الخيال بالتفصيل ؟
- 8 -
لقد اسلفنا ان الشابى عندما كان يتحدث عن ضرورة الخيال للانسان انما كان يشير الى ما اسماه كولردج " الخيال الاولى " . والواقع ان الشابى يميل الى تفصيل اكبر ، ويشرح موقفه شرحا مبسطا فى بعض الاحيان فهو فى حديثه عن الخيال يقسمه مرتين ويقول : " النقطة الثالثة هى ان الخيال ينقسم الى قسمين : قسم اتخذه الانسان ليتفهم به مظاهر الكون وتعابير الحياة ، وقسم اتخذه لاظهار ما فى نفسه من معنى لا يفصح عنه الكلام المالوف . ومن هذا القسم الثانى تولد قسم آخر ولدته الحضارة فى النفوس أو ارتقاء الانسان نوعا عما كان عليه . وهذا القسم الاخير هو الخيال اللفظى الذي يراد منه تجميل العبارة ، وتزويقها ليس غير . والقسم الاول هو اقدم قسم فى نظرى نشوءا فى النفس ، لان الأنسان اخذ يتعرف ما حوله اولا ، حتى اذا ما جاشت بقلبه المعانى اخذ يعبر عنها بالالفاظ والتراكيب " ( 24 ) .
بيد ان الشابى يربط الخيال بحياة الانسان ربطا عضويا ، فهو عندما يصف القسم الاول من الخيال انما يصف فى الواقع مرحلة بدائية من مراحل حياة الانسان ، المرحلة التى لم يكن الانسان قد استخدم فيها اللغة بعد . والخيال الذي يحتاج اليه الانسان فى هذه المرحلة انما هو الخيال الذي يجعله على صلة نفسية وعقلية بالعالم . فهو فى حاجة الى فهم مظاهر هذا العالم ، وتعابيره على حد كلام الشابى اكثر مما هو فى حاجة الى التعبير عن هذه المظاهر والتعابير . ومن هنا لم يكن في حاجة الى اللغة : ولسنا ندرى ان كان هذا النوع من الخيال يعنينا فى هذا البحث ؟ وان كان يعنينا فانما لكونه مرحلة تمهيدية لظهور النوع الآخر الذي يحتاج اليه الانسان للتعبير عما يجيش فى قلبه من عواطف ، وفى نفسه من مشاعر .
هذه النوع من الخيال هو الذي يعنينا هنا . وقد راينا الشابى يصفه بانه الخيال اللفظى . وقد دعت اليه الحضارة ومتطلباتها . ويشرح الشابى الخيال اللفظى ودواعيه بان ارتقاء الانسان فى الحضارة ، وامتلاكه اعنة القول . جعلاه يحس بالحاجة الى ما يسميه الشابى " الاناقة فى القول ، والخلابة فى الاسلوب " ( 25 ) . وفهم الشابى لهذا النوع من الخيال على انه ضرورة من ضرورات الحضارة ، و تتطلب من متطلباتها ، هو الذي جعله ينعته بانه لفظى .
اى مادى يساعد الانسان على الاستمتاع بمنافع الحضارة . غير اننا نظلم الشابى اذا ما نحن اقتصرنا على هذا القدر من حديثه عن الخيال ، اذ ان له موقفا آخر اشد تفصيلا ، واكثر حدة ، والصق بالفن وادعى الى الاهتمام والنظر ذلك هو ان الشابى ، بعد تقسيمه الاول للخيال ، يعمد الى القسم الثانى فيقسمه بدوره الى قسمين ، ويفسر القسم الثانى من هذا التقسيم الاخير بانه مساعد للغة على اضطلاعها بعبء التعبير عما فى نفس الانسان وقلبه . ثم يعود فيفصل هذا الخيال المساعد ، ويجعل منه خيالين : خيالا فنيا ، وخيالا صناعيا ، ،
يقول في الاثنين هذا من قبل . ولكنني اردت ان اقول الآن اننى اسمى هذا القسم الاول ( بالخيال الفنى ) لان فيه تنطبع النظرة الفنية التى يلقيها الانسان على هذا العالم الكبير ، واسميه ( الخيال الشعرى ) لانه يضرب بجذوره الى ابعد عور فى صميم الشعور . اما القسم الثاني فاننى اسميه ( الخيال الصناعى ) لانه ضرب من الصناعة اللفظية ، واسميه ( الخيال المجازى ) لانه مجاز على كل حال سواء قصد منه المجاز كما عندنا الآن ام لم يقصد منه كما عند الانسان القديم " ( 26 ) .
وبهذا يتضح موقف الشابى من الخيال ، فبعد ان قسمه الى ما شاء له تصوره ان يقسمه ، عاد فالح على قسم منه يراه الاهم في الفن ، وهو ما اسماه " الخيال الفنى " تارة و " الخيال الشعرى " تارة اخرى . اما الخيال الصناعى او المجازى فالبرغم من انه يراه هاما هو الآخر ، الا انه لا يعرض له لجفافه وجموده ، ولان له هواة ليس هو منهم كما يقول ( 27 ) . لذلك يقصر حديثه على النوع الاول لانه هو الذي " يستلهم ويستوحى ، ويحيا ويشعر ، ويتدبر ويفكر ، وبكلمة مختصرة اننى اريد ان ابحث عند العرب ما سميته خيالا شعريا او خيالا فنيا " ( 8 ) فهذا الخيال هو الذي يناسب ذوق الشابى ، ويتماشى واتجاهه فى الفن ، لانه كما اسلفنا اعلق بنفس الشاعر وقلبه ، واقدر على امداد الفنان بالمعانى الروحية والمشاعر الدقيقة والاحاسيس المرهفة التى كثيرا ما ألح عليها الشابى وأمثاله من دعاة الاتجاه التأثرى فى الفن والنقد .
عير ان الشابى يابى الا ان ينظر فى الخيال الفنى نظرة اشمل واعمق ، فيجتاز النوع السابق على حد تعبيره الى نوع آخر يقول فيه " هو كالشعر صورة
مغرية من صور الخيال ، ولون قوى من الوان التفكير الانسانى فى دور من ادوار الخيال . بل ربما لا اغلو فى كثير ولا قليل ان قلت انه اقوى دلالة من الشعر على هذا الضرب من الخيال الذى جئت للحديث عنه . اما هذا القسم فهو الاساطير " ( 29 )
ان الذى اراد الشابى ان يعرض له فيما سلف امر امران : الصورة الشعرية الناتجة عن علاقة خيال الانسان بمظاهر الوجود ونفس الفنان معا وفى وقت واحد ، والاساطير التى هى كما يقول الشابى " الكلمة الاولى التى توجسها الانسان من تعابير الحياة ، وحاول ان يتفهم منها معانى هذا الوجود المتناقضة ، وانما هى الصوت الاول الذي رن بين جنبيه من اصوات الفكر واجراس الشعور " ( 30 ) .
هذان الامران هما اللذان يفتقدهما الشابى فى الشعر العربى القديم ، بفتقدهما او يراهما ضعيفين فى هذا الشعر لسببين ، احدهما ذاتى وهو ما اسماه " الروح العربية " ( 31 ) ، وثانيهما موضوعى وهو هذه البيئة العربية العارية من كل جمال يدفع روح الفنان وقلبه ونفسه الى التعامل مع الطبيعة ومظاهر الوجود والحياة بخيال فنى متطور . الواقع ان الشابى يحاول بهذا ان يجد الاسباب المعقولة والموضوعية لما سماه " ضعف الخيال الشعرى عند العرب " وليس الشابى وحده هو الذي اهتم بهذه القضية ، فقد اتفق النقاد ، او كادوا ، على ان الخيال العربى القديم خيال مادى . وكان من اوائل من اشاروا الى مادية الخيال العربى طه حسين الذي حدد ما اسماه " المدرسة الاوسية " بانها تقوم على الخيال الحسى . اما غيره فقد اشاروا الى ضعف الخيال الحسى بمناسبة الحديث عن اسباب خلو الشعر العربى القديم من الشعر الملحمى والمسرحى والقصصى .
ويميل الشابى فى تعليل ضعف الخيال فى الشعر العربى الى مادية " الروح العربية " وانعدام الجمال فى الطبيعة الحجازية ( 32 ) . وهو يرى ان جمال
المحيط والطبيعة " هو القسطاس العادل الذي يبغى ان توزن به نفسيات الامم وشاعريات الشعوب ليعلم ما هى عليه من قوة او ضعف ومن صحة او فساد . وان على حسب ما في الاقاليم من جمال وروعة تكون شاعرية الامة . فان كان وسطها الطبيعى بهيجا نضيرا كانت شاعرية الامة خصبة منتجة ، وان كان كالحا مقشعرا كانت كرة مجدبة " ( 33 ) .
بهذا يكون الشابى قد علل موقفه من الخيال الشعرى عند العرب ، فاذا كان الجمال الطبيعى هو يوصل الخيال ، وكانت الطبيعة العربية قاحلة مجدبة غير جميلة (34 ) فمن المنتظر الا يكون للامة العربية خيال متطور . غير ان الذى لا يقبل على علاته من الشابى هو حديثه عن الجمال وكان مفهومه واحد لدى جميع الناس . الا يمكن ان نختلف فى تحديد الجمال وفي تذوقه ؟ وحتى ان اتفقنا على قدر مشترك من الجمال ، فهل نتصور كلنا هذا القدر من الجمال بنفس الطريقة ونفس القوة ؟ واذا كانت هذه الامور كلها ومنها الجمال نسبية ، افلا يمكن ان يرى العربى الجمال فى صحرائه ولا يراه فى غيرها ؟ واذا كان الامر كذلك ، وما اخاله الا كذلك ، الا يمكن الا يكون للجمال اى دخل فيما لاحظه الشابى على الخيال الشعرى عند العرب من ضعف ؟
كل هذه التساؤلات تبين مدى هشاشة موقف الشابى من الخيال العربى . وقد لاحظ معاصرو الشابى انفسهم هذه الهشاشة ، وعرف هو ذلك فى حينه ، وسجل امتعاضه منه وقال : " لقد حاولنا فى العام المنصرم ان ننظم سيره ( يقصد النادى الادبى ) سيرا تاما .. رغم المعارضة الكبرى من انصار الاساليب القديمة ، فانتج انتاجا حسنا كان فوق ما يؤمل ، ثم قامت ضجة الاب سلام اثر ضجة امرئ القيس .. ومسامرة الخيال الشعرى عند العرب التى جاهرت فيها بآراء لم تسغها افكار بعض ادعياء الادب ، وعدوها ثورة على الاداب وعدوها جحودا لتراث العرب . . ( 35 ) .
ان ما يؤخذ على موقف الشابى من الخيال الشعرى عند العرب ليس هو ما لاحظه من ضعف فى هذا الخيال ، فهذا امر من حقه ان يفعله كما من حق غيره
الا يفعله ، وانما هو هذا الربط بين الروح العربية والجمال من جهة ، والخيال الشعرى عند العرب من جهة ثانية . فهذا الربط هو الذي لم يتان فيه الشابى فى نظرنا ، ولم يدرسه دراسة علمية . على ان هناك من لا يقبل حتى دعوى الشابى ضعف الخيال الشعرى عند العرب ، ويرى ان صاحب " اغاني الحياة " قد اخطا فى موقفه من الخيال الشعرى . وممن خطاوا الشابى ، كما جاء فى رسالة للحليوى ، مختار الوكيل الذى نشر نقده فى العدد السابع من مجلة ابوللو . وقد علق الحليوى على هذا النقد فقال فى الرسالة الانفة الذكر: " ويظهر لي ان الناقد لم يفهم ما تريد بالخيال الشعرى حق الفهم . ولذلك صادمك بابيات البحترى فى الربيع وابيات لشاعر آخر فى وصف نافورة ( 36 ) .
وقد يبدو من هذا الدفاع ان الحليوى مع الشابى فى وصف الخيال الشعرى عند العرب بالضعف . والواقع انه لا يوافقه تماما على ما نصب اليه . وقد لاحظ هو نفسه على الشابى تسرعه الشديد فى الربط بين الخيال والبيئة، وراى ان البيئة لا تفسر وحدها ظهور او اختفاء العباقرة من الفنانين ، فقال فى كتيب له عن الشبابى : فلو كانت نظرية البيئة هي وحدها السبب الاول فى نشاة الخيال وقوته وعمقه لكان في عصرنا الحاضر من العبقريين والعظماء فى ارض العبقريين الماضيين مثل ما كان يوجد منهم فى العصر الغابر " ( 37 ) .
يعنى الحليوى بارض العبقريين الماضيين ارض اليونان ، التى انجبت فى العصر الغابر عباقرة فى جميع الفنون والمجالات ، ومنذ العصور الوسطى والى اليوم لم تنجب هذه الارض عبقريا واحدا فى مثل شهرة فنانيها وفلاسفتها الماضيين ، فهل تبدلت البيئة غير البيئة ؟ ام تجردت من الجمال الذي يعتبره الشابى اصل كل خيال ؟ الواقع ان موقف الشابى من قضية الخيال فى حاجة شديدة الى اعادة نظر . وينبغى ان يتوخى فى هذه الدراسة الجديدة التاكد مما يسميه الشابى .. " ضعفا فى الخيال الشعرى عند العرب " . فاذا ما تأكدنا من ذلك بحثنا عن الاسباب والعوامل التى تكمن وراء هذا الضعف ولن تكون دون شك البيئة وحدها ولا الجمال وحده . ولن تكون الروح العربية السبب الرئيسى فى ذلك ، ونميل الى ان الشابى المعجب بملاحم ومسرحيات الاغريق والغرب قد غالى كثيرا فيما سماه .. ضعفا فى الخيال الشعرى عند العرب . ونعتقد ان
البيئة الجافة الصعبة الجامدة فى الصحراء انما ساعدت على ميل العرب فى تصويرهم الى ضرب من المادية . وهو ما لاحظه معظم نقاد ودارسى الشعر العربى القديم . وتحميل الروح العربية جريرة الميل الى هذه المادية نوع من التعسف ، وقول باختلاف الاجناس فى تكوينها واخذها بسبل الحياة والفن والغاية من وجودها . وهو قول اثبتت التجارب النفسية والاجتماعية والعرقية انه غير صحيح .
هذا هو الشابى الناقد . ومهما قلنا فى موقفه من الخيال الشعرى عند العرب فانه يظل الشاعر الكبير فى المغرب العربى الذي كان له مع ابداعاته الشعرية ، مواقف نظرية أصيلة من قضايا الشعر والخيال ، وستظل جرأته فى التعبير عن ارائه من الأمثلة القليلة فى النقد العربى الحديث . كما سيظل موقفه من الشعر مرجعا اساسيا فى تحديد الاتجاه التاثرى فى النقد العربى فهو موقف ينبع من المكونات الاساسية لهذا الاتجاه ، وفي مقدمتها التعبير عن مشاعر النفس البشرية والصدق فى التعبير عن هذه المشاعر ، ورفض كل ما لا يرجع الى النفس ، والاستناد الى الخيال القوى العميق في هذا التعبير .. الى آخر مكونات الشعر التأثرى . وأخيرا سيضم كتابته عن " الخيال الشعرى عند العرب " الى كتابات العقاد وطه حسين وغيرهما لبيان ان الروح العربية مستعدة دائما للتمرد على القديم الجامد ، وخلق جديد يتماشى ومتطلبات العصر ، ولا يتنكر للماض الحضارى العربى بحال .

