الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الشابي فى ذكراه الخمسين

Share

بشاعرها فلتفتخـــــر كل امــــــة        يهددها بالموت والعار طغيان

اذا طويت اعلامها ، فهو بيرق     وان اخمدت أنفاسها ، فهو بركان

يهــــز رفــــات الغابرين صـراخه       فتنشق ارماس وتنحل اكفان

وتبعث ابطال ، وتنضى صوارم     وتنشر اعلام ، وتنصف أوطان

إن هذه الابيات التى صاغها الشاعر الراحل القروى رشيد سليم الخورى فى شاعر العرب الاكبر ابى الطيب المتنبى ، لتصدق كل الصدق فى الشاعر أبي القاسم الشابى ، الذي تغنت الامة العربية كلها فى سنوات شدتها وكفاحها بقوله المستنفر المستفز :

إذا الشعب يومـا اراد الحياة     فلا بد ان يستجيب القدر

ولا بــد للـــيــل أن ينجلـــى       ولا بد للقيــد ان ينكســر

ولو لم يقل الشابى الا هذين البيتين لكفاه ذلك لتخليد ذكره في دنيا العرب وديوان شعرهم ، فكيف وهو الشاعر الذى له زارات وصيحات وصرخات ملتهبة بالوطنية من ناحية ، وله مناجيات ووجدانيات وعاطفيات تزخر بالمشاعر الانسانية من ناحية اخرى ؟

إن المتأمل لحياة الشابى القصيرة المليئة بالمثبطات والهموم ، لا بد أن ينتهى به الرأى الى ان هذا الشاعر ، بقدرته على مغالبة الهموم والمتاعب والأمراض ، قد كان ظاهرة فريدة من ظواهر العبقرية الذاتية التى فرضت نفسها فرضا على الدنيا الادبية العربية العريضة فى جميع أمصارها .

- فكل عمره لم يزد على خمس وعشرين سنة .

- وكل حظه من التعليم حظ محلى متواضع ، فلا درس دراس دراسات عليا ولا تخصصص فى جامعات أوربا ولا حتى فى الجامعات العربية .

- لم يعرف لغة أجنبية يطل منها على التراث الشعرى والفكرى للغرب ، ولا غادر تونس لا الى الشرق ولا الى الغرب .

- وتوفى أبوه وهو فى العشرين من عمره ، مخلفا له اعباء اسرة كبيرة .

- ولم يشتغل بأية وظيفة ولا التحق بأي عمل ، ولا زاول حتى المحاماة التى ظفر بشهادتها ، وكان عماده على ايراد متواضع من ميراث أبيه .

- وكان تعسا فى حياته الزوجية .

- وكانت بلاده ترزح تحت وطأة النير الاجنبى .

- وبدأت متاعب تضخم القلب تقض مضجعه وهو فى الثانية والعشرين من عمره وأجهزت عليه بعد ثلاث سنوات .

- والى أن مات لم ينشر ديوان شعره ، وكان مزمعا ارسال مخطوطة الديوان الى الدكتور أحمد زكى أبى شادى راعي أبولو لنشره فى مصر ، ولكن وفاة الشاعر حلت في صباح نفس اليوم الذى كان يعتزم فيه ارسال الديوان .

- وبعد وفاته ودفنه فى احتفال بسيط فى مداينة توزر فى الجنوب الغربى لتونس ، أبت أسرته أن تسمح بنشر شعره أو مخطوطاته الاخرى . ولم يظهر ديوانه مطبوعا للمرة الاولى الا بعد وفاته بواحد وعشرين عاما ، فتأخرت بالتالي عناية الدارسين بالشاب طوال هذه السنوات .

ولكن ، اذا كان لكل عبقرية موعد مع الحظ ، فقد كانت عبقرية الشابىم الشعرية التى تفجرت وهو فى الرابعة عشرة من عمره ، تواعد الحظ ، ولكن فى آخر العمر .

فقبل وفاة الشاب بسنة واحدة لا غير ، كان يقلب عدد شهر مارس 1933 من مجلة أبولو الشعرية ، فوقع فيه على مقال للشاعر مختار الوكيل ينتقد فيه كتابا للشابى عنوانه (( الخيال الشعرى عند العرب )) ويخالفه فى بعض ما ذهب اليه من آراء . فتناول الشابى قلمه ، وحبر ردا مطولا على الشاعر                                          19                             595

الوكيل بعث به الى أبي شادى محرر ابولو لنشره فى المجلة ، وارفق به نموذجين من شعره ، مما قصيدتا (( صلوات فى هيكل الحب ))، و (( السعادة )) .

ولما فض أبو شادى بريده اليومي ، وجد بينه رسالة لا يعرف صاحبها التونسي ، فتلاها بروحه الحانية على الأدب والأدباء ، ولم يقرأ قصيدة الصلوات المرفقة بها حتى اهتز طربا وهو يردد ابياتها ويعاود ترديدها :

عدية انت كالطفـــــولــة ، كالأحــــلام         كاللحن ، كالصباح الجديد

كالسماء الضحوك ، كالليلة القمراء        كالورد ، كابتســــام الوليد

فبادر بنشر المقال والقصيدتين ، وأحدث النشر صداه الطيب لدى القراء جميعا الذين اكتشفوا فى الشابى شاعرا عبقريا لم يسبق لاحد أن سمع باسمه الا في بلاده ، وألفوا أنفسهم تلقاء شاعرية رومانسية خصيبة تعزف على كل الاوتار الجميلة الانغام ، وترسم كل الصور العارمة الجمال . وقال الابوليون : هذا شاعر منا ، يسير على مذهبنا ويأخذ بملتنا . ولم يلبث أبو شادي أن دعا الشابى للانضمام الى أبولو ، فرحب الشاعر بهذه العضوية ، وظل يوافى المجلة بقصائده التى نشرت منها ما جملته 18 مقطوعة . وانعقدت الصلات الشخصية بين الرائد أبى شادى والشاعر الشابى ، حتى ان أبا شادى رجا هذا الشاعر البازغ بأن يكتب له مقدمة لديوانه (( الينبوع ))، فى حين تعهد أبو شادى من جانبه بنشر ديوان(( أغاني الحياة )) للشابى بمقدمة من يراعه .

ولكن الموت كان للشاعر الشابى بالمرصاد ، فاختزل حياته فى التاسع من اكتوبر 1934 أى بعد عام وبعض عام من ذيوع شهرته فى العالم العربى من خلال أبولو وأبى شادى ، وظلت الدنيا العربية اكثر من عشرين عاما بعد ذلك وهي لا تعرف شعر الشابى الا القصائد الثمانية عشرة التى نشرها فى أبولو .

والحياة القصيرة الوهاجة للشاعر الشابى مليئة بالدروس التى نستخلص هنا بعضها :

وأول هذه الدروس أن الموهبة الحقة لا تدفن أبدا ، ولا بد من ان يأتى يوم تزاح عنها الاستار فتظهر للعيان مجلوة في أكمل روائها واتم بهائها .

ـــ  ودرس ثان نستقطره من هذه الظاهرة الشابية ، هو أن الحياة الادبية فى حاجة دائما الى آباء روحيين يرعون الناشئة ، تعتدل فى أمياديهم الموازين،

وتتوضح أمامهم القيم حتى يحكموا على الآثار الشعرية والنثرية لشدة الادباء حكما يؤجج المواهب ويحفز العبقريات . وقد عرفنا من هذه الطبقة العظيمة من الرعاة الحداة الحادبين الحانين أبا شادى وطه حسين والزيات وأحمد أمين وفؤاد صروف وسلامه موسى واسماعيل مظهر وألبير أديــــب وعادل الغضبان ، وبفضل هؤلاء ، تفتحت زهور ، ونضجت ثمار ، واشتدت أعواد ، وطاب جنى .

وإنا لنفتقد هذه الطبقة العظيمة من رعاة الادب وحداته فى دورياتنا الادبية ومنتدياتنا الفكرية ، مع الاسف الشديد . ولكن البذرة الخيرة التى زرعها الراعي الامين أحمد زكى أبو شادى فى جماعة أبولو ، قد توارثتها من بعدها جماعات أدبية سازت على نفس الدرب ، وتولاها رعاة أبرار من هذه الشاكلة عينها كابراهيم ناجي ومحمد ناجي ومصطفى عبد اللطيف السحرتى ثم أستاذنا الخفاجي الكبير وارث الهموم والتبعات فى رعاية شبيبة الادباء .

أما الدرس الثالث الذي يستقى من سيرة الشابى ، فهو أنه آمن إيمانـــــا شبه فطري تلقائى بوحدة أمته العربية فى زمن كانت كل أمة عربية مشغولة فيه بقضاياها الفردية . وقد تجلى ايمانه فى شعره الوطنى الذى لم يلبث أن أصبح لسانا لحال جميع الشعوب العربية المستضعفة ، كقوله :

لك الويـــل يا صرح المظالم من غد     اذا نهض المستضعفون ، وصمموا

اذا حطــم المستعبــــــــدون قيــــــودهم    وصبوا حميم السخط ايان تعلـــــم

اغرك ان الشعب مغض على قذى    وان الفضاء الرحب وسنان مظلم

الا إن احــلام البـــــــــــلاد دفينـــــــــة       تجمجم في اعماقها ما تجمجم

ولكن سيأتى بعــــــد لاى نشورهـــا       وينبثق اليـــــوم الـــذى يتـــــرنـــم

هو الحق يغفى ، ثم ينهض ساخطا      فيهد ما شــاد الظلام ويحطـم

ومن إيمان الشابى بوطنه العربى الكبير أنه لم يقصر شعره وأدبه على وطنه الصغير ، بل خرج به الى ديارات الضاد الرحيبة من خلال مجلة (( أبولو )) والصفوة الطالعة من شعرائها .                                        21                               597

ومن دروس حياة الشابى أنه حول الظروف المعاكسة المثبطة فى حياته الى مصدر إلهام ومبعث وحي ، حتى مرضه الذى أفسد عليه حياته وشبابه ، أحاله الى أغنية متفائلة فقال :

سأعيش رغم الداء والأعداء        كالنســــر فوق القمــــة الشمـــاء

أرنو إلى الشمس المضيئـة هازئا      بالسحب ، والأمطار ، والأنواء

وأسير فى دنيـــا المشاعر حالمــــــا      غردا ، وتلك سعادة الشعراء

أصغي لموسيقى الحياة ووحيها      وأذيب روح الكون فى إنشائى

وأصيخ للصوت الالهي الذي       يحيى بقلبي ميـــــت الاصـــــــداء

إن المعاول لا تهــــــــد منــــــــاكبى     والنــــار لا تأتــــي على أعضـــائي

فهل يقول هذا الشعر إلا رجل واثق بربه ، واثق بنفسه ، مستصغر ويلات الداء ، مستكبر على كل الأدواء ؟

وقد عرفت تونس لشاعرها العظيم أبى القاسم الشابى قدره ، فأنشات حول ضريحه روضة ومتحفا لآثاره ، ونشطت لنشر تراثه ، واحتفلت بذكرى وفاته الخمسين ، وحياه وزيرها الاول ووزير ثقافتها وكل أدباء تونس ، واعتبرته قيمة أدبية ثمينة تحرص عليها ، ومفخرة تراثية تصونها . وهذا درس آخر نتلقاه من الشابى بعد نصف قرن من وفاته ، وهو درس لم نتعلمه مع الأسف ، فى حين تقيم دول الغرب متاحف ومزارات لرواد الفكر فيها .

وإخالني مقصرا في حق الشابى أكبر تقصير إن لم أزج فى الختام كلمة شكر وعرفان واجلال الى العلامة التونسي الكبير أبى القاسم محمد كرو الذي كان له السبق في التوافر بمفرده على دراسة الشابى وتسجيل سيرته وتقصى آثاره وجمع الدراسات التى دونت عنه ، حتى صار المرجع الموثق لكل تاريخ الشابي ، وهو خليق منا بكل إجلال وإعظام .

اشترك في نشرتنا البريدية