رموز الانصهار الوجدانى بين الشاعر والمجلة :
لم تكن تباشير فجر يوم الثلاثاء 9 أكتوبر 1934 قد رسمت ملامحها بعد ... بل قد تكون تعمدت ذلك .. عندما انهار ( ابو القاسم الشابى تحت ضربات مرض فتاك لم يمكنه من تجاوز الخامسة والعشرين من عمره ... بعد اقل من شهرين صدر العدد الرابع ( المجلد الثالث ) من مجلة " أبولو " ( ديسمبر 1984 ) .. وبه كلمة للمشتركين جاء فيها بالخصوص : " نختم بهذا العدد ( ديسمبر 1984 ) المجلد الثالث من ( أبولو ) ، ومن أجل ذلك أصدرناه سابقا لزمنه وفى حجم جملة أعداد ، ولولا هذا لكان ختام المجلد في يونية الآتى بدل ديسمبر . وغرضنا من هذا الترتيب توفية حقوق المشتركين بختام سنة 1934 ، فاذا عادت المجلة إلى الصدور فى يناير سنة 1935 كان ذلك بداية مجلد جديد يستدعي تجديد الاشتراك . ونحن لا ندعو أحدا الى تجديد اشتراكه قبل صدور عدد يناير سنة 1985 ، إذا كان مقدرا لهذه المجلة استئناف صدورها . . (1) " ...
وبالصفحات الموالية بدأ المحرر كلمته بقوله : " ربما ختمنا بهذا العدد الممتاز المجلد الثالث من هذه المجلة كما نختم بختام هذه السنة جميع جهودنا العامة الى غير عودة (2) " ... ويضيف : " تزدحم الذكريات المشجية أمامنا :
فمن أسف عميق لفقدان مصر بل العروبة شيخها العلامة الجليل أحمد زكى باشا ( وحفاوته بالشعر العربى لم تكن بالهينة ) ، ومن حسرة على خسارتنا الفادحة يفقد شاعرى الشباب محمد ابي الفتح البشبيشي المصرى وأبى القاسم الشابى التونسى " .
وكما سقط الشابى سقطت أبولو تحت استبداد قدر محتوم " ... لم يكن لنا مفر من القرار الذي انتهينا اليه ، وأكبر عزاء لنا ان الجهود التى بذلناها فى هذه السنين الطويلة - سواء فى انجلترا أو فى مصر - بعيدة الأثر الاصلاحى ... " (3) .
كانت الصدفة غريبة .. والرمز ذا دلالة عميقة .. ويورد الخيال صورة "لأبولو" وهى تموت حسرة على الشابى :
إلى الموت ! يا ابن الحياة التعييس ، ففي الموت صوت الحياة الرخيم
إلى الموت ! ان عذبتك الدهور ، ففي الموت قلب الدهور الرحيم
إلى الموت ! فالموت روح جميل ، يرفرف من فوق تلك الغيوم
فروحا بفجر الخلود البهيج ، وما حوله من بنات النجوم (4)
هكذا يشاء القدر أن تكون حياة العباقرة وموتها مشحونة بالصدف الغريبة والرموز .. تتقاذفها الاسرار .. والدلالات المثيرة ...
وتكمن أهمية هذه الصدفة العجيبة . في عمق الارتباط الوجدانى بين الشابى ومجلة " أبولو " فرغم أن الشابى لم ينشر انتاجه بهذه المجله الا ابتداء من شهر أفريل 1933 . . ورغم أن قصائده المنشورة بها لا تتجاوز بضع مقطوعات شعرية ، فان التاريخ يؤكد أن هذه المجلة هي التى صنعت محد الشاعر وشهرته ... وبالمقابل هو الذي دعم مسارها وأثبته ... كانت العلاقة جدلية ... وعلى غاية من الانصهار الوجدانى . . فكما خلدت مجلة " أبولو " الشابى .. فان شاعر الحياة قد ساهم فى صنع خلود المجلة أيضا .

