انه لشرف عظيم أن يلتئم هذا الجمع الكبير (*) من رجال الفكر وأهل الذكر فى ندوة علمية تنعقد بمناسبة الاحتفال بخمسينية الشاعر أبى القاسم الشابى ، وانى أتقدم اليكم جميعا بجزيل الشكر والامتنان على ما تجشمتموه من مشاق السفر وعناء البحث
. وان تونس لتعتز بوجودكم هنا فى هذه الذكرى وتقدر ما تساهمون به من جديد محدث فى سبيل التقدم بدراسة أعمال الشابى الشعرية والنثرية. وما هذه الندوة العلمية الا حلقة أخرى واضافة جادة لاستجلاء الغوامض واستيفاء النظر على حسب أحدث النظريات وأدقها .
وان للشابى دينا علينا فى هذا المقام ، اذ تحدى بشعره الزمن وبقيت أبياته خالدة فى ذاكرة الشعوب العربية مائلة فى اذهان المثقفين راسخة بنسقها الشعرى الايقاعى فى أجيال الشباب رغم أن الدارسين والباحثين لم يستجلوا الاسباب الموضوعية لهذه الظاهرة بل رأي بعضهم أن تخطى الزمن من صنع عوامل غير موضوعية مبالغ فيها فى كثير من الاحيان .
ولد الشابي بتوزر ولكنه لم ينشأ ولم يترعرع فيها فقد لازم أسيرته فى تنقلها طيلة عشرين سنة ، فاذا عرفنا أن الاسرة بمعناها الاساسي أو التأسيسى تفيد الأب أولا فهذا يعنى أن الشابى لزم والده مدة طويلة وهو الذي تخرج من الزيتونة وعرف حلقات الازهر وكان له تأثير كبير على ولده. فما هو انعكاس هذه العشرة الطويلة فى نفس الشاعر وفي أدبه مع غياب
الأم ؟ وهل لهذا الغياب من حضور ؟ وهى عوامل لا بد من استجلائها والغوص فى مستسراتها .
ثم ان الشابى عرف من خلال تنقله عبر المناطق التونسية مختلف المشاهد الطبيعية والتأثيرات المناخية فمن واحات فابس بالجنوب الى بساتين رأس الجبل ، إلى غابات عين دراهم بالشمال الى بسائط مجاز الباب بالوسط الى جبال زغوان ، الى تالة وثلوجها فهل لهذه المشاهد من وقع فى منطلقات الشابى المزاجية . وهو ما لم يعرفه أديب أو شاعر تونسي من قبل فى تلك الظروف التى يصعب فيها التنقل بله التحول الى العيش من منطقة الى اخرى.
ان ما يمكن ابرازه هو أن للشابى طاقة هائلة لاستيعاب ما حوله فلا شك أن لهذه الظروف التى عايشها قدرا كبيرا فى بلورة احساسه بشعبه . فالشعب لا يتمثل في معاني الجهة أو مسقط الرأس عنده فحسب بل هو مفهوم جديد تفاعل معه ومع ما يتضمنه بحكم ذلك الحضور بالتحامه بالناس والاحتكاك بهم والنفاذ الى ما يقاسونه فى ذلك الوقت من عنت الاستعمار والجهل . عرف الشابى كل هذا فاذا الشعب وحده مفهوم جديد لديه وهذا ربما كان السر فى وطنيته في زمن بدأت الحركة السياسية والاجتماعية تتبلور بصورة واضحة وتظهر يظهور حركة سياسية جديدة يقودها الحبيب بورفيبة وحركة نقابية وطنية مقتولة في المهد يتزعمها محمد على الحامي فلا غرو اذن أن يكون الشابى خلاصة هذا كله لاحساسه العميق به ووعيه الحاد برسالة الشاعر الى حد مشارفة النبوة .
وان ما تفهمه من تأرجح شعره بين اليأس والامل والاستسلام والثورة والإيمان بشعبه والكفر به ! انما هو المرآة لهذه الفترة العصبة فى تاريخ تونس المتأرجحة بين التشبث بالقديم والانطلاق الى فسحة الجديد ، بين الشعور بوطأة الاستعمار والوعى بالقدرة على مجابهته وازالته
ففي تلك الفترة ظهرت حركة الحزب الجديد فكانت تجديدا للفكر السياسى بعدما ران على النخبة المفكرة من استسلام لاحداث جسام مثل انعقاد المؤتمر الافخارستي فى تونس والاحتمال بمرور خمسين سنة على انتصاب الحماية .
وعلى المستوى الاجتماعى ظهرت في تلك الفترة حركة النقابات الوطنية وقد انشئت لابراز الذاتية التونسية الذائبة فى النقابات الاخرى المختلطة والمهيمن عليها العنصر الفرنسي . ولقد تأثر الشابي عميق التأثر لما حل بمحمد
على الحامي زعيم النقابات الوطنية وما تضافرت عليه من قوى شريرة لاحباط حركته وكذلك ناصر الطاهر الحداد وتعاطف معه فى معركته حول المرأة و ما لاقاه من عنت أودى بحياته ولعل فى مساندة الشابى لقضية المرأة وظهورها فى شعره فى مظهر خاص ونقده الشديد لصورتها فى الادب العربى ما يدعو الى الغوص بصورة موضوعية مرتبطة بهذه الاحداث فى الاسباب والدوافع الدفينة .
اما الحركة الفكرية التونسية فى تلك الفترة فلقد كان يطغي عليها طابع التجديد والتحديث فما هو مدى تجذر الشابي في ذلك المناخ ومدى مساهمته ؟ أم هل كان الشابى نسيج وحده فى شعره طلع به على الناس من من منطلقات يتحتم استكشافها ؟
اننا وان كنا لا ننكر تجذر الشابى فى المناخ الفكرى لتلك الفترة وهو ما عبرنا عنه فيما سبق فنحن نرى أن للخلاصة الذهنية والنفسانية التى جعلت الشابى يقول ذلك الشعر ابعادا اخرى لا بد من درسها . وليس لي في هذا المقام ان اكرر ما اطنب فيه الباحثون والدارسون فى هذه السنوات مع أن الميدان ما زال يستدعي التقصى والنظر.
ولكننى احبذ فى هذا الجمع الكريم ان أساهم ببعض الآراء اثراء لدراسة سر خلود شعر الشابى مستندا الى نظرية كنت صدعت بها وسميتها : " التطعيم الايقاعى فى الفصحى " وهى مجال الآن للبحث من قبل فريق من الباحثين تونسيين وأجانب في " بيت الحكمة " وهو استقصاء علمي بحيث يعتمد المخبر والمنهجية العلمية نرجو أن نخلص من النظر فيه عن قريب .
وإنى ازعم ان هذا الاتجاه في دراسة شعر الشابي هو الذي سيجيب عن بعض الاسئلة فى سر خلوده لان دراسة الابقاع فى الشعر خاصة هو أغنى مكسبا اذ أن هذا المفهوم لا يزال غامضا تحف به التباسات عديدة وما بالكم بفكرة التطعيم الايقاعى ؟
وليس التطعيم هنا مجرد الاحتكام الى خلايا دخيلة نحاول زجها فى الخلية الاولى ( الخلية المتقبلة ) كما هو معروف في ميدان الجراحة ( مثلا عبارة : تطعيم القرنية ) فالتطعيم الذي نعنيه ليس تركيبا وتأليفا فقط ولكنه تعبير كذلك ولا نريد فى هذا المقام الخوض فى معانى " التعبير " ولكننا نوجز ما
نقصده فنقول : التطعيم الايقاعى تعبير جاء مؤلفا بما فى هذه الكلمات من دقة . وهو اذن مواصفة تريد لنفسها الشمول ولا يمتاز " الناتج Iu ont " عن " المعطي In put " الا بما استوعبه فاغناه . ولنا فى علم الكيمياء ما يكفينا مؤونة التطويل.
ولا بد أن نسأل بعد هذا : وما الايقاع ؟ هو كمية موزونة وقيمة معنوية فى ان واحد . هو الوزن ووقعه . نحدد الوزن ونقارب الوقع . لذلك تتماثل الوحدات الصوتية فى التطعيم الايقاعي بالقدر الذي تتغاير فيه قيمها المعنوية . وعلى هذا الصعيد لا بد لنا أن نعلم بالنسبة الى الشابى مثلا مدى وقع اللهجة التونسية على الفصحى التى تعلمها ومدى تفاعل النظامين اللغويين وما أفرزه هذا التفاعل " كلسان " خاص بالشابى ؟
أما العوامل الأخرى والتي يتركب منها التطعيم فليس من سبيل الى دراستها الا بحصرها أولا كان نعلم بالضبط بالنسبة الى الشابى دائما مدى وقع صورة أبيه / أمه على قدراته التخيلية الخ .. . ومدى وقع العالم الخارجى بخلجاته وسكناته على تكيف مزاجه الخ ... ثم دراستها ثانيا عاملا فعاملا مع التطلع الى امكان تقاطعها ... فدراسته على غرار دراسة التقاطع اللغوي ، ولا مناص لنا في كل الحالات من بنك للمعلومات يخص الشابى فى حياته تضاف الى ما يمكن استشفافه من كتاباته . ونحن بهذا البرنامج لا نخرج عما ترسيمه فرضية التطعيم ( الايقاعى ) من أبعاد ومنهجية ولا إخالكم تشكون لحظة فى أهمية هذا العمل ولكن ما ينتظر الباحثين من جهد فى هذا الاطار هو على قدر هذه الاهمية دقة وخطورة .
ولعلنا نجد في المقطوعة بعنوان " التاريخ " المثال البسيط لما نذهب اليه فى تأويل التطعيم الايقاعى على الصعيد اللغوي . ( تجدون رفقة هذه الكلمة محاولة أولية فى تطبيق نظرية التطعيم الايقاعى على شعر الشابى قام بها الاستاذان عبد الرحمان أيوب وصالح الكشو وهما من ضمن الفريق الذى سيدرس هذه الظاهرة فى بيت الحكمة ) .
وليس القصد الاسهاب فى طرح هذه النظرية وهي ما تزال فى خطواتها الاولى بل اقتصرت على تقديمها كمثال وكقاعدة للتعمق واتجاه جديد فى دراسة الشابى . وفي هذا التقديم على قصره ما يثبت تجذر الشابى فى محيطه التونسي بخصوصياته اللغوية وايقاعاته التعبيرية
وليس محيطنا التونسي بمعزل عن محيطنا العربى الكبير ووطننا الرحب ، بل اننا من هذا المنظور نثبت أن للادب العالمي منبته الحي وأرضيته الثابتة ولو لم يكن كذلك لكان كلامنا عن الأدب العربى الكامل والأدب العالمي كلاما غيبيا وليس من الصعب بعد ذلك أن نتحدث عن الجوانب الشمولية فى شعر الشابي وخلود هذا الشعر وكيف تجاوز ادود المحلية بهذا المفهوم نحو الاجواء الواسعة للادب الانسانى . ولكنا نؤكد أن هذا التحليق ما كان له أن يتحقق لو لم يتم من المنطلقات التى أشرنا اليها . واننا واثقون بأن اسهامكم جميعا سيكون حافزا لنا فى المضى قدما فى هذا البحث وعاملا من عوامل اثرائه. مرة أخرى أجدد الشكر لكم جميعا لتفضلكم بحضور هذه الندوة وأتمني لك النجاح .
ملحق
المقترح قراءة هذه المقطوعة كما هى منشورة باللغة الفصحى وعلى سبيل التجربة قراءتها فيما بعد باللهجة التونسية :
للتاريخ
البؤس لابن الشعب يأكل قلبه والمجد والأثراء للأغراب
والشعب معصوب الجفون ، مقسم كالشاة ، بين الذئب والقصاب
والحق مقطوع اللسان مكبل والظلم يمرح مذهب الجلباب
هذا قليل من حياة مرة في دولة الأنصاب والألقاب
20 شوال 16/1351 أفريل 1933
للتاريخ
البؤس لابن الشعب ياكل قلبه والمجد والاثراء للأغراب
والشعب معصوب الجفون مقسم كالشاة ، بين الذئب والقصاب
والحق مقطوع اللسان مكبل والظلم يمرح مذهب الجلباب
هذا قليل من حياة مره في دولة الأنصاب والألقاب
20 شوال 16/1351 أفريل 1933
والقارئ يدرك من خلال هاتين القراءتين بعض سمات التطعيم الايقاعى الذي أحدث فى ممارسة كتابة هذه المقطوعة :
1 - فعلى الصعيد الايقاعى ، صيغت هذه المقطوعة بناء على ايقاع تونسي يمكن وزنه من ناحية الكم بحسب الاسباب والاوتاد والفواصل المعهودة فى الشعر الشعبى التونسى ( الملحون ) .
2 - ومن حيث التركيب النحوى : فالدارج بين التراكيب الفصيحة ان القول يأكل البؤس قلب ابن الشعب أو كذلك بتأخير الفعل البؤس يأكل ، بيد ان صدر البيت أتى كالآتي : البؤس لابن الشعب يأكل قلبه . فهل ما حدث هو مجرد تحويل نحوى داخل الفصحى ؟ أم هو مجرد ضرورة شعرية ؟ انه اكثر من ذلك ، هو نتاج احتكاك مستويين لسانيين من حيث التركيب النحوى والبلاغى وكذلك وبالخصوص الذهنى ؟
3 - أما من حيث تفاعل الالفاظ بين بعضها البعض ضمن تركيب واحد فاننا نشير هنا الى ما يطلق عليه فى علم الالسنة الحديث الانتخاب اللفظي المقيد فمن غير الشائع فى الفصحى أن يرد لفظ البؤس في جملة مثل هذه : " أكل البؤس قلبه ، اذ عادة ما تستوجب الفعل " أكل " فاعلا " ماديا " ولو عوض البؤس باحد مرادفيه " كالفقر والخصاصة ... " لخفت الجملة على اللسان فالاشكال الاساسى يتمثل فى فعل " أكل " الشائع الاستعمال فى مثل هذه التراكيب فى اللهجة التونسية فنقول : البؤس ( كلا له + كلآله ) ( قلبه + قلبه ) ونستنتج مما سبق أن تلاقح اللغتين أدى الى هذا النوع من التوليد اللغوي التركيبى وهو توليد لا يخلو من جمال.
وليس . القصد هنا الاسهاب فى طرح هذه النظرية بل اقتصرنا على تقديمها لنحث الهمم على التفكير فيها وتبادل الرأى حولها فحتى يكون العمل علميا وجادا ينبغى أن تطرح عينات كثيرة لاختبار طبيعتها بالطرق المخبرية الحديثة .
ومهما كان الامر ففي هذه اللمحة العاجلة ما يثبت تجذر الشابى في محيطه التونسى بخصوصياته اللغوية .
ومن هذه الزاوية تصبح كتابات الشابى الشعرية بالخصوص مجالا لصنف جديد من الدراسات التى ستثرى دون شك ميدان النقد الادبى العربى .

