الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

الشابي و الــــــرثاء ، ( من خلال قصيدة لم تنشر )

Share

لا أنظم الشعر أرجو     بـــــه رضاء الأمير

بمدحة أو رثاء            تهدى لرب السرير

حسبى إذا قلت شعرا    ان يرتضيه ضميري

هذه الأبيات من قصيدة (( شعرى )) ( 1 ) التى أعلن فيها الشابى مذهبه الادبى والسياسى وهو ما زال مراهفا فى السادسة عشرة من عمره ؛ فكانت بمثابة العهد الذى قطعه على نفسه والميثاق الذى ربط بينه وبين شعبه من جهة وبينه وبين الشعر من جهة أخرى ؛ عهد منه بأن لا يقول شعرا فى أى من الاغراض التافهة والمناسبات العابرة .. وخاصة فى المديح والرثاء وعلى الاخص أن يكون ذلك فى أمير أو صاحب تاج ..

ويحدد الشابى ، فى القصيدة نفسها مجالات شعره الكبرى ، وآفاقه التى لا يحلق فى سواها قائلا :

ما الشعر الا فضاء          يرف فيه مقالي

فيما يسر بلادي            وما يسر المعالي

وما يثير شعورى           من خافقات خيالي

وقد دلنا الاستقراء لكل ما يشر من شعر الشابى أنه كان مخلصا فى عهده وفيا لقداسة الشعر .. فلم يرث ولم يمدح احدا ، ولم يقل شعرا فى اى من

الموضوعات الخصوصية أو العابرة .. الا نادرا جدا ( 2 ) . وكل ما عرفناه حتى الآن لا يتجاوز :

1 - قصيدة قالها فى رثاء والده بتاريخ 29/10/1 اثر وفاته بأيام قليلة ، وهى تختلف بمضمونها وخصائصها عما ألفناه فى هذا الباب من الشعر العربى ، قديمة وحديثه على السواء ( 3 ) :

يا موت ! قد مزقت صدري     وقصمت بالارزاء ظهري

ورميتني من حالق                وسخرت مني أي سخر

... وفجعتني فيمن أحب        ومن أليه أبث سري

وقد نشر هذه القصيدة فى مطلع سنة 1930 فأثارت حفيظة دعاة القديم ، وفى طليعتهم صاحب جريدة (( النديم )) ( 4 ) .

2 - مقطوعة بعنوان (( الاعتراف )) ( 5 ) وهى أبيات ثمانية نشرها لاول مرة فى مجلة (( أبوللو )) المصرية ( 6 ) وفيها يعترف بانه قد تخلى عن احزانه على أبيه واندفع ( كالطفل ) يلهو بافراح الحياة ، لان الانسان (( عبد الحياة الصادق الايمان )) .

وهو فى هذه القصيدة كما فى قصيدته الاولى يتحدث عن نفسه واشجانه ومشاغله اكثر مما يتحدث عن أبيه .

3 - وتوجد فى ديوانه قصيدة ثالثة بعنوان (( رثاء فجر )) ( 7 ) مؤرخة بـــــ  14 - 9 - 31، أى سنتين بعد تاريخ القصيدة الاولى ، وقبل سنة ونصف من القصيدة الثانية .

غير ان الشابى فى ( رثائه لفجره ) لم يحدد لنا ما يعنيه بالفجر ؟ أهو رمز لانسان عزيز عليه ، حسب الى قلبه ، قضى عليه الموت وحرمه منه ومن سعادته به .. كما فعل معه من قبل بموت أبيه ؟ أم هو خيال مجتح وحلم خاص من أحلام سعادته بالطبيعة .. واندماجه الرومنطيقى فى مظاهرها المختلفة ؟!

إن آخر بيت فى هذه القصيدة قد يخرج بها عن هذا السياق .. ليضيفها الى مجموعة أخرى من قصائده التى يتحدث فيها جميعا عن (( حب مات وليدا )) ولم يبق منه الا (( الذكرى )) و (( أغنية الاحزان )) يرددها فى شعره الآخر وفى يومياته .. وكل هذا سر من أسرار الشابى يتيه فى سرابه المجتهدون والنقاد ولا يهتدون .

4 - هناك ايضا قصيدة أخرى ، ليست من الرثاء ، ولكنه قالها سنة 30 أيام زفافه بتوزر ، وقد حمله على قولها تقاليد العائلة وظروف المناسبة . ؛ حيث بعث اليه أحد شيوخ العائلة الشابية ( الشيخ عامر الشابى ) بقصيدة تهنئة يوم عرسه .. فتأثر بها الشاعر واختلى عن رفاقه ساعة ليجيب عن التهنئة الشعرية بقصيدة مماثلة ( رفعا للحرج واحتراما لمكانة الشيخ عامر ) . وقد أضيفت هذه القصيدة الى ديوانه ( 8 ) . وهى على كل حال ، يمكن اعتبارها من شعر المناسبات والضرورات التى لا مفر منها .

هذا .. كل ما عرفناه وعرفه الباحثون اللاحقون - وما أكثرهم - من شعر المناسبات الخاصة - ان صح التعبير - عند الشابى .

غير أن الصديق العزيز الاستاذ الاديب محمد النخلى - شفاه الله ، ومتعه بالصحة وطول العمر - أطلعنى منذ سنوات خلت على قصيدة للشابى ، وبخطه ، قالها فى رثاء الشيخ العلامة محمد النخلى .. وقد تفضل الصديق فأهدانى هذه القصيدة فى نسختها الاصلية ، وهى - فيما أعلم - غير منشورة ، لا فى ديوانه ولا فى أى مكان آخر .

ويبدو من ديباجة القصيدة أن الشابى بعث بها كرسالة تعزية لاحد أقرباء الشيخ الفقيد ، ويدعى (( قاسم النخلى )) .

والقصيدة لا تحمل تاريخا لها أو لديباجتها . غير اننا بالرجوع الى المصادر التر ترجمت للشيخ النخلى نتأكد من انه قد توفى فى شهر رجب 1342 / فيفرى 1924 .

والشيخ النخلى كان من كبار علماء الزيتونة المستنيرين .. وعلى يديه تخرجت أجيال من الطلبة .. وكان من دعاة الاصلاح السلفى ، والتخصص من بعض العلوم الانسانية كالتاريخ والجغرافيا .

والى ذلك كله كانت له مكانة اجتماعية كبيرة وخاصة لدى طلبة ( الآفاق ) ، وهو ما تؤكده كثرة القصائد التى قالها هؤلاء الطلبة الوافدون من ( الآفاق ) فى مديح الشيخ النخلى وفى رثائه ( 9 ) .

وتحت هذا التأثير الطلابى العام ، وبدافع المكانة العلمية الخاصة للشيخ النخلى عند طلبة ( الآفاق ) ... انساق الشابى مع التيار ونظم قصيدته .. وبعث بها لأهل الفقيد ..

والقصيدة ، فى حد ذاتها ، لا تساوى شيئا من قصائد الشابى الاخرى المعروفة لدى القراء .. كما انها لا تضيف للشابى من الناحية الشعرية أية اضافة . ولكنها مع ذلك وثيقة هامة من حيث دلالتها على :

1 - موقف الشابى من شيوخ الزيتونة الاكثر مكانة ودعوة للاصلاح . 2 - تأثر الشابى بمناخ الطلبة العام ، وما كانوا يشعرون به من ضيم  وغبن ، وازدراء أحيانا من طرف ( المشائخ البلدية ) وعكس ذلك تماما من   ( الشيوخ الوافدين من الداخل ) كالشيخ النخلى ( 10 ) .

3 - اتجاهات الشابى الشعرية المبكرة ، وهى لا تكاد تختلف فى شئ عن اتجاهات غيره من شعره تونس فى عصره ، اذ ان القصيدة تأتى مماثة لما جاءت به القصائد الاخرى ، بل لعلها الاضعف ؛ والسبب هنا واضح جدا ... فالشابى عندما كتبها وراسل بها أهل الفقيد - لم يتجاوز الخامسة عشرة من

عمره .. وأكبر الظن انه لم يكن من تلامذة الشيخ .. وانما كتبها أنسياقا مع   التيار العاطفى ( الآفاقى ) لطلبة الزيتونة نحو شيخهم ( الآفاقى )  الكبير .

4 - تمثل القصيدة احدى تجارب الشابى ومحاولاته الاولى فى نظم الشعر .. فهو يتدرب بها على طرق المواضيع الشعرية التقليدية ، ويحاكى الآخرين ، كشأن الناشئين دائما . ومن هنا لا يمكن ، بأية حال ، عدها من تراثه أو ضمها الى ديوانه .

والذين أضافوا للديوان القصائد والمقطوعات التى كان الشاعر نفسه قد استبعدها .. لم يحسنوا صنعا ، ولم يحترموا موقف الشاعر الاساسى من شعره .. فهو قد أعد ديوانه بنسق معين واختيار محدد .. فتجاوز ذلك لا يكون باضافة ما حذفه من اشعاره الى الديوان ، وانما تضاف إلى الدراسات والنشريات حول الديوان .

فهذه القصيدة - مثلا - تعتبر ، من حيث تاريخها ، ثانى قصيد لما فى مجموعة الديوان ( ط 1966 ) ، وهى لا تكاد تختلف فى نسيجها مع قصيدته الاولى (( الغزال الفاتن )) التى يبدو أن الشابى نفسه لم يكن راضيا عنها ولا اختارها لديوانه ؛ بدليل أنها غير مثبتة فى الطبعة الاولى - ( القاهرة 1955 ) - وهى الطبعة الموافقة - فيما نعتقده - لاختيارات الشاعر ، أو الاقرب الى رغبته ، لكن طبعات الديوان الموالية ( وخاصة من 1970 ) قد كثر فيها ( الاجتهاد ) غير المصيب ، وحشرت فيها قصائد ومقطوعات عديدة ، منها قصيدة ( الغزال الفاتن ) .

وقبل ن نترك القراء مع رثاء الشابى للشيخ النخلى الذى عنونه بــــ (( دمعة أرسلتها عين الضمير )) !؟ نرجو ألا يجتر ( المجتهدون )  و ( الصيادون ) هذه القصيدة ويضيفوها الى ديوان الشابى ، باعتبارها (( اكتشافا )) من اكتشافاتهم الفريدة .

هذا وقد أبقينا النص على حاله كما جاء بخط الشاعر باعتباره تجربة ومحاولة .. وليس أكثر من ذلك .

اشترك في نشرتنا البريدية