تعريف : الشاشية عمرة ) بفتح العين ( تونسية عريقة أصيلة تمتاز بشكلها المستدير النصف كروى ( وبلونها الاحمر القرمزى الجميل وهى تزرد بالابر وتعالج بمهارة صناعية رائعة . جمع شاشية شواشى ، وصانعها الشواشي
اسمها :
لم نعثر على كلمة شاشية في المعاجم العربية غير اننا نرى انها ) كلمة ( تحتوى على اسم غطاء آخر للراس اعنى ) الشاش ( فما هو الشاش ؛ قال الخفاجى: الشاشي معروف يلف على الرأس وبعد اللف يسمى عمامة وهو مولد منقول من اللغة الهندية وقال الشاعر
اهديت لي منك شاشا لا ازال ارى
به لك المنة العظمي على رأسى ( ٢ )
وشاش اسم بلدة فى تركستان متاخمة لبلاد الترك ونسب اليها أعلام منهم ) ابو بكر بن محمد بن على القفال الشاشى ت 366 ه ( .
والشاش كغطاء للرأس معروف بالمغرب العربى وما زال يعرف باسمه ويستعمل فى بعض الجهات
ان الشاشية والشاش يجمع بينهما الاستعمال المشترك اعنى ) تغطية الراس ( يعد كل منهما ) عمرة ( والأحرف الاصلية فيهما واحدة ) ش اش (
ونسبة الشاشية الى بلدة شاش مستبعدة لعدم استعمالها فى تلك الديار انما الاحتمال الاقرب يكون أول من تولى صناعتها ينتسب اصلا الى بلدة ) شاش ( فهو شاشى وبزيادة تاء الثانيث قلنا شاشية كما نسبنا الى قرية ) شاذلة ( الشاذلى وفى التانيث قلنا ) الشاذلية ( ) 2 ( والى بلدة الناصرة قلنا الناصرى والناصرية وفي الذى اسمه الساسى ساسية .
ويحتمل ايضا ان يكون اول من صنع الشاشية اشتهر بصناعة ) الشاش ( فنسبت اليه وصنع الشاش اختصت به بعض الجهات عندنا وان فى الاصل كان يستورد مثل طيلسان كشمير وطيلسان جربة ومما يذكر هنا انه لدى سكان تطوان بالمغرب قبعة من سعف النخيل يعلوها نسيج من الحرير أحمر أو أخضر ويسمونها : شاش ) بتضعيف الياء ( ) .
اسماء الشاشية :
أثناء مراحل صناعتها تدعى ) الكبوس ( ربما لانها توضع بالمكبس الذي يسمى عند اهل الصناعة ) العمارة ( وهى آلة خشبية . وكلمة عمارة عربية وتطلق على غطاء الراس ، ودخلت كلمة كبوس( للغة الشعبية التونسية وذلك لان الشاشية تكبس الراس
ومثلما سميت الشاشية فى الوسط الشعبى التونسي ) كبوسا ( سميت بمصر وجل بلدان المشرق ) الطربوش المغربي ( بينما اهل العراق اصطلحوا على تسميتها فى العهود المتأخرة ) الفاسية ( نسبة الى مدينة فاس المغربية ولاتصالهم بالاتراك الذين ينطقون كلمة فاس ) فيس ( صاروا يسمونها ) فيس او فس ( واذا قالوا ) فيس رنكي ( فالمعنى شاشية حمراء لون الطربوش ) 4 ( واهل ليبيا يسمونها ( الطاقية التونسية (
تاريخ الشاشية :
ظهرت الشاشية في المجتمع العربي كعمرة حضارية منذ القرن الثاني الهجرى و الثامن الميلادي ( وتثبت لنا النصوص التاريخية العديدة ) انها عرفت فى المشرق والمغرب العربيين ثم انتشرت بين الاتراك واليونان والكثير من ممالك الدولة العثمانية
واهتم بها الخلفاء والامراء والوزراء والكتاب فى بغداد ومصر وغيرهما وانتشارها بتونس كان اعم واشمل اذ كانت زيا شعبيا عاما ، وهذه الظاهرة نجدها في النصوص التاريخية وتبرزها ايضا العادات والتقاليد والتعابير الشعبية ، مما يدل على عمق وجودها بتونس وتواصل امتدادها التاريخي ان اقدم نص تاريخي ذكر الشاشية - حسبما وصلت اليه يرجع للنصف الاول من القرن الثاني الهجرى ، اذ ورد : ان ابا جعفر المنصور ثانى خلفاء بني العباس ) 136-158 ه ( " لما عزم على تقليد الربيع بن يونس ابن ابي فروة العرض عليه قال له : اجلس فى بيتك حتى ياتيك رسول ؛ فاغتم لذلك ، فصار اليه الرسول بدراعة وطيلسان وشاشية ، فقال له : البس هذا ، واركب بهذا الزى " ) 5 ( .
ووجه الفيض بن ابي صالح وزير المهدى العباسي ) 158-169 ه ( الى احمد بن الجنيد : مائة تخت وفي كل تخت قميص وسراويل ومبطنة وطيلسان وعمامة او شاشية ) 6 ( .
من هذا نفهم ان الشاشية فى الحكم العباسي اتخذت زيا وزاريا يدخل فيه الوزير على الخليفة ثم تزيي بها كبار كتاب الدولة وأول من لبسها منهم الكاتب عيسى بن يزدانيروذ وكان سبب ذلك انه احتاج الى لبس القباء والسيف من اجل ما تقلده من نفقات الخاصة فلبس شاشية ) 7 (
ولما أولى الرشيد الكاتب عمر بن مهران - كاتب الخيزران - أم الرشيد على مصر خرج اليها مع غلمانه ومعه خرج على بغل فيه قميص ومبطنة
وطيلسان وشاشية ومفرش صغير ، وعندما اراد الدخول الى دار الامارة لبس ثيابه ووضع الشاشية على راسه ) 8 ( .
وتواصل هذا التقليد مع موظفي الدولة العباسية ونجده فى مدة المتوكل 232- 247 اذ ورد انه امر ابا الحسن احمد بن محمد بن المدبر بمصادرة اموال على بن عيسى بن يزداد فلما دخل داره وجد بها . مائة جبة سعيدية قيمة كل ثوب منها من 200 دينار الى 120 دينارا الى 50 دينارا وجميعها موبر بجميع الوبر ، وتحت كل جبة منها قميص وفوقها مبطنة وعمامة وشاشية فما رئى مثل اجتماعها وحسنها ) 9 (
وتجاوزت الشاشية الوزراء والكتاب الى فتيان الفرسان ونفهم هذا مما ورد بان البانوقة بنت الخليفة المهدى العباسى كانت تقلد الفتيان فخرجت يوما فى موكب حافل وعليها قباء اسود ومنطقة وشاشية وهي تتقلد سيفها ( 10 ( .
فمما أوردناه نلاحظ :
1 ظهور الشاشية منذ اول القرن الثاني الهجرى . 2 ( كانت جزءا من زى الوزراء والكتاب وفتيان الفرسان فى العهد العباسى 3 ) كانت تلبس مع الدراعه والقباء او الجبة او المبطنة
وإذا كنا لم نعثر على نص تاريخي صريح يثبت لنا وجود الشاشية بتونس في الظرف الذي وجدت به فى بغداد فاننا نثبت ذلك من خلال ما ورد على لسان صاحب مظالم القيروان واحد تلاميذ الامام سحنون رضي الله عنه الذي قال : " خرج علينا سحنون يوما وعليه برنس وكان يلبس الشاشية الطويلة " ) 11 ( .
وهذا المخبر يقصد بالشاشية الطويلة - القلنسوة - التى اشتهر بلباسها سحنون ) 12 ( .
ونفهم هذا من راو ثان معاصر للأول هو محمد بن بسطام الذى عبر عن : عمرة سحنون اصبح تعبير فقال : " كان لسحنون قلنسوة طويلة " ) 13
ان المخبر الاول شبه قلنسوة سحنون بالشاشية لانها كانت حمراء ومصنوعة من الصوف مثل الشاشية وبما انها ليست بشاشية وصفها ب الطويلة وهذا التشبيه العفوى افادنا بان الشاشية كعمرة كانت موجودة بالقيروان على عهد سحنون اى خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين وهو عهد وجودها ببغداد ثم بعد ذلك نجدها بمصر مدة الحكم الفاطمي .
روى القاضي رشيد ان ست الملوك اخت الحاكم بامر الله الفاطمي اهدت الى اخيها المذكور يوم الثلاثاء التاسع من شعبان 387 ه هدايا من جملتها شاشية مرصعة .
وفي سنة 390ه وجد في مخلف ابي الفتوح برجوان العزيزى الذى قتله الحاكم بامر الله : مائة منديل شروب ملونة معممه كلها على مائة شاشية ) 15 ( .
وكرر المقريزي ذكر الشاشية اثناء حديثه على محتويات خزائن الأكسية الفاطمية ) 16 ( .
في هذا التاريخ نجد الشاشية بتونس وبالمغرب ايضا زيا عاما يلبسه الرجال والأطفال لا فرق بين الفقير والغنى . روى الدباغ : ان العالم الصالح عبد الرحمن بن عبد الله الخولانى المتوفى عام 394 ه كان يشترى الشواشي للاطفال الفقراء ويكسوهم اياها ) 17 ( .
وخلال القرن الخامس الهجرى اهدى الامير ) يوسف بن تاشقين ( الى الامير ابي بكر بن عمر : هدية عظيمة احتوت على انواع من الثياب والملابس
الرفيعة ومن ذلك مائة عمامة مقصورة واربعمائة من الشواشي ومائة غفارة ) 18 ( .
وروى ابن ناجي : ان الشيخ الجديدى المتوفى عام 786 ه كان فى كل عام يشترى للفقراء خمسين فروة ومثل ذلك عبائن وشمائل واحارم من صوف والشواشي كذلك .
ان الشاشية التى نجدها ببغداد نادرة الوجود ويهتم بها الوزراء والكتاب ويتميز بها الفتيان نجدها فى مصر أكثر بروزا وعددا وتهدى للخلفاء بينما فى تونس وفي المغرب عامة نجدها منتشرة لها رواج لدى الرجال والاطفال تلبس بالعمامة وبدونها حتى غدت العمرة الشعبية التقليدية تصحب ) الحرام والشملة والجبة والفروة ( وتحتل مكانها فى العادات والامثال والتعابير التونسية
الشاشية فى التفكير الشعبى :
نجد فى امثالنا وعاداتنا وتقاليدنا الشعبية للشاشية مكانة تبرزها فى البيئة الاجتماعية التونسية بروزا واضحا يدل على عراقة وجودها وتاصلها فى تونس ، لقد كان التونسى يعدها من اهم عناصر لباسه فيحافظ عليها ويعتز بلباسها خصوصا وهي تعلو اشرف اعضائه ) الراس ( مما جعله يشبه بها الرجل المحترم فيقول : " فلان كيف الشاشية وين يمشى يتحط فوق الراس " والمعنى انه اينما حل يجد الحفاوة والتقدير والمقام الرفيع . وبما ان الشاشية فى العرف الشعبى رمز للذكورة وكانت المرأة تعتبر الرجل عنصرا هاما فى حياتها لانه هو الذي يعولها ويحميها ويصونها من غوائل الدهر لذلك تقول : لا يحرم ولية من شاشية ولو كانت مهرية ؟ " فذات الزوج تتمنى الا تحرم من زوجها ، والارملة العانس وغيرهما ياملن الزواج ولو بزوج فقير على حد المثل الآخر " راجل من فحم يجيب الخبز واللحم ؟ ؟ " .
ومن التعابير الشعبية التى فيها توعية وتشبيه قائم القرينة قولهم لمن يقترض مالا من احدهم ثم عند عجزه على ارجاع ما اقترض يقترض من آخر
ليسدد دينه شاشية هذا على رأس هذا " ويعبرون عن كثرة الضرائب والتفنن في سلب الاموال بقولهم ) هات شاشيتك هات صباطك ؟ " .
وبما ان الشاشية تعلو الراس فصارت تدل ككلمة ( على كل ما يعلو الشيء فكيل الحبوب ) مسح ( او ) شاشية ( فان كانت الحبوب مساوية لحافتى ) القلبة ( أو غيرها فالكيل مسح وفي بعض الجهات يقال ) ملط ، وان كانت تعلو المكيال وكومت فوقه فالكيل ) شاشية ( .
وقطعة اللحم التي تعلو رأس الاخطبوط ) القرنيط ( تدعي ) الشاشية ( وكانت الشاشية تلبس بذؤابة تدعى ) نواره ( ومن يلبسها بدونها يقال فيه يلبس كبوس فرطاس " أى بدون ذؤابة وكأن الكبوس بدون شعر ) اقرع ( وكان من تقاليد اهل الريف والبادية فى حفلات الزواج يخصون حفلا ) للتوريش ( أى جمع هدايا مالية من المدعوين فى حفل رسمى بحضور الطبال والزكار وكل فرد قدم مقدارا ماليا يأخذه المنادى ويعلن عن اسمه وتزغرد النساء ويسجل اسمه في دفتر عائلي خاص يدعى زمام ) الشاشية ( لان ما قدمه من مال يعتبر في العرف دينا فى ذمة المحتفل به يتأكد عليه ارجاعه فى اقرب حفل مماثل يقيمه صاحب المال .
بحيث ان الشاشية التى اثبت التاريخ عراقة وجودها بتونس واكدت العادات والتقاليد اصالتها صارت ايضا لقبا عائليا من ذلك آل شاشية و " آل الشواشي " .
ان هذا الوجود التاريخي للشاشية بتونس يثبت اصالتها ويصحح ما ذهب اليه البعض بانها اندلسية الاصل خصوصا ولم نعثر على كلمة شاشية فى المراجع الاندلسية التى اطلعنا عليها مع اننا نؤمن بان الصانع الاندلسي اعطى للشاشية نفسا جديدا وكان له فضل فى تطويرها لما كان بينها وبين العمارة الاندلسية من تقارب فى المادة والصناعة والشكل كما نوضحه فيما ياتي :
العمارة الاندلسية :
قال بن سعيد : واما زى اهل الاندلس فالغالب عليهم ترك العمائم لا سيما فى شرق الاندلس فان اهل غربيها لا تكاد ترى فيهم قاضيا و لا فقيها مشارا اليه الا وهو بعمامة ، وقد تسامحوا بشرقيها فى ذلك ، ولقد رايت عزيز بن خطاب ، اكبر عالم بمرسية حضرة السلطان فى ذلك
الاوان ، واليه الاشارة ، وقد خطب له بالملك فى تلك الجهة وهو حاسر الرأس وشيبه قد غلب على سواد شعره " ) 20 ( .
ان اهل غرب الاندلس كانت الطبقة البارزة فيهم يتعممون بينما اهل شرقيها يحسرون رؤوسهم بما فيهم العلماء والقضاة والاجناد والملوك كما نص ابن سعيد ) 21 ( ثم يحدثنا عن بقية الطبقات فى غرب الاندلس فيقول : " ولا نجد فى خواص الاندلس واكثر عوامهم من يمشى دون طيلسان الا انه لا يضعه على رأسه منهم الا الا الاشياخ المعظمون وغفائر الصوف كثيرا ما يلبسونها حمراء وخضراء والصفراء مخصوصة باليهود " ) 22 (
من هذا نفهم ان اهل الاندلس كانوا يلبسون العمائم والطيالس والغفائر الصوفية لا غير وتسمية عمارة الرأس تسمية عربية فصيحة اذ جاء المغفر كمنبر وغفارة ككتابة : زرد من الدرع ينسج على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة ، والاندلسيون يبدو كانوا يلبسون الغفارة تحت العمامة ووحدها مثلما نلبس الشاشية بدليل انهم يصبغونها حمراء او خضراء وانهم كانوا يضيفون للغفارة ذؤابة ولهم فيها تقاليد خاصة ، قال ابن سعيد : " والذؤابة لا يرخيها الا العالم ولا يصرفونها بين الاكتاف ، وانما يسدلونها من تحت الاذن اليسرى " ) 23 ( .
ولبس الغفارة بالذؤابة على ما وصف ابن سعيد لا يكون بالعمامة . والذؤابة نسميها بتونس ) النوارة ( وتكون من الحرير الاسود وكنا نلبسها على الطريقة التى وصفها ابن سعيد مما يؤكد لنا انها تقليد اندلسي ادخل على الشاشية التونسية ونزداد يقينا بهذا عندما نعلم انه لم نعثر على نص تاريخي واحد ذكر الشاشية بالذؤابة
واذا تأملنا فى وصف الغفارة من كونها من صوف وملونة وتزرد نعلم التشابه والتقارب الذي بينها وبين الشاشية اذ كل منهما يزرد بالابر ويصنع من الصوف ويصبغ وهذا التجاوب بين العمرتين هو الذي شجع الصانع الاندلسي على الاقدام فى امتهان صناعة الشاشية وتطويرها ؟
صناعة الشاشية وتطورها :
لم يثبت لدينا تاريخيا - قبل العهد الحفصى - انه كان للشاشية داخل المدن اماكن خاصة لصنعها وانتاجها ، كصناعة لها معلمون مختصون وعمال ومعامل معروفة ، وهذا لا ينفي اصالتها التونسية لاننا نجد صناعات شعبية مماثلة كانت بالبيوت ويقوم بها الجنسان مما يمكن ان نسميها مشاريع عائلية " وكان يباع انتاجها حسب طرق تقليدية ما زالت متبعة في اسواق ) اللفة ، والربع ( اوما كان يدعى باسواق ) الزهادرة ( والى اليوم ما زالت تلك الاسواق تستوعب ما يصنع بالبيوت وخارج المدن مثل الزربية والمرفوم والكليم والبرنس والجبة واللحفة والعباءة وغيرها من انواع الملابس والاغطية ، والشاشية من الملابس واول مراحل صناعتها الى اليوم يعتمد فيه على العنصر النسائى ، ، فلم لا تكون فى الماصى قيل تطورها - صناعة نسائية من الفها الى يائها ؟ وكانت البيوت تستوعب كل اطوارها : من غزل الصوف والزرد والقردشة والتقصير ثم الكبس والصبغ فالتصدير ؟ هذا ما يغلب على الظن الى ان يظهر ما يثبت اليقين
قلنا في أول هذا الفصل قبل العهد الحفصى لاننا فى هذا العهد نجدها اكثر بروزا في الميدان الاقتصادى لا من حيث الرواج بل من حيث ظهور ما يدل على الاختصاص وظهر ذلك فى وجود اسواق خاصة بالشاشية ففي القرن التاسع الهجرى كان بالقيروان سوق للشواشين ) 24 ( .
وفي مدينة تونس سوق كان يدعى ) السوق الحفصى ( خاص بالشواشين ويجاوره سوق آخر مماثل يدعى ) السوق العالي ( ) 25 ( .
والسوقان فيما يبدو لنا متعاصران . ووجود الاسواق ذات الاختصاص في بضاعة ما دليل على تأصل تلك البضاعة في تلك الجهة او المدينة غير اننا نفهم من كلام ابن ابي ضياف انها - اعنى الشاشية - اصيبت في
العهد الحفصى بالضعف والكساد ، وقد يكون ذلك فى آخر العهد المذكور حدثنا ابن ابن الضياف عن تشجيع ) عثمان داى ( للمهاجرين الاندلسيين على صناعة الشاشية بهذه العبارة : " واعانهم عثمان داى على صناعة الشاشية التى كان لها سوق نافق فى كثير من البلدان ، وقد كانت ضعيفة زمن الحفصيين ، وحصل للحاضرة من هذه الصناعة ثروة واسعة لان صناعتها كثيرة " ) 26 ( .
نفهم من هذا النص :
1 كان لصناعة الشاشية سوق نافق فى كثير من البلدان التونسية . 2 ( فى العهد الحفصى - ويبدو آخره - طرأ عليهما الضعف والكساد 3 ( شجع عثمان داى واعان المهاجرين الاندلسيين على امتهان صناعتها وتطويرها وبعث الحياة فيها كي تعود لمكانتها
ومن بعد سنة 1016 ه الموافقة لسنة 1607 م ادخل على صناعة الشاشية التونسية فنيات جديدة وعناصر صناعية اندلسية سارت بها نحو التمركز صناعيا وتجاريا وصارت عنصرا من عناصر التنمية الاقتصادية في البلاد وذلك ما اشار اليه ابن ابي ضياف بقوله " وحصل للحاضرة من هذه الصناعات ثروة واسعة " .
ان ما كان بين الشاشية التونسية والغفارة الاندلسية من تشابه كبير وتوافق من حيث المادة الاساسية والطرق الصناعية وحتى اللباس هو الذي شجع الاندلسيين على احترافها والاقدام على تطويرها ، والغالب على الظن وحسبما نفهم من خلال النصوص ان الشاشية كانت تزرد بالصوف التونسى مما يجعلها خشنة جعداء غير قابلة للتكبيس والتلبيد لاننا نرى الوزير المصلح المرحوم الدين باشا ( قد قام بمحاولة ايجاد مشاتل من الاغنام الاسبانية المعروفة ب ) الماليونوس ( المشهور صوفها فى صناعة الغفارة الاندلسية لانه لا يحدث ما تحدثه الاصواف التونسية من خشونة وتجعيد واكثر انطياعا عند التلبيد ، ولا نرتاب بأن هذا التفكير كان سببه كثرة ما كان يستورد من الصوف الاسباني لازدهار هذه الصناعة
ونموها المتواصل وفي ذلك التوريد الكثير ما فيه من انعكاسات سيئة على الاقتصاد القومي ؟ ومن هنا نرى نظرة ) خير الدين ( الاصلاحية الوطنية ؟
ومما يروى " ان خير الدين لما جلب أول قطيع من اغنام الماليونوس الاسبانية اجتمع بالشواشين وبمربى الضان من الفلاحين وطلب منهم التعاون في تربيتها والاهتمام بتنميتها فرفض طلبه بحجة انها اغنام من ذوات الذيول بدون الية فلا يقبل الناس على شراء لحومها لانه غير لذيذ الطعم ( 27 (
وفشل المشروع ثم صار يستورد الصوف لهذه الصناعة من استراليا وكان من اعظم ابواب التجارة التى اهتم بها الكثيرون وفي آخر الاطوار صار صوف الشاشية يستورد من فرنسا بينما مادة الصباغ الاصيلة اعنى القرمز كانت تستورد من الجزائر اذ كانت تنتجه ) منطقة معسكر ( ) 28 ( .
وادخل الاندلسيون على هذه الصناعة آلات حديثة يعرفونها فى صناعة الغفارة وما زالت الى اليوم تحتفظ باسمائها الاسبانية بل جلبوا ايضا بذور ) الكرطون ( ووزعوها بتونس لاستعمال ) كوزها ( فى ابراز منظر الشاشية وتحسن منظرها وتليين صوفها وهو ما يسمى عندهم ب الضبنينة ( ويستعمل في ) القردشة ( ومن التقاليد التى ادخلها الاندلسيون على الشاشية زيادة ) الذؤابة ( وهي التى نسميها بتونس ) نوارة و ) كبيطة ( إذ كانت الشاشية فى القديم - حسبما تحققنا - تلبس بدونها بينما أهل الاندلس كانوا يلبسون ) الغفارة بالذؤابة ( واذا تأملنا فيما قال ابن سعيد عن كيفية سدل ذوابة الغفارة : الذؤابة لا يرخيها الا العالم ولا يصرفونها بين الاكتاف وانما يسدلونها من تحت الاذن اليسرى ( ) 29 (
ثم نتذكر كيفية سدل الذؤابة عندنا يوم كان يهتم بها نتحقق اننا اخذنا تقاليدها عن اهل الاندلس ومن القرن السابع عشر الميلادي اخذت صناعة الشاشية فى نمو مطرد وسوقها الداخلي والخارجى فى توسع وازدهار
ويدل على ذلك تعدد اسواق بيعها فبعد سوقى الحفصى والعالى نجد سوق ) الركاضين ( الذي كان يتفرع عن ساحة القصبة ثم السوق الكبير بالاسواق المعروفة باسواق الربع وكانت قديما تعرف باسواق ) الرهادرة ( على الاصح ) 30 ( .
ويبدو لنا ان هذه الصناعة انتقلت الى القطرين الشقيقين الجزائر والمغرب من تونس
يغلب على ظننا ان صناعة الشاشية دخلت الى الجزائر من تونس بحكم التبادل الاقتصادى بين الاجوار لاننا نرى فى الظرف الذي تشق فيه الشاشية بتونس طريقها نحو الازدهار وتتركز تجارتها فى البلدان الشرقية على الاخص نجدها فى الجزائر دون جودة الشاشية التونسية كما قال الاستاذ احمد توفيق المدني : " تصنع فى هذه المدينة الشاشية الجزائرية وتستعمل فى ذلك الاصواف الخشنة المحلية ولهذا فهي دون جودة الشاشية التونسية التى تستعمل صوف اسبانيا ، فشاشية الجزائر لا تبلغ نصف ثمن شاشية تونس ، وتلبس النسوة فى الجزائر نوعا من الشواشى المطرزة بالفضة والذهب وتدعي الصارمة او البنيقة " ) 31 (
وكان فى القديم يسمى اهل بغداد الشاشية باسمها هذا ثم تنوسى هذا الاسم وصاروا يسمونها : ) الفاسية ( ويلفظونها ( الفيس او الفس ( مثل الاتراك وهذا يفرض احتمالين اما انهم يستوردونها من مدينة فاس ، او وجدت لها مصانع هناك ) 32 (
اما المحاولة التى قام بها ) محمد على ( جد العائلة الخديوية بمصر في احداث معمل للشاشية التونسية فقد اكدها التاريخ ) 33 ( وسنتعرض اليها تفصيلا .

