تنظيمات خاصة بالشاشية :
كان للتطور الذى ادخل على صناعة الشاشية بفضل الاندلسيين الذين اندمجوا في الاسرة التونسية فيما بعد وازدادوا تعلقا بالوطن الجديد وصناعاته المتجاوبة مع ميولهم وفنياتهم الصناعية مما جعل الشاشية تحتل مكانة فى الانتاج التونسي وتتخلص مما كانت توصف به خلال العهد الحفصى كما أشار لذلك ابن ابي الضياف ( 34 ) فتضاعف رواجها وتاكد الاهتمام بها كصناعة لها مميزاتها تتطلب الاخلاص فى العمل والاتقان والجودة لتحافظ على مركزها ، فتأكدت حمايتها من كل ما يشينها ويدخل عليها الريبة بالغش او التطفل وما الى ذلك فاحدثت لها نظم وقوانين تحميها وتحافظ على اصالتها وشرفها المهني .
من ذلك ) خطة امين صناعة الشاشية ( وهى خطة كما قال ابن ابي الضياف ) من الخطط النبيهة التى لا يتقدم لها الا من كان وجيها نقي العرض امينا عارفا ( ) 35 ( ومهمته كما هو معلوم رقابة الانتاج وفصل ما يحدث عادة من خصومات وسوء تفاهم مما يتعلق بها .
مجلس العشرة :
يتكون هذا المجلس من عشرة اعضاء ويرأسهم امين الشاشية والتجارة وكاتب المجلس يدعى ) يازجى المتجر ( وبما ان اعضاءه عشرة فهو يدعى ) مجلس العشرة ( و ) مجلس العشرة الكبار ( وكان لا يجتمع الا فى امر هام ) 36 (
من نوع المعاملات قال ابن ابي الضياف : ) كان الباى - حسين بن على - لا يحكم في نوازل القصاص ويردها الى مجلس الشريعة ولا فى المعاملات ويرد الطالب فيها الى مجلس الشرع او مجلس التجار المعروف بالعشرة الكبار ( ) 37 ) وهذا المجلس ورد ذكره في تراجم من كان من اعضائه او تولوا رئاسته هكذا : مجلس التجارة - مجلس الاحكام المتجرية - مجلس الحكم المتجرى - مجلس التجارة والشاشية - وجاء فى ترجمة أحمد بن حسونة الوزير ( ت 1868 ) ( وتقدم لرئاسة مجلس المتجر والشاشية ( ) 38 (
والذى يبدو لي ان هذا المجلس يدعى ) مجلس التجارة والشاشية ( اى يشمل نظر اعضائه التجارة بما فيها الشاشية كتجارة وصناعة ثم اقتصر على التجارة ولذلك قالوا ) مجلس الحكم المتجرى ( ويبدو لنا ايضا بان اكثر اعضائه من الشواشين
نيشان الشاشية :
من التراتيب المتبعة فى ضبط الصناعة وضع علامة لكل معلم شاشية يعرف بها عمله وتدعي ) النيشان وهو نوعان ، نوع يخاط خارج الشاشية قبل عملية التلبيد ويسمى ) نيشان الزيت ( اثر هذه العملية يزال ، واضيف الى الزيت لانه كان قبل تلبيدها ترش بقطرات من الزيت لتنطاع للتلبيد والنوع الثاني يدعي ( النيشان الاحمر ) ويخاط باللون الاسود داخل الشاشية بعد ان تجتاز كل اطوار الصناعة وتعد للبيع
الشاشية فى الخارج :
بفضل ما وجدته الشاشية من تطور وما بلغه اهل الصناعة من خبرة ومهارة وما وصلت اليه من حسن وجودة اجتازت الحدود وانطلقت تجارتها فى الاسواق الخارجية سواء فى بلدان المغرب او المشرق فراجت في مصر والعراق وتركيا واليونان وغيرها وقد كان هذا الرواج الذي بلغته وجعلها تحتل مكانة فى اوساط تلك الشعوب بفضل ما صارت عليه من جودة وحسن منظر من جهة ومن ثانية بما وجدته من همم التجار التونسيين الذين كانوا يعملون لترويجها فى البلدان التى يتعاملون معها ولهم فيها نواب ووكلاء .
روى ابن ابى الضياف انه خلال القرن الثامن عشر الميلادى اثناء الحرب القائمة بين السلطة العثمانية والروسيا خرج من تونس مركبات احدهما انكليزى والثانى فرنسى مشحونان بالشاشية لتجار تونسيين فى طريقهما الى القسنطينية مبلغ ما بهما من البضاعة المذكورة مائتا الف دينار ذهبا محبوبا ، واثناء الطريق تعرض لهما الروس واستولوا على ما بهما ولما علم الامير على باى بالامر تدخل لدى فرنسا وانكلترا واسترجع قيمة البضاعة المحجوزة وسلم المال الى امين التجار الذي فرقه على اربابه وانتهى المشكل ( 39 )
وفي هذا الظرف نفسه سافر احد التجار التونسيين من تونس الى استطنبول وبضاعته الشاشية وباعها هنالك لتاجر من ابناء جربة ) 40 ( .
وهذه العلائق التجارية التى كانت بين تونس وتركيا من جهة وبين تونس ومصر من ثانية اوجدت روابط بين تونس وتلك الديار تكون بسببها تبادل فى العادات والتقاليد وثقتها روابط مصاهرة عديدة ادت بالكثير لاستيطان تلك البلدان وكان لذلك اثره فى تدعيم رواج الصناعة التونسية هنالك ( 41
وهناك عامل آخر في نظرنا - دعم التعريف بالشاشية التونسية في الخارج وجعلها تحتل مقاما بارزا بين التحف التى تهدى الى الملوك السلاطين : روي لسان الدين بن الخطيب ان الامير يوسف بن تاشفين القرن 5 ه اهدى إلى الامير أبي بكر بن عمر هدية ثمينة من ضمنها مائة عمامة مقصورة وأربعمائة من الشواشى ومائه غفارة ومائتين من البرانس ) 42 ( .
واهدى محمد داي الجزائر ( هدية إلى السلطان العثماني من ضمنها 20 طزينة من الشواشي التونسية ) 43 ( والطزينة كلمة اجنبية دوزان ومعناها اثنا عشر ، بحيث يكون عدد الشواشي المهداة 240 شاشية و كان الامين حمودة باشا باي تونس اهدى الى السلطان سليم كمية من الشواشى التونسية ) 44 ( فادخالها فى ضمن الهدايا الملوكية زادها تعريفا .
تاثر الاتراك واهل المشرق بالشاشية واعجبوا بها و كانوا يسمونها الطربوش المغربي ( مثلما تاثرنا نحن او طبقات شعبنا بالطربوش وسميناه ) كبوس اسطنبولى ( او ) طربوش مجيدى ( نسبه للسلطان عبد المجيد ولما اقدم السلطان محمود الثاني ( 1785-1839 ( على تطوير الجيش التركي امر الجنود والموظفين بلباس الزى الاوربى وتعويض العمائم والقواويق بالطربوش المغربي وهذا السلطان نفسه فى اخر حياته ازال الجبة والعمامة وارتدى الزى الاوربى والطربوش المغربي كما لبسه ايضا السلطان عبد المجيد في أول حكمه حسبما تمثله صورة قديمة نشرتها الكاتبة الانكليزية الشهيرة ) مس باردو ( سنة 1836 في كتابها عن البسفور والدانوب ( ) 45 ( وبما ان الجيش التركى صار يلبس الشاشية ويخرج بها للغزو والجهاد صارت تدعي ) الطربوش الجهادى ( ثم ) الجهادية (
الشاشية التونسية ايضا الامير ) محمد على ( باشا الذي تولى على مصر الشام ويروى انه أنشأ معامل عديدة فى مصر لمعالجة القطن
والنيلة ومعملا لصنع الطرابيش التونسية ) 46 ( ويروى انه فى يوم غداة وفاته ) 1849/8/2 ( تقاطر الناس من اعيان وقناصل الدول على ) سراى رأس التين ( فى الاسكندرية لمشاهدة مشهد ذلك الرجل العظيم وحضور موكب جنازته فاذا هو فى قاعة الاستقبال موضوعا فى محمل تغطيه شيلان كشمير وعلى صدره سيفه ومصحف شريف وعلى رأسه طربوشه الجهادى احمر تونسى ( 47 )
ولبس الشاشية التونسية ايضا ) ابراهيم باشا ( وحفيده ) عباس باشا ( وجل القواد الذين عاضدوا الامير محمد على وجاء في مجلة المقتطف المصرية ) وقد مر شكل الطربوش فى عهدنا على ادوار مختلفة فلم تكن نرى منه منذ سبعين سنة الا النوع المغربي الذي يلبسه الآن اكثر العرب في القطر المصرى ( ) 48 ( وهذا العدد من المجلة المذكورة مؤرخ بعام 1926
ويبدو لنا ان الشاشية التى كان يلبسها الاتراك السلاطين وكبار القواد ويسمونها الطربوش المغربى تشابه الى حد بعيد الشاشية التى كان يلبسها امراء تونس من البايات والوزراء وكبار موظفي الدولة .
بينما الذؤابة تشبه ذؤابة الشاشية التى كان يلبسها أهل ليبيا اعنى زرقاء اللون غير وارفة الطول ويؤكد هذا ما جاء بمجلة المقتطف المصرية بانه ) لما توفى السلطان عبد المجيد وخلفه السلطان عبد العزيز سنة 1861 تغير الطربوش شكلا ولونا وشرابة ) عذبة ( فصار ضيقا من اعلاه واسعا من اسفله وصار لونه الاحمر ضاربا الى السمرة وصارت شرابته خيوطا سوداء قليلة بعد ان كانت حريرا ازرق غير مفتول ( ) 40 (
والشكل الدى وصفه كاتب الفصل لتغير الطربوش هو شكل الطربوش الذى عرف عندنا بتونس ) كبوس اسطنبولى ( نسبة الى اسطنبول وكتا نسميه ايضا ) شاشية مجيدى ( و ) كبوس عصمانلى (
وكلمة طربوش محرفة عن كلمة ) شربوش ( وقيل ) سربوس ( بالسين المهملة وهى فارسية الاصل فيما يبدو وكان الاتراك يطلقونها على عمرة مثلثة الشكل - على عمره مثلته الشكل
تشبه التاح ، وقال المقريزى : الشربوش عند الاتراك ) كلوتة ( صفراء مضربة تضريبا عريضا ولها كلاليب يلبسها السلطان بدون عمامة فوقها وكان بمصر سوق يدعى ) سوق الشرابشيين ( احدث بعد العهد الفاطمى وكان تباع به الخلع التى ينعم بها السلطان على الوزراء القضاة 51 والقضاة ) 5٢ (
وهذا الطربوش كان يسمى بالعراق ) فينة ( بتفخيم الفاء لان مادته الاولية كانت تستورد من ) فيانة ( عاصمة النسما ) 52 (
والغالب على الظن ان الاتراك ادخلوا الشاشية التونسية الى يوغوسلافيا وما جاورها لاننا نجد فى تقاليد لباسهم ) الطاقية الحمراء ( ومنهم من كان يلف حولها لفافة بيضاء مثل العمامة ) 53 ( .
تراجع الصناعة :
تأيد لنا من خلال هذه الدراسة ان الشاشية عمرة تونسية عريقة صناعة ولباسا وتمتد جذورها الى القرن التاسع الميلادي تقريبا وطرأ عليها الفتور والضعف خلال العهد الحفصى الا انها تطورت وتمركزت على ايدى المهاجرين الاندلسيين ابتداء من اول القرن السابع عشر الميلادي فتعددت مصانعها وراجت تجارتها فى جل بلدان العالم الى اواسط القرن التاسع عشر الميلادي تقريبا ، حيث اخذت تتراجع صناعة وتجارة فكسدت سوقها وسرى الوهن فى عزائم اهلها مما كان له انعكاسات سيئة على المجتمع وجعل ارباب صناعتها - وعلى الاخص العمال - يحولون وجهتهم نحو مورد عيش غيرها واشار الى هذا فى صراحة المؤرخ ابن ابي الضياف فى ترجمه المرحوم محمد الوزير ) ت 1868 ( وكان من صناع الشاشية وتجارها فهجرها وانتصب للاشهاد ونص عبارة ابن ابي الضياف : ) عندما كسدت سوق الشاشية بابتداء النقص في المتجر بالحاضرة ( ) 54 ( ناهيك ان عدد حوانيتها نزل
من الف حانوت الى ثلاثين حانوتا ) 55 ( بحيث بلغت نسبة النقص 97 فى المائة تقريبا وهي نسبة مهولة جدا ولا نشك بأن هذا قد كان تحت تاثير عوامل منها :
٢ ( تقليد المعامل الاوربية المحدثة فى ذلك الظرف لصناعتها . 2 ( ما حدث من تحول فى تركيا والمشرق من لبس الشاشية التونسية الى لبس الطربوش الحديث 3 ) اقبال الشباب فى تونس وغير تونس فى النصف الثاني من القرن العشرين على اطالة الشعر وحسن الراس
فهذا التحول الاجتماعى - اعنى السبب الاخير - الذى هو من نتائج غزو العادات والتقاليد الاوربية كان له ابلغ تأثير على سوق الشاشية وقد اشار الى السبب الاول المرحوم محمد بيرم وقد واكب طور تدهور صناعتها بقوله : ) واما صناعة الشاشية فانها كانت هي عيال اكثر اهل الحاضرة ومنذ صنعت الشاشية بالمعامل الاوربية رخصت وما زال صناعها فى تونس متمسكين بالآلات القديمة وهى تكاليفها غالية فما زالت في تناقص الى ان كادت ان تكون مقصورة على اهالى القطر وقليل غيرهم وبقى من حوانيتها نحو الثلاثين اعنى الذين يخدمون حقيقة بعد ان كانت حوانيت هذه الصناعة تبلغ نحو الالف وبسبب ذلك صار اكثر الناس فى الحاضرة بلا صناعة ) 56 ( .
وجاء في حديث صحفى نشر عام 1960 ان هذه الصناعة يعمل فى ميدانها نحو الالفى عامل منهم اربعمائة معلم شاشية يعمل منهم بصفة مباشرة نحو 160 معلم فقط ) 57 ) .
نامل لهذه الصناعة التونسية الاصيلة ان يعود لها سالف مجدها - وازدهارها - ولا يكون ذلك الا بالاقبال عليها خصوصا فى وقت البرد وبالعمل على ترويجها وفتح الاسواق لها فى الخارج
مراجع البحث :
اتحاف اهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الامان أحمد بن ابى الضياف نشر وزارة الثقافة التونسية المطبعة الرسمية التونسية 63 9 1 تراجم اغلبية ) من مدارك القاضي عياض ( تحقيق محمد الطالبي المطبعة الرسمية التونسية 1969 - تراجم مشاهير الشرق جرجي زيدان ج ٢ نشر دار الحياة بيروت - تاريخ صفاقس ابو بكر عبد الكافى التعاضدية العمالية للطباعة والنشر بصفاقس 1968 الجزء الاول - تاريخ الدولتين ) الموحدية والحفصية ( محمد بن ابراهيم الزركشي تحقيق محمد ماضور المكتبة العتيقة 1966 - التاريخ الباشى حمودة بن عبد العزيز تحقيق محمد ماضور الدار التونسية للنشر 1970 الجزء الاول الحلل السندسية فى الاخبار والآثار الاندلسية شكيب ارسلان المطبعة الرحمانية بمصر 1936 الجزء الاول - الحلل الموشية فى الاخبار المراكشية لسان الدين بن الخطيب طبع تونس ( الخطط المقريزية تقى الدين احمد بن علي المقريزى طبع لبنان المجلد الثاني - الذخائر والتحف القاضي الرشيد بن زبير طبع الكويت تحقيق الدكتور محمد حميد الله - رياض النفوس فى طبقات علماء القيروان وافريقيا ابو بكر المالكى نشر حسين مؤنس مكتبة النهضة المصرية 1951 الجزء الاول - شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل شهاب الدين احمد الخفاجي مطبعة السعادة بمصر 1325 ه
- صفوة الاعتبار بمستودع الامصار والاقطار محمد بيرم 5 الجزء 2 دار صادر مصورة - الفنون الشعبية فى يوغسلافيا - محمد عثمان باشا ) داى الجزائر ( احمد توفيق المدني المكتبة المصرية بالجزائر - معالم الايمان فى معرفة اهل القيروان عبد الرحمان الدباغ الاجزاء 4-3-2 المطبعة الرسمية التونسية 1320 ه - معجم شمال المغرب تطوان وما حولها الدكتور عبد المنعم سيد عبد العال دار الكاتب العربى للطباعة والنشر القاهرة 68 و 1 - نفح الطيب لاحمد المقرى - الوزراء والكتاب محمد بن عبدوس الجهشيارى تحقيق م السقا ومن معه ط القاهرة
المجلات
- التراث الشعبى وزارة الاعلام العراقية سنة 6 عدد 12 وسنة 7 عدد 8 و 9 - الاذاعة والتلفزة التونسية سنة 2 عدد 6/9/3/35 - العالم الادبي زين العابدين السنوسى سنة 4 عدد 1 - مجلة الفكر التونسية سنة 25 عدد 7 - لغة العرب العراقية المجلد الثاني الاب ستاس مارى الكرملى نشر وزارة الاعلام العراقية - المقتطف الدكتور صروف المجلد 69 الجزء الاول اغسطس 26 9 1
