الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

الشاعر الإنكليزي TENNY SON، والمعلقات العربية، TENNYSON AND THE ARABIC MU'ALLAQAT

Share

محاضرة عامة ألقيت بجامعة الرياض بتاريخ ٦-٢-١٣٩٠ه الموافق ١٣-٤-١٩٧٠

السيد الكريم عميد كلية الآداب السادة والاخوة الزملاء        السلام عليكم ورحمة الله

لا يسعنى وأنا اقف هنا بينكم الا أن اتقدم بشكرى الخالص للدكتور عبدالرحمن الأنصارى وكيل كلية الآداب وللرابطة العامة للطلاب وللجنتها الثقافية والفنية بجامعة الرياض ، على أن أتاحوا لى فرصة الوقوف عنا للتحدث اليكم عن « الشاعر الانكليزي TENNYSON والمعلقات العربية » .

ستتردد كثيرا في هذه الحاضرة أسماء TENNYSON و Sir William Jones المعلقات . أما المعلقات فهى غنية عن التعريف بها ، وأما Tennyson فهو من أكبر الشعراء الانكليز في العصر الفكتورى . وقد عاش من ١٨٠٩ - ١٨٩٢ م ، وأصبح في أوج مجده شاعر البلاط الملكى الانكليزى . أما William Jones فقد عاش من ١٧٤٦ - ١٧٩٤ م، وهو من أعظم المستشرقين الذين خدموا حركة الاستشراق ( العربى والفارسى ) بكتاباتهم وترجماتهم،

ويمتاز بحبه الخاص للعرب ولتاريخهم وأدبهم . ولسعة علمه واطلاعه كان الرجل الموكل اليه في الهند تفسير قوانين الأحوال الشخصية الاسلامية في وقت من الأوقات .

ناتي الآن الى Tennyson ومعلقاتنا : - يذكر F. T. Palgrave فى كتابه المسمى مذكرات شخصية ، كيف أن أخاه المدعو William Gifford قد قابل مرة الشاعر  الانكليزى الشهير Tennyson  لدى عودته (أى عودة Gifford) إلى انكلترة فى زيارة قصيرة بعد رحلته الغريبة المخاطرة عبر أواسط الجزيرة العربية . يقول Palgrave هذا :

« انه حتى Tennyson نفسه لم يكن تلميذا أكثر خشوعا أمام أرفع الشعر ولا أكثر محبة له من William Gifford . وكانت قصيدة Tennyson المسماة :  Locksley Hall وهى القصيدة التى ظهرت عام ١٨٤٢ من أكثر القصائد المحببة لنفسه. ولما وجد نفسه الآن يقابل Tennyson  لأول مرة ، فانه خاطر بأن يتحدث عن صحة وصدق وصف تلك القصيدة للأحاسيس والطريقة الشعرية العربيتين . وكان أن صدق حدسه : اذ ما كان من Tennyson الا أن أخبرنا عندها أن "Locksley Hall" قدر أوحتها له دراسته لترجمة Sir William Jones النثرية للمعلقات العربية القديمة . »

انتهت شهادة Palgrave ، وبالاضافة اليها فانها Hallan Tennyson ابن الشاعر  الكبير يؤكد لنا هذه الحقيقة فى تعليقاته على قصيدة Locksley Hall ، اذ هو أيضا كان قد سمع والده يقول « ان ترجمة

Sir William Jones النثرية للمعلقات، تلك القصائد العربية السبع ، التى هى عبارة عن مختارات من نتاج شعراء ما قبل الاسلام ، والتى كانت تعلق ( فى الجاهلية) على جدران المعبد فى مكة ، هى التى أعطته فكرة القصيدة . » هذا هو الدليل الثانى .

ان ترجمة المعلقات المشار اليها أعلاه من قبل رجلين لهما علاقة وثقى بحياة الشاعر Tennyson هى تلك الترجمة التى ظهرت  عام ١٧٨٣ م تحت عنوان : « المعلقات » أو القصائد العربية السبع ... وتحتوى على ترجمة ومقدمات بقلم William Jones."

وهنا يجدر بنا أن نستذكر باختصار تلك الموضوعات التى تطرقها أية قصيدة جاهلية . وأفضل حجة وسند فى هذا الموضوع هو كما نعلم ابن قتيبة الذى يلخص لنا اياها فى كتابه المعروف كتاب الشعر والشعراء ، حيث يذكر أنه قد نما اليه

« من رجل ذى علم أن مؤلف القصيدة يبدأ بذكر الاطلال المهجورة والآثار الدارسة ، ثم يبكى ويستبكى ، ويخاطب الأطلال المقفرة ويستتوقف صاحبه كيما يتسنى له أن يتذكر أولئك الذين كانوا قد حلوا الديار مرة ثم رحلوا . وبعدها يصل كل ذلك بالنسيب ويبكى من شدة حبه ولوعة الفراق ومن شدة عاطفته ورغباته لكى يكسب عطف قلوب سامعيه ويجلب انتباههم اليه وبهيب بآذانهم للاصغاء اليه . وبعد أن يكون الشاعر قد اطمأن الى انهم يصيخون السمع اليه ، يتبع ذلك بماربه وينتقل الى الشكاية من العناء وشح النوم والسفر آناء الليل وتحت أشعة شمس الظهيرة ، وكيف أن ناقته قد نحلت . وما ان ينتهى من تسطير مخاطر وأكدار ترحاله،

حتى يكون قد برر لنفسه التوقع والأمل فى الحصول على الجائزة التى يستحقها من الرجل المخاطب فى قصيدته ، ومن ثم يدخل فى مديحه وحثه على الاكرام فى العطاء واشعال حميته باعلاء شأنه فوق أقرانه ، معلنا أن اوج النزاهة هو أمر تافه اذا ما قيس بخصلته هو . »

ان هذه الخلاصة السريعة لمحتويات القصيدة الجاهلية لهى فى الحقيقة العلائم المميزة لمعظم المعلقات السبع ، فمقدمة أولى هذه المعلقات ، أى معلقة امرىء القيس ، على سبيل المثال ، وهى المقدمة المنشورة فى طبعة عام ١٧٨٣ مباشرة قبل ترجمة القصيدة نفسها ، تحتوى على الكثير من هذه الموضوعات التى كان ناظموا القصائد فى الجاهلية يشغلون بها أنفسهم . على أن هذه القصيدة مع مقدمتها ليست الشىء الوحيد الذى أوحى للشاعر Tennyson بفكرة قصيدة "Locksley Hall" ، اذ

سنرى أدناه بعد قليل أن بعض الدوافع والأغراض الشعرية التى وجدت سبيلها الى قصيدته يمكن ارجاعها الى قصائد أخرى فى ترجمة Jones كمعلقة لبيد مثلا ، بيد أن المعلقة التى كان لها أوضح الوقع وأعظم الأثر فى قصيدة Tennyson هى قصيدة امرىء القيس ، فهاكم اذن خلاصة ما كتبه Jones عن مقدمتها وسأترجم قوله وأذكر منه أجزاء باللغة الانكليزية وهى اللغة التى اطلع عليها بها Tennyson بالطبع ، والتى وجد بعضها طريقه الى قصيدة "Locksley Hall" يقول Jones :

« ان الشاعر ( العربى ) جريا على طريقة أهل بلاده يفترض نفسه مصحوبا فى ترحاله من قبل جماعة من الاصدقاء . وحينما

يمرون بقرب مكان كانت قد نزلته حبيبته مؤخرا ، ولكن لم تعد الآن به لمغادرة قبيلتها لربوعه ، فانه يستوقفهم برهة من الزمن (he addresses them to stop a while)

كيما يستغرق فى البكاء على الأطلال حيث كانت تقوم خيمتها . وهنا يستجيب لرغبته أقرانه ولكنهم يحضونه على التمسك برجاحة العقل ويقدمون له عزاءهم ويذكرونه فى أمرين : أولهما أنه كان من قبل قد لحق به العزن أيضا that he had before been equally) (unhappy

وثانيهما أنه كان قد نال قسطه الوافر من المسرة  that he had enjoyed his full share of) (pleasures

وهكذا فبتذكره نعماءه ومسراته السالفة تتأجج قريحته وتمحى أحزانه . »

انتهت مقدمة Jones ، ومن الملاحظ طبعا أن خلاصة مقدمة القصيدة العربية مائلة فى هذا المقطع . أما ترجمة Jones النثرية  لأبياتها فلا يجب أن يغيب عن البال أنها تحتفظ بنغمة الحب والشعور التقليدى اللذين كان شعراء الجاهلية يلجأون اليهما .

ولما كان Tennyson يفتتح قصيدة "Locksley Hall" بهما فانه لزام علينا أن  نتطرق لترجمة Jones لما يهمنا من بعض أبياتها ، ولتكن الأبيات السبعة الاولى ، وسأتترجم أيضا ترجمة Jones الانكليزية لأنها غير صحيحة فى بعض المواضع كما سترون ، وسأذكر معها بالانكليزية ما قد يكون قد تسلل الى قصيدة Tennyson :

« ١ - قفا ولنبك لذكرى حبيب لنا Stay - let us weep at the remembrance) (of our beloved

على مرأى من الطلل حيث كانت خيمتها قائمة بقرب تلك الرمال المتعرجة بين الدخول وحومل

٢ - وتوضح والمقراة ، وهى طلل لم يعف رسمه وغم ما نسجته الجنوب والشمال من الرمال المتموجة .

٣ - ولما وقف صحبى بمطيهم علي يقولون « لا تهلك أسى وتجمل » ، قلت لهم ٤ - ان دمعة مهراقة لهي عزائي الوحيد، ولكن ما ينفع أن نذرف الدمع فوق رسم دار قفر ؟ (over the remains of a deserted mansion)

٥ - فأردفوا أن ليس حالك أكثر ايلاما مما كان عليه يوم فارقت (Howaira) وجارتها (Rebaba) فوق تلال مأسل قبل حاضر عاطفتك الجياشة .

٦ - قلت نعم ، اذا ما قامتا تضوع المسك منهما كما تنشر ريح الشرق عطر القرنفل .

٧ - ففاضت دموع العين من فرط الأسى وانحدرت من على نحرى حتى بل محملى من سيلها . »

من الواضح هنا أن ترجمة Jones ليست متفهمة دوما للمعانى الصعبة لأبيات امرىء القيس ولا تترجمها الا فى معانيها العريضة فى أغلب الاحيان ، ولكن هذا هو ما اطلع عليه Tennyson وهو ما يهمنا أولا وقبل كل شىء ، لذا فلنتفحص الآن قصيدته .

ان أول ما يخطر ببالنا حين نقرأ كلمات Jones عن « رسم دار قفر » وهى  (the remains of a deserted mansion)

هو أن نتساءل : أفليست هذه الكلمات أقرب ما يكون الى الايحاء بعنوان قصيدة

Tennyson وهو فى حقيقته             (The Hall of Locksley)

المكان الذى هجر أيضا ؟ على أى حال فان Locksley Hall مكان خيالى وكذا بطل هذه  القصيدة . ورغم أن الساحل حيث كان يتنقل فى ترحاله هو ساحل Lincolnshire فى انكلترة ، الا أنه كما الحال مع الشاعر العربى يفترض نفسه بصحبة جمع من أصدقائه ، فما ان يمرون صبيحة يوم بمكان ما حتى يعلن لصحبه رغبته فى الوقوف كالشاعر العربى أيضا ، وفعلا يستوقفهم

"COMRADES, leave me here a little,  while as yet 'tis early morn: Leave me here, and when you want me, sound upon the bugle - horn. Tis the place, and all around it,' as of old, the curlews call, Dreary gleams about the moorland flying over Locksley Hall:  Locksley Hall. that in the dis- tance overlooks the sandy tracts, And the hollow ocean - ridges roar- ing into cataracts."

من هنا يتبدى أن Locksley Hall كالقصيدة العربية التى هى تحاكيها فى مطلعها ، تبدأ بذكر الروابط الخوالى التى تشد المتكلم بها الى مكان هو الآن مبتئس ويطل من على البعد على بقاع رملية . ومع أن هناك أخاديد بحر جوفاء تهدر فى شلالات، الا أن Locksley Hall هى مربع على مشارف الرمال المتموجة ولم يعف رسمه : انه المكان نفسه وكل ما حوله على قدمه ، يحوم الطير فوقه والومضات الكئيبة أيضا  Tis the place and all around it, as of "     old. the curlews call.

Dreary gleams about the moorland fly  ing over Locksley Hall."

لقد أسلفنا أن الشاعر العربى ، جريا على عادة اخوانه من الشعراء يبكى لذكرى حبيب ومنزل . وكذا الشاعر الفكتورى Tennyson فانه يستوقف صحبه كى يغتذى شبابه من الماضى سموا ، ولما كانت الدنيا ربيعا ، وأخيلة الشباب تتلفت نحو أحاسيس الحب ، فانه هو أيضا يستعيد ذكرى أيامه السعيدة ، متذكرا ، كالمتكلم فى قصيدة امرىء القيس ، أمسيات مسرة قضاها . والواقع أنه يتبنى ما يورده William Jones عن القصيدة العربية فى هذا المجال حين يقول that he had passed many days in sweet) (converse with the fair

« أى انه أنفق أمسيات عديدة فى حديث خلاب مع الجميل » ، وهو ما تتردد فكره وأصداؤه فى قول Tennyson : Many a morning on the moorland did" we hear the copses ring, And her whisper throng'ed my pulses with the fulness of the Spring. Many an evening by the waters did we watch the stately ships."                                                    والخ ...

الا أن صاحبنا الآن غير سعيد ، ولدى تذكره حبه الذى مضى وحال عهده ، فأنه يأسى لانقضاء «مسرات سلفت» . ولكن فى الوقت الذى نرى به أن « عبرة مهراقة » هى العزاء لدى الشاعر العربى ، فان صيحة الأسى والحزن لدى بطل Locksley Hall بسبب غياب ابنة عمه (Amy) لا عن المكان المبتئس القفر ( وهى أصداء كلمات Jones حينما نصف المكان بأنه (deserted mansion)

ان صيحته الحزينة هذه هى : O my cousin, shallow-hearted! O my' Amy, mine no more! O the dreary, dreary moorland! O the barren, barren shore!"

لقد حاولت حتى الآن أن أبين المقدار الكبير لاعتماد Tennyson على مصدره الرئيسى وهو ترجمة Jones للجزء الذى  يعنينا من معلقة امرىء القيس . أما مقدار دقة Jones  كمترجم فهو فى الحقيقة أمر آخر مختلف ، فدعونى أقول منذ الآن أن هذا المستشرق لم يكن دوما يترجم النص العربى ترجمة صحيحة . لقد كان فى أكثر الاحيان ، وكما أسلفنا ، يترجم المعنى العام لشرح الشعر فى نسخة المعلقات التى يستعملها : أحيانا بدقة ، وأحيانا بصرف، وأحيانا أخرى بشكل خاطىء . ومع أن البروفسور A. J. Arberry يقول ان ترجمة Jones لم تلبث بعد صدورها ان اعتبرت  « اسهاما ذا أهمية كبرى فى مجال الدراسات الأدبية » الا أنه يضيف صائبا قوله انها الآن تقادم عليها العهد واكتهلت ، وانها غير دقيقة فى أماكن عدة » . وكذا المؤرخ الشهير Gibbon فقد وجد ( وهو على حق ) أن نسخته من ترجمة المعلقات ، التى حصل عليها من صديقه William Jones غامضة مبهمة وبالية . على أن البرفسور  Arberry يورد فى مقدمة ترجمته الدقيقة للمعلقات المعلومات التالية عن رسالة هامة نشيرها اللورد Teignmoutin وكان William Jones قد بعث بها فى عام ١٧٨١  الى العلامة الهولندى Schutens . يقول Jones فى هذه الرسالة :

« لقد ترجمت دون أن أحذف بيتا واحدا معلقات أصحابنا العرب "Our Arabs" ، ( أو

عربنا ، كما يشير اليهم ) ، وأزمع أن انشرها فى الصيف التالى بمجموعها مع ملاحظات وبحث حول مآثر الجزيرة العربية القديمة ، ان بحوزتى تعليقات التبريزى ، كما اننى حصلت من كلية Trinity فى كمبردج على شرح الزوزنى وملاحظاته المقتضبة الممتازة ، ولدينا فى أوكسفورد نسخة Sadi الفارسية وملاحظاته عليها ، كما أن لدينا شروح الانصارى ، ونسخة عبيدالله الممتازة، الا اننى تواق لتمحيص جميع الطبعات والشروح . »

وفى مكان آخر ، أى فى ملاحظة تلي ما يدعوه Jones « بالاعلان ('Advertisement') عن طبعة عام ١٧٨٣ لمعلقاته ، نجد ذكرا لتعليقات التبريزى وان « مخطوطته مودعة لدى الناشر لارضاء غريزة الفضوليين . »

ان نسختى الزوزنى والتبريزى موجودتان فى مكتبة المتحف البريطانى فى لندن ، وقد تفقدتهما كما تفقدت ، حين كنت أدرس فى أوكسفورد، جميع النسخ التى يذكر Jones أنه استعملها فى مكتبة البودليان هناك . واذا ما اردنا تقويم ترجمة Jones للأبيات السبعة الاولى من معلقة امرىء القيس بالرجوع الى أصلها العربى وجدنا أن Jones يزيد فى ترجمته للبيتين الاولين وهما :

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

   بسقط الذوى بين الدخول فحومل

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

   لما نسجتها من جنوب وشمال

يزيد على ما فى هذين البيتين « خيمة الحبيب » ويعين المكان الذى كانت تقوم عليه خيمتها » .

واذا ما قارنا البيتين الثالث والرابع وهما :

وقوفا بها صحبى على مطيهم

   يقولون لا تهلك أسى وتجمل

وان شفائى عبرة مهراقة

   فهل عند رسم دارس من معول

اذا ما قارناهما بترجمة Jones لهما وبخلاصة معنى كل بيت منهما فى شرح الزوزنى ، خرجنا بنفس النتيجة الهامة السابقة وهى أن Jones لم يكن يترجم فى بعض الأحيان الا مجرد معنى الأبيات العربية وهى لا شك صعبة لغتها عليه ، ومما يؤكد لنا مرة أخرى صحة ملاحظاتنا عن طبيعة ترجمته انه يبتدع اطار العتاب والجواب Expostulation and Reply فى ترجمته  للبيتين الخامس والسادس :

كدأبك من أم الحويرث قبلها

     وجارتها أم الرباب بمأسل

اذا قامتا تضوع المسك منهما

     نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

مضيفا اليهما : (Thy condition, they replied...) وأيضا                       (Yes, I rejoined...)

قبل أن يترجم معناهما . ولا حاجة بنا الى القول انه ليس هناك من حوار على الشكل الذى يضع به Jones ترجمته لهذين البيتين .

كل هذه الملاحظات هامة لأن Tennyson تأثر بالمعلقات كما رآها وقرأها مترجمة ، فهو لم يكن ليستطيع قراءة النص العربى وان كان قد علم نفسه قراءة الفارسية برفقة Edward Fitzgerald رفيقه فى كمبردج وصديقه ومترجم تلك الرباعيات .

ومهما يكن ، فمن الأمور التى تستدعى الوقوف هنا برهة من الزمن قصة عنيزة وابن عمها بمعلقة امرىء القيس ، أو على الأقل تلك القرابة الشهيرة فى أدبنا بين أبناء العمومة . وهو أمر يعيدنى مرة أخرى الى قصيدة Tennyson والى المتكلم بها بالذات حيث هو الآخر يقص علينا قصته وابنة عمه فى Locksley Hall ، وهى قصة لا تتسم بالسعادة ، ومن العدل أن أسارع الى القول بأنه لا دليل لدي حتى الآن على أن Tennyson استوحى صلة القرابة بين    شخصى قصيدته من ترجمة Jones . وما لم يقم الدليل القاطع على وقوف Tennyson على فكرة القرابة هذه فى أى مصدر سبق عام ١٨٤٢ ، وهو العام الذى ظهرت به قصيدة Locksley Hall ، فستبقى هذه القرابة فكرة من ابداع مخيلة Tennyson

وقد تكون تعزى الى مجرد المصادفة ، ذلك لأن أكثر ما فى Locksley Hall هو أيضا محض ابداع فيما يتعلق باسم المكان وما يجرى به من حوادث، وما يجوب فى أرجائه من أناس . وما دمنا بصدد التحدث عن محض المصادفة فلنذكر هنا هذه الحادثة القصيرة التى يرويها لنا Tennyson نفسه . لقد حدث :

« أن كان طالبان يتمشيان معا فى كمبردج بعد أن كان هو نفسه قد غادرها ، فذكر أحدهما اسم Tennyson ، فأجاب الآخر : ( لا تذكر اسم ذلك الرجل . أننى أكرهه . اننى بطل قصيدة Locksley Hall البائس ، وقصتها هى قصة حبى وابنة عمى التى تعرفها كمبردج كلها حين كان Tennyson يدرس فيها فنظمها شعرا ) .

وفى هذا الصدد يعلق  Hallam Tennyson

ابن الشاعر على هذا الادعاء بقوله : « ان أباه لم يسمع لا بهذا الطالب ولا بقصته » ، مضيفا إلى ذلك ان الشاعر Rogers صديق والده قد ذكر أيضا أن فى القصيدة شيئا من حالته هو ، فقد كان يأمل فى الزواج من ابنة كانت كما يظن ذات عقل ولكن لم تلبث ان تزوجت شخصا وضيعا ، ولما مرت به بعد زواجها احمرت خجلا ، فقد أدركت عندها ما قد فعلت يداها .

ليكن ذلك ما يكون ، فالمهم أن جميع أبطال هذه الحوادث الثلاث غير سعداء لرفضهم من قبل من أحبوا . بيد أن الرفض الذى لاقاه بطل قصيدة Locksley Hall يذكرنا بالرفض فى قصيدة امرىء القيس ، كما ترجمها Jones ، حين « رفضته فاطمة فوق قمة ذلك التل الرملى وأخذت على نفسها قسما قالت انها لن تحنث به . »

وهكذا فان فاطمة و (Amy) كلاهما تخلتا عن بطلي قصتهما ، ولكن بينما تركت Amy ابن عمها « لتتزوج بهلوانا » كما يقول Tennyson ، وأثبتت أنها « مخادعة أكثر مما يستطيع خيال أن يسير غور خداعها ، مخادعة بأكثر مما حوته أغنيات الشعر ، وأنها دمية أمام تهديد والدها ومستعبدة للسان سليط » ، بينما هى كذلك فان فاطمة ، قامت بعملها فى يوم يسميه السير وليم ، « يوما بهيجا » . ولا حاجة بنا الى التأكيد هنا أنه فى الأصل العربى لا توجد مثل هذه البهجة ، فالشاعر العربى كما نعلم يسرد ما جرى له من حوادث وأثناء تعدادها يصف لنا كيف أنها « فى يوم من الايام ووراء التل الرملى أنكرته وأقسمت قسما لن تحنث به ! »

ان المعلقات العربية ، وهى التى أثبتنا أنها أعطت Tennyson فكرة Locksley Hall

لا تنقصها الأمثلة عن اهمال الأحبة والاستخفاف بهم . غير أن معلقة هامة بينها ، وهى معلقة لبيد ، هى فى رأيي المعلقة التى أوحت الى Tennyson بأكثر من غرض شعرى استطاع أن يستخدمه فى وصف طبيعة تلك الصلة بين شخصى قصيدته، فلنقل اذن كلمة قصيرة عن معلقة لبيد .

ان افتتاحية هذه القصيدة هى كما يقول Jones افتتاحية يمتزج فيها موضوع الحب بالمرئية ، وقد حازت على استحسان جميع النقاد لاحتوائها على معظم المواضيع التى تشكل العناصر التى لا بد من اجتماعها فى أية قصيدة من قصائد ما قبل الاسلام . وبين هذه العناصر كما أسلفنا ذكر الحبيب وندب فراقه وشكاية المحب من الأعراض عنه والوقوف على الاطلال والديار الدارسية. وهنا أود أن أذكر أنه أمكن لى تحرى وجود الوقوف على الاطلال والديار فى الأدب الانكليزى حتى فى شعر Chaucer أبي الشعر الانكليزى الذى توفى عام ١٤٠٠ م . فقد وجدت أن البطل Troilus فى كتاب Chaucer المسمى Troilus and Creseyde يندب حظه البائس بمخاطبته القصر الذى كانت تقيم به Creseyde بقوله :

O paleis desolat," O house, of houses whilom best y-night O paleis empty and disconsolat, O thou Lantérne of which queynt is the                                                light, O paleis, whilom day that now art night, Wel oughtestow to falle , and I to dye, Sin she is went that wont was us to gye!"

« أيها القصر الموحش ، أيتها الدار التى كنت تحملين فى الايام الخوالى أروع

الأسماء ، ايها القصر المبتئس الخاوى على عروشه ، وأنت أيها المصباح الذى يشع نورا غريبا ، أنت أيها القصر الذى حال الآن الى ليل مظلم بعد أن كان فى سالف العهد نهارا منيرا ، انه لحري بك أن تهوي وحري بى أن أزول ما دامت قد غادرت الديار من كان من عادتها أن تقود خطانا .»

وفيما يتعلق بهذا الغرض الشعرى بالذات فان Tennyson يستمده من Jones بالطبع ، تماما كما يعتمد اللورد Byon على Jones أيضا ( ومؤلفاته معروفة لديه ) وعلى نفس هذا الموضوع في المعلقات كما وجده أيضا فى شعر الشاعر الالمانى الخالد Goethe ، ذلك أنه يتراءى لى أن مطلع قصيدة Byron « عروس ابيدوس » (The Bride of Abydo'') الذى يتحدث عن الديار حيث عفت آثارها واندثرت أشجارها من الآس والسرو :

Know ye the land where the cypress and"                                                         myrtle     Are emblems of deed that are done in                                                their clime," هذا المقطع يبدو لى أنه متأثر بقول Goethe    "Kennst du das Land wo die Citronen                                                   bluehn?"

« أو تعرف تلك الديار حيث تزهر تلك الليمونات ؟ »

اذا عدنا الآن الى ما يذكره Jones بشأن هذه الاغراض الشعرية وهو بصدد ترجمته وتعليقه على معلقة لبيد، لوجدنا ما يلى : « ان الأبيات الخمس عشرة الاولى تتميز بالصور الرائعة البهية وانها مميزة للأسلوب والطريقة العربية فى النظم ( وهى مألوفة الآن لدى Tennyson ) كما أنه يليها عتاب الشاعر لنفسه او للصديق الذى

يصحبه في تجواله حول حماقة عاطفته نحو Nawar ( نوار عند لبيد ) التى اعرضت عنه والتى انتقلت خيمتها الى مكان كثير البعد . " وبعد أن ينسج لبيد وصفا مطولا لبعيره الذى سينقله بعيدا عن نوار هذه يعود اليها " ويجزى استخفافها باستخفاف مثله ، قبل ان يصف مرح حياته والمسيرات التى سينعم بها حتى في نابها عنه . "

انتهت ملاحظات Jones ، أما الأبيات التى يتحدث عنها ويترجمها والتى تتعلق بنوار فهى :

بل ما تذكر من نوار وقد نات

     وتقطعت أسبابها ورمامها

أو لم تكن تدرى نوار بأننى

     وصال عقد حبائل جذامها

تراك أمكنة اذا لم أرضها

     أو يعتلق بعض النفوس حمامها

ان مقارنة هذه الأبيات بما آلت اليه ترجمة ، لدى Jones ترينا أنه كان يترجم مرة أخرى فقط الاطار العام والأفكار التى تحويها الابيات بدلا من أن يترجمها ترجمة أدق ، وأعتقد أنه يلجأ الى ذلك خشية أن يضل الطريق ، اذ يبدو أن النص العربى كان صعبا عليه وغامضا ، وهو بصراحة صعب وغامض لدى الكثيرين من أبناء لغتنا وأدبنا ، ومع ذلك ففيه من التلميحات والايحاءات ما استطاع Jones أن ينسج حوله الكثير ، وفعلا ينجح تماما فى اشباع نثره ، نثر القرن الثامن عشر الانكليزى ، بزبدة وروح النص العربى من عهد الجاهلية ، رغم أنه يوجد هنا وهناك فى ترجمته الكثير من الروح التى يشتهر بها المستشرق الفرنسى Antoine Galland مترجم كتاب الليالى العربية عام ١٧٠٤ م ، وهى روح تضفى مسحة رومانطيقية على

كل نص تترجمه . و Jones مثله كمثل Galland من قبله يجهد جدا فى جعل ما هو نص  شرقى غامض نصا أوروبيا واضحا على حساب الدقة فى الترجمة . وهذا ينطبق بصورة خاصة على البيتين :

أو لم تكن تدرى نوار باننى

    وصال عقد حبائل جذامها

تراك أمكنة اذا لم أرضها

    أو يعتق بعض النفوس حمامها

ذلك لأن هذين البيتين يصبحان عند Jones :

١ - « ألا تعرفين يا نوار بأننى أبقى على عقدة المحبة كاملة أو اجذمها نصفين حسبما تكون : وفيه أو غير مخلصة ؟

٢ - واننى اترك دون تردد أية أرض لا توافق هواي حتى وان كان الحمام سيقبض نفسى فى الحال ؟ »

ومهما يكن ، فان صورة Nawar  هذه كما توجد في ترجمة Jones هى الأساس الذى ارتكزت عليه صورة (Amy) كما تخيلها Tennyson فى Locksley Hall ولكن على  شكل حالة أشد حدة فى أبعادها ، ذلك أن Amy « لم تبق على عقدة المحبة دون انفصام » لا بل انها اتبعت الطريق غير الوفي ، فمن حق البطل فى locksley Hall اذن « أن يزمجر » ويحتد . ولكن ما الذى بقي له من ذكرى من « اذا نظرت اليها أحببتها » ؟ انه ليذكر فقط واحدة أضحت لديه فى عداد الفانيات ، فهي «أبدا لم تحبه حقا » ، اذ « الحب فقط حب اذا خلد » . وحينما يعزيه صحبه ويوحون اليه بأنه مرتاح البال الآن ، فانه ينغمس فى الشكاية من حال أحبطت فيها آمال شبابه واندثرت ، وهى حال ندرك مرارتها لديه اذا علمنا ان كل هذه الشكوى تفضى بالبطل الى القرار

النهائى الذى يتخذه فى البيتين : "Am I mad, that I should cherish that   which bears but bitter fruit?  I will pluck it from my bosom, tho'      my heart be at the root."

هل جننت لأتعلق بذاك الذى لا يحمل غير ثمر مر ؟     سأنتزعه من بين جنبى ولو كان قلبى فى جلوره . »

مما لا شك فيه أن رد فعل بطل Locksley Hall  ازاء تصرف Amy مصوغ بلغة أشد عنفا مما يتوقع من مجرد مترجم مثل Jones ان شاعرا مثل Tennyson لهو حر فى ارخاء العنان لمخيلته ولبطله للاسترسال فى وصف حاله البائسة بأية تعبيرات يستطيعها . ومع ذلك تبقى الحقيقة مائلة أمام أعيننا ، وهى أن قصة نواركما اطلع عليها Tennyson  فى ترجمة Jones قد حوت الخطوط العريضة لموضوع مودة حالت به نوار عن العهد وخارت عن الوفاء به ، كما حوت فوق ذلك أن الشاعر العربى قد أعد خطة ليستطيع بها نسيان ماضيه غير السعيد فاتخذ قرارا بأن صلة مغرورة كهذه يجب جذمها دون تردد « اذا ما ترنح وتداعى وفاؤها . » وقد رأينا أعلاه أن الشاعرين العربى والانكليزى ، يختلفان فقط فى فردية قرارهما وموقفهما فذلك أمر طبيعى لاختلاف بيئتيهما ومجتمعيهما وطبيعة شاعرية كل منهما . ولكن هناك قاسما مشتركا بين Jones و Tennyson فى كل مقارنة أوردتها   حتى الآن .

والمقارنات يمكن بعد أن تتوالى ، فما ان يبدأ بطل Locksley Hall بتوبيخ نفسه للوقوع فى حبائل حب هزيل يخجله ، حتى يوقظه « صحبه المرحون... بنغمات بوقهم»

وهو ما يشير بشكل خفي الى عدد من الصائدين على البعد بجوار Locksley Hall ، الامر الذى يبدو لى وكأنه صدى لما فى ترجمة معلقة امرىء القيس ، حيث نجد أنه بعد الوصف المطول لفرسه يأتى الشاعر الى ذكر « مطاردة فى الغابة » يعقبها « احتفال بالمصيد مما أردته الحراب » . وهنا نعود قسرا الى مطلع قصيدة Tennyson حيث رأيناه يجعل بطله يرجو بعض صحبه أن يتركوه فى Locksley Hall « ما دامت الدنيا لا تزال صبحا » . وهو مطلع أراه حقا صدى أكيدا لهذه الفقرة فى ترجمة Jones :

Often...have I risen at early dawn," while the birds were yet in their nests, and mounted a hunter with smooth short hair, of a full height, and so fleet as to make captive the beasts of the forest."

ولكن عندما نصل فى القصيدة الانكليزية الى قول Tennyson : "Hark, my merry comrades call me   sounding on the bugle - horn.  They to whom my foolish passion were a target for their scorn,"

عندما نصل الى هذا القول ، نحن فى الواقع نسمع أصداء من ترجمة Jones لمعلقة امرىء القيس حول « عاطفة الرجال العمياء » نحو من يحبون، وحول « تحذيرات ناصح مكتئب ، شديد فى عذله لهم على عاطفتهم تلك » . ولكن بينما لا يأبه امرؤ القيس، لمتاب صحبه، فان الوافد على Locksley Hall يرسل بعد استنكاره العنيف  لسلوك المرأة وبعد أن يدعوها « بالرجل الأقل » ، يرسل زفراته ويتوق « الى ملجأ بعيد فى ذاك الشرق حيث بدأت حياته تنبض » . وبذا فانه كالشاعر لبيد يفصح

آخر الامر عن رغبته فى أن « يهجر دون تردد تلك البلاد التى لا توافق هواه » .. والشرق بالنسبة اليه هو المنتج المستحب ، ففيه يأمل أن ينسى « ذاك الذى لا يثمر غير ثمر مر » وأن « يتجول بعيدا من جزيرة لأخرى على مداخل بزوغ النهار . »

ثم اذا عدنا مرة أخرى الى مقدمة ترجمة Jones لمعلقة امرىء القيس ، نجد أن  الشاعر العربى يورد « بعد هطاردة الصيد فى الغابة .. عاصفة من برق ومطر عنيفين»

كما نجد انه « يصف زخة مطر وسيل أضحى يسح حول جوانب الجبال القريبة»، وانه بعد أن « هرع صحبه للاحتماء من العاصفة بلغت هذه الدراما نهايتها بشكل فجائى . »

ان هذه العاصفة المفاجئة موجودة فى قصيدة Tennyson وهى تحدث فجأة بعد أن يقرر بطلها أن يبدل أحبابا وأوطانا ، وأن يعيش حياة فاضلة بعد أن صحا الى أن عنفوان هلال حياته لم يضمحل بعد وأن ينابيع قريحته ما زالت تعمر كل خيالاته . » وفى هذه اللحظة بالذات يقطع Tennyson  حواره وينهيه بمقطع ينذر بالعاصفة ويعطى منظومته التى تصف أيضا الحياة الريفية انعطافيا دراميا ، اذ يودع Locksley Hall بأبيات فيها معظم الافكار المذكورة أعلاه فى ترجمة Jones :

Howsoever these things be, a long" farewell to Locksley Hall! Now for me the woods may wither, now for me the roof - me fall. Comes a vapour from the margin, blackening over heath and holt, Cramming all the blast betors it, in its breast a thunderbolt.

Let it fall on Locksley Hall, with rain or hail, or fire or snow; For the mighty wind arisea, roer- ing seaward. and I go."

الى جانب فكرة العاصفة ، نجد فى هذه الأبيات أصداء من البيتين السادس والستين والثامن والستين من ترجمة Jones لمعلقة امرىء القيس ، ففيهما توجد « السحابة البعيدة .. والغيوم التى تكفهر فوق الشجر والغابات ، ولا تتوقف عن سح مائها فوق كتيفة حتى يطرح أرضا سيلها الجارف أشجار الكنهل العظيمة . » ويلاحظ هنا ان امرأ القيس أيضا ينهى معلقته بعد هذه العاصفة وبعد أن يصفها وصفا حيا . وكأنى بتنيسون اذن وهو مدين الدين الكثير لمعلقاتنا ، حتى فى بعض التعابير والأصداء الكلامية بعينها مما استعاره من جونز واستخدمه وزاد عليه .      واذا جاز لى أن أورد من الأمثلة أكثر مما أوردت فاننى سأورد مطر السحابة المشار اليها فى البيت :

وألقى بصحراء الغبيط بعاعه

      نزول اليمانى ذى العياب المحمل

ان هذه السحابة وهى لدى Jones « تلقي حملها فوق صحراء الغبيط كما يلقى التاجر اليمانى بالاته من القماش الثمين حين يترجل » ، هذه السحابة يستعملها Tennyson فى سياق تجارى أيضا ، ولكنه  مختلف ، بحيث تظهر كلمات Jones وهى :

(alighting with bales of rich apparel) فى البيت الذى يتحدث فيه Tennyson عن رؤاه للمستقبل ومن فيه ممن يسميهم : Pilots of the purple twilight, dropping" down with costly bales." ومثال آخر عن الأصداء الكلامية التى

خلفتها ترجمة معلقة امرىء القيس فى قصيدة Locksley Hall يتعلق بالببت :

اذا ما الثريا فى السماء تعرضت

              تعرض أثناء الوشاح المفصل

اذ يصبح هذا البيت فى ترجمة William Jones « وكان الوقت ساعة بزوغ الثريا The pleiads من السماء كثنايا وشاح حريرى ترصعه الجواهر . » أى :

It was the hour, when the Pleiads ap-" peared in the firmament, like the folds of a silken sash variously decked with gems,"

وهو ما يصبح لدى Tennyson : "Many a night I saw the Pleiads, rising thro' the mellow shade,, Glitter like a swarm of fire-flies tan-  gled in a silver braid."

لقد أسلفنا أن Jones  كان يترجم الأصل العربى كما يورده « شرح الزوزنى وملاحظاته الممتازة » . على أن ما أخذه Tennyson من ترجمة Jones من أفكار وايحاءات وتلميحات لم يتبعه بخنوع وحرفية . اذ كان فى الواقع يستقي من Jones ما يحتاجه بشكل جريء ، مغيرا ومبدلا بمهارة مدهشة جميع ما كان يستقيه جاعلا اياه أحاسيس انكليزية وتعبيرات تتساوق وتنسجم تماما مع الحركة الرومانطيقية ومصطلحها فى القرن التاسع عشر . كان يقولب مادته الشرقية بحيث تصبح كلا متكاملا خاصا بتنيسون وروحه الشعرية ، مما يجعل Locksley Hall تبقى منجزا أدبيا فرديا  يطفح ( بالاضافة الى أشياء أخرى ) بروح حياة الشباب ، جانبها الحسن ونقائصها وتطلعاتها وآمالها . ومع أن (Amy)

وقصتها خياليتان ومن ابتداع خيال رومانطيقى ، الا أن القصيدة هى نتاج شاعر مرهف الحس ، حديث السن . له طبيعة عاطفية « فالشعراء والروائيون مهما كانوا دراميين فى قصصهم فانهم بشكل أكيد يصوغون أنفسهم فى نتاجهم الفكرى»، كما يشهد بذلك Tennyson نفسه . وهذا لا يعنى أننا ننكر أن Tennyson  مدين للمعلقات التى وضعها Jones فى متناول يده ، ولكننا نريد أن نقول ان مجرد تلميح أو ايحاء كان يقع عليه فى هذا المصدر ، كان كافيا ليحدث الشرر فى خياله ويورى قريحته ، فكان ان نجم عن ذلك قصيدة أكثر رومانطيقية وبهاء رومانطيقيا من الهالة الرومانطيقية التى أسدلها Jones على ترجمته ، قصيدة هى فى الواقع كل متصل أكثر رومانطيقية ورواه رومانطيقيا متصلا مما يمكن أن يخرج به الفرد العربى من قراءة معلقاته ، زد على ذلك ان Tennyson كان يأخذ من Jones ما يستطيع أن يلائمه لأغراضه الفردية وما يستطيع أن يطوره على طريقة عصره الفكتورى، فكان ان أبرز بصورة رئيسية ملامح هذا العصر وروحه .

أما لماذا لم يطور Tennyson ما استعاره من ترجمة Jones بحيث يجعل من قصيدته شيئا تغلب عليه ملامح عصر ما قبل الاسلام وجوه العام ، فذلك لان صوته كممثل لعصره كان الى حد بعيد صوت شاعر له رسالة شعرية ، اذ يبدو لنا أن ما كان يشغل باله هو أن يصوغ أفكاره ، المستعار منها والاصلى على شكل تفكير روحانى ذى منطلق الى مملكة الايمان . وهذا ينسجم مع موقفه كشاعر ظل يعبر صوته عن روح بريطانيا منذ صدور المجلد الشعرى الذى ظهرت به قصيدة Locksley Hall عام ١٨٤٢ .

والآن كلمة أخيرة عن القافية والوزن الشعرى ولا سيما الوزن الطويل للمعلقات . يميل بعض النقاد إلى الاعتقاد بأنه الى جانب ما أخذه Tennyson من أفكار المعلقات فقد حاكى أيضا البيت الطويل الذى جاءت عليه بعض هذه المعلقات . وأنا أميل الى الاعتقاد بأنه كانت لديه دوافع قوية للقيام بذلك . فنحن نعلم أن William Jones لم يترجم المعلقات ترجمة فقط ، بل انه أورد الى جانب ترجمته لها نصوصها العربية مكتوبة بالحروف اللاتينية ، بحيث ان Tennyson  وغيره استطاعوا الاطلاع على المعلقات فى اصلها العربى ولكن بالكتابة الانكليزية وعلى نفس ترتيب أبياتها : أى حفظ شقى البيت، بحيث تظهر القافية العربية وهى تتكرر فى الشق الثانى من كل بيت . ثم أن Jones يناقش فى مقدمته لترجمته أوزان المعلقات السبع ويذكر ان ثلاثة منها أى معلقة امرىء القيس ، ومعلقة طرفة بن العبد ، ومعلقة زهير بن أبى سلمى هى على « الوزن الاول المسمى بالبحر الطويل » ، قبل أن يورد شرحا لهذا الوزن مفسرا اياه بما يشبهه فى اللاتينية :

هذا هو الشطر الاول . وغنى عن القول ان الشطر الثانى يكون مثله عادة مع التسليم ببعض الزحافات ، وبعبارة أخرى فان Tennyson وغيره رأوا البيت .

قفا نك من ذكرى حبيب ومنزل

   بسقط اللوى بين الدخول فحومل

رأوه بشطريه وكل منهما ذو تفعيلات

أربع . أى أن البيت الكامل ذا الوزن الطويل ظهر لهم فى ترجمة Jones بتفعيلاته الثمانية أو ما يوازى بالشعر الانكليزى ما يدعى ( trochaic metre ) بتفعيلاته الثمانى  المسماة ( feet ٨ ) . واذا تأملنا قصيدة Locksley Hall نجد أنها منظومة على هذا  الوزن وان كل بيت من أبياتها طويل بحيث يحوى ثمانية تفعيلات :

ثم ان Tennyson لا بد أنه رأى أن شطرى البيت الأول لكل قصيدة فى ترجمة Jones ينتهيان بنفس القافية اى ( ل = Li) مثلا كما هو مبين فى البيت التالى وكما أورده Jones بالحروف اللاتينية :

- Kifa nebci min dhicrai hhabeibin wa"       menzili bisikthi alliwai baina aldahhuli fah-      haumeli

وقافية هذا المطلع بشطريه تشبه قافية ما يسمى بالانكليزية (couplet form) حين تتكرر دائما قافية مختلفة لكل بيتين اثنين على مدى القصيدة الانكليزية، وقصيدة Locksley Hall منظومة بتفعيلات ثمان ، فى  كل بيت من أبياتها وتتبنى نظام (couplet form) وفى هذا الصدد يجب أن نذكر ان من المعروف ان اسهام Tennyson عظيم فى مجال . تطور الوزن الشعرى الإنكليزى وماسمى (trochaic) ولا سيما فيما يسمى  eight foot I nes curta'led)

أو ما هو الآن الوزن المبتور المعروف بوزن لوكسلى هول أو (Locksley Hall metre) وصحيح ان Tennyson يذكر ان الانكليز يحبون الشعر المنظوم بأوزان الـ Ivochaic ولذلك نظم قصيدته على هذا الوزن . ولكنه يبدو لى أن تقليده البحر الطويل فى شعرنا لم يكن حادثة منعزلة ، وأنه لم يكن وحده فى هذا الحقل ، اذ نستطيع هنا ان نستند الى ملاحظة Sir Charles Lyall فى كتابه الذى ظهر عام ١٩٣٠ تحت عنوان ترجمات فى الشعر العربى القديم يقول Charles Lyall « اننا باستمرار نجد فى قصيدة Robert Browning المسماة 'Abt Vogler'  أبياتا تفى بمتطلبات ما يمكن أن يسمى ( English Tawil ) وعلى هذا يعلق صائبا  البروفسورAaberry بقوله «ان هذا يذكرنا بالمدى الذى ذهب اليه الشعراء الفكتوريون ومن بينهم Tennyson ، فى توسيع نطاق العروض الانكليزى ليشمل أيضا الأنغام الشعرية المكتشفة حديثا فى منجزات الشرق الادبية » . ومن هذه الانغام الشرقية المكتشفة حديثا والتى أوصلتها الى الغرب ترجمة Jones للمعلقات ( وترجماته الفارسية أيضا ) بشكل مباشر وفعال ، نظام القافية العربية الذى لا يتغير والذى نقله Jones كاملا بالرغم من العديد من القراءات الخاطئة التى وقع فيها أثناء عملية النقل . وبالطبع فان Tennyson لم يكن ليستستطيع رؤية هذه  الاخطاء، ولكنه لا بد أنه رأى أن ما فعله Jones هو تحويله لكل بيت عربى بشطريه الى ما يشبه البيتين باللغة الانكليزية ، حيث ثانيهما فقط هو الذى يتمتع بالقافية الواحدة التى لا تتبدل من أول القصيدة العربية الى آخرها ، وهذا أمر أيضا حاكاه

Tennyson فى شعره ، وهو بحث يطول  ويدخلنا فى موضوع طويل هو محاكاة الغرب لهذا النوع من النظم الشعرى الشرقى ولا سيما السير على منوال قافية القصائد الشرقية ، وهو أمر نجده فى شعر الكثيرين من الشعراء والمترجمين الاوروبيين فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بدا بوليم جونز  William Torrens الانكليزى ، و Goethe  الالمانى ، وانتهاء ب Robert Brownin, William Trackray,                                    George Borrow

و Tennyson طبعا . وآمل أن أستطيع  نشر هذا الموضوع بالانكليزية بالتفصيل قريبا ، وسأكتفى هنا بايراد مثال واحد فقط على شكل أبيات قليلة من قصيدة Tennyson الطويلة وعنوانها (Maud) ،  حيث تتكرر القافية الواحدة على النمط الشرقى الذى نتحدث عنه . وسأضع خطا تحت القافية المتكررة كما هو مبين أدناه . وأما القافية فى نهاية البيت الاول ( one ) فهى طبعا غير ضرورى تكرارها لا فى الشعر الانكليزى ولا فى الشعر العربى ، ولذا فهى لا تمثل عرفا متبعا يمكن أن يدحض ما نقوله عن أثر قصائد الغزل الشرقية فى أبيات Tennyson التالية :

I said to the lily, 'There is but one" With whom she has heart to be gay. When will the dancers leave her alone ? She is weary of dance and play.' Now half to the setting moon are gone. And half to the rising day; Low on the sand and loud on the stone         The last wheel echoes away."

اشترك في نشرتنا البريدية