ديوان " نجوم على الطريق " للشاعر التونسى الشاب جعفر ماجد ، صدر عن الدار التونسية للنشر ، فى تونس ، عام 1968 ، فى 150 صفحة من القطع الوسط ، ويشتمل على خمس وخمسين قصيدة فى مواضيع وألوان شعرية مختلفة ، تجمع بين الوطنية ، وقصائد الحب ، والالم ، والحنين ، والتغنى ببطولات المناضلين للحرية .
وصاحب هذا الديوان ، الشاعر جعفر ماجد ، مولود فى القيروان عام 1940 ، فهو ما يزال فى الثلاثين من عمره ؛ وقد توفى والده وهو ما يزال فى السادسة من عمره ، فعاش فى كنف والدته وأقربائه ، وأكمل دراسته الابتدائية والتكميلية فى القيروان ، ثم التحق بدار المعلمين ، ثم بالجامعة التونسية التى نال منها الاجازة فى اللغة والآداب العربية عام 1963 ، وسافر بعدئذ الى فرنسا حيث التحق بجامعة السوربون ونال منها شهادة التبريز عام 1965 ، وعاد الى نونس يعمل فى مدرسة الاساتذة المساعدين التابعة للجامعة التونسية .
بدأ جعفر حياته الشعرية مبكرا ؛ وكانت مجلة " الفكر " ، التى انشأها الأديب محمد مزالى فى تونس منذ أكثر من خمس عشرة سنة ، الميدان الذى راحت تظهر فيه قصائد جعفر ، وعن طريقها أخذ اسمه يبرز بين الشعراء التونسيين الموهوبين . وعن طريق " الفكر " نفسها عرفت شعر جعفر ، ثم عرفت جعفر نفسه عام 1966 ، حين دعيت للمشاركة فى مهرجان أبى القاسم الشابى فى تونس ، ثم حين عدت الى تونس بعد المهرجان بمدة قصيرة لالقاء عدة محاضرات فى مختلف الولايات التونسية .
ان جعفر الذى عرفته فى شعره هادىء الشعر ، ناعم العبارة ؛ وجعفر الذى عرفته شخصيا بعد ذلك انسان هادىء الطبع ، رقيق المعشر . فهو وشعره على وفاق تام ، وعلى صورة واحدة محببة ، قريبة الى القلب .
لديوان جعفر مقدمة جميلة كتبها الأديب محمد مزالى ، صاحب مجلة " الفكر " ومؤسسها . وفى هذه المقدمة يقول مزالى :
" ان أول ما يستوقفك عندما تتصفح هذا الديوان متانة ثقافة الشاعر وعمقها . ولئن توافر لجعفر ماجد ان يسيطر على اللغة العربية ، ويفقه خباياها وأسرارها ، ويروضها فيجعلها طبعة للمعانى ... بفضل ما أخذه عن شيوخ القيروان وأدبائها الافذاذ ، وما استقاه من مجالسها الادبية الحافلة ، وجوها الثقافى المنعش ، فانه يعد من الشعراء القلائل الذى حذقوا لغة حية أجنبية - الفرنسية - واستطاعوا بها أن يتصلوا مباشرة بالثقافات المعاصرة ، والحضارة الانسانية فى مختلف أطوارها ؛ والاخذ بالعلوم والفنون الحديثة " .
ويقول مزالى كذلك فى المقدمة : " واذا كان من حقك على جعفر ماجد ان تحبه أو أن تكرهه ، وأن تقبل على شعره أو تدبر عنه ، فان من حقه عليك أن تعترف له بالصدق فى الانفعال ، بالصدق فى التعبير ، بالصدق فى الرأى ، وبالصدق فى الرؤيا " .
والواقع أن محمد مزالى قد أنصف الشاعر جعفر ماجد ، ووفى شعره حقه من التحليل والتقدير . وجعفر ماجد جدير بما قاله فيه مزالى ، وقد استطاع أن يحتل مكانه الشعرى الممتاز بين شعراء تونس المعاصرين ، كما استطاع أن يحتل مكانته فى قلوب من يعرفونه بخلقه الوديع ، وشخصه اللطيف .
أول ما تلقاه فى ديوان جعفر ماجد قصيدة بعنوان " ماذا أريد " يتساءل فيها عما يريد فى الحياة ، وعن الغاية التى يحيا لها ؛ فيرى أنه يحيا " على حلم ... أبدا يطير مهفهفا فى اللامقر " فيقول فى حيرة :
لو كنت اعرف بدأه لو كنت أعرف منتهاه !
فى كل طيب ريحه قى كب يوم ما يحلو أراه
لكنه شئ غريب ليس لى الا هواه
شئ بعيد كالقريب وحاضر مثل البعيد
أحيا له كالطفل يـحـ ـيا للدمى فى ليل عيد
وعلى فمى هذا السؤال أعيده : " ماذا أريد ؟ "
ثم يلى ذلك ثمانى قصائد فى القيروان - المدينة التاريخية العريقة التى ولد فيها الشاعر - فى حبها ، وتذكر عهد الطفولة والصبى فيها ، والحنين اليها ، والتغنى بأمجاد تاريخها . وفى هذه القصائد حب صادق ، ولهفة عميقة ، واعتزاز شديد . ومما يقوله فى القصيدة الأولى ، بعنوان " أنا والقيروان " :
لأنت جمال الحياة بعينى وفاتنتى قبل كل الغوانى
أنا بذرة فى ثراك الخصيب رضعت بثدييك سحر البيان
اذا كنت يوما بنفسى فخورا ففخرى يعود الى القيروان
فى القصيدة التالية يقول :
انا قد كفانى اليك انتسابى ويكفيك للمجد أن تنسبى
وهل تقلب الحبر نورا دواتى اذا لم تصوغى ولم تسكبى ؟
فى الديوان قصائد عديدة قوية وجميلة تستحق أن يقف القارئ عندها ، ولكن من أقوى قصائد الديوان قصيدة " جيل الثورة " التى نظمها الشاعر بمناسبة العيد العاشر لاستقلال تونس - ويبدأها بقوله :
لك يوم من الزمان مخلد وحده فى الزمان لا يتعدد
كتب الله نوره يا بلادى فى جباه يشع منها فتعبد
حفرته على الجباه وصايا ألف شمس لهيبها يتوقد
فطلعنا على الحياة بوجه ابت النار أن يخر ويسجد
لفحتنا الشموس فى كل درب ورآنا الشتاء أقوى واجلد
هذه الأرض ، نحن كنا عليها فى الليالى العجاف نشقى ونسعد
قد غرسنا دموعنا حين جاعت ومددنا ظلالنا لتبرد
ووهبنا لها الشباب لتحيا وعلى ذلك الجماجم تشهد
فاذكرونا اذا جنيتم ، وقولوا " ان يوم الحصاد أحلى وأرغد " !
ومثل هذه القصائد فى قوتها وجمالها قصيدة " فى صقلية " التى يقف فيها الشاعر بين آثار الماضى العربى فى جزيرة صقلية ، فيتحسر على المجد الذى زال ؛ وكان عرب تونس من صانعيه حينذاك . ألم يخرج أسد بن الفرات وجيشه العربى لفتح الجزيرة من القيروان نفسها - مدينة الشاعر - ؟ فكيف
لا تثور فى نفسه الذكريات الأليمة وهو يذكر ذلك بين الآثار العربية العديدة التى تملأ الجزيرة الى اليوم ؟ انه يبدأ القصيدة بقوله :
سل الأطلال ، هل نسيت جدودى ؟ ولا تخش اتهامك يا قصيدى !
ويقول فيها :
محاريب المساجد لو تراها تشب النار فى قلب الجليد
كأن لها على العرب اغتياظا فلم تكتم صدى الأمس البعيد
وخير لو محاها الدهر محوا فيطوى عارها طى البنود
وما كانت صقلية ختاما وما زلنا كأشتات العبيد
أما قصائد الحب والألم ، والوصل والصد ، ففيها الكثير من الرقة ، كما ان فيها معانى كثيرة الورود فى شعر الشعراء . ولست أحد المجال متسعا للمضى فى الحديث عنها .
على ان هناك نقطة أرى أن لا أغفلها فى هذا الحديث ، وهى أن ما فى شعر جعفر ماجد من جمال وقوة ، لم يمنعه من بعض القوافى القلقة فى بعض قصائده . من ذلك قصيدة " فى ظلال القيروان " التى جاءت كل قوافيها ثقيلة وخالية من الشاعرية . وهناك قصائد أخرى لم تسلم بعض قوافيها من الثقل .
ولعل من القصائد التى وفق فيها الشاعر معنى وصياغة ، قصيدة " الى مراهقة سمراء " التى يبدأها بقوله :
ان كان يرضيك أن تحصى ضحاياك فليهنك اليوم أنى بعض قتلاك
حملت حبك فى عينى كما حملت دفء النعاس وعمق الليل عيناك
ما الحب الا حلول الله فى بصرى
وهل تحب جميلا عين أفاك ؟
هذه كلمة عجلى فى ديوان " نجوم على الطريق " للصديق الشاعر جعفر ماجد ، فى انتظار ما سيأتى من دواوينه المقبلة .

