تفتح روض أدب الورغى (1) بتونس فى مستهل العصر الحديث فى فترة عصيبة من تاريخ تونس عند ما كانت هذه البلاد تعبث بها أعاصير الشهوة على السلطان ويشتد فيها النزاع ويستفعل فيها نهم البايات على استغلال تونس لفائدتهم ولا يهمهم من أمرها الا اشباع نهمهم.
وقد حملت الانانية المفضوحة حسين بن على مؤسس الدولة الحسينية بتونس سنة 1117 على تحويل ولاية العهد من ابن أخيه على باشا ابن محمد تركى الى ابنه محمد الرشيد .
وكان حسين بن على على قبل ذلك قد عنى أشد العناية بتثقيف وتهذيب وتأديب ابن أخيه على باشا وتوجيهه الى المعرفة فى ريعان عمره وشرخ شبابه حتى أصبح ولوعا بالمعرفة ناهيك أنه أقدم على شرح التسهيل لابن مالك فى قواعد اللغة العربية فيما بعد ولم يصده السلطان عن التغريد على قنن العرفان ولم تسب فؤاده الخرد الحسان عن المطالعة والدراسة ومسامرة الادباء والتحليق فى تلكم الاجواء .
ولما شعر على باشا بما حيك حوله من المؤامرة وأيس من عطف عمه حسين ابن على التجأ الى جبل وسلات سنة 1140 واعلنها ثورة حصدت البلاد وطحنتها وانتهت بقتل عمه حسين بن على سنة 1153 فى خبر طويل والتجأ أبناء حسين ابن على محمود ومحمد وعلى يتمسحون بالاعتاب ويقفون بالابواب ويستنجدون بأتراك الجزائر ويتربصون الدوائر بابن عمهم على باشا الذى اقتعد عرش البلاد التونسية بعد أن شردهم تحت كل كوكب .
فى هذه الظروف العصيبة كان الورغى بلبل البلاط الباشى الغريد والمتفنن بأطراف البلاغة المجيد فى شعبها المتحلى بافانينها فصاحة مندفقة وبيانا فياضا رائعا زخارا نثرا ونظما طوق به جيد تونس على مدى الاعصار ولم يضاهه شاعر فى البلاد العربية على ما اعهد فى ذلك العهد فى حسن السبك وبلاغة التعبير وجزالة اللفظ وطلاوة الاسلوب ومتانة التركيب وحصافة المعنى ورقة المنزع ولقد جمع فى شعره بين الفخامة والرقة ومن العجب أن يجتمعا فى شعر شاعر ولكن الورغى البليغ عرف كيف تفنن فى ذلك ، فاذا قرأت له فى وصف المعارك قصيدا خيل اليك كأنك تقرا للمتنبى وكانك حاضر فى المعمعة. ... تشاهدها عن كثب والشاعر يؤزك ازا ويحدو بك الى موطن الحماس فتندفع بدون شعور وراءه وهو يزار كأنه الاسد الرئبال ويرفع عقيرته قائلا:
بين الظبا والعوالى ترفع الرتب ولا ترى راحة ما لم يكن تعب !
ومن تسامى الى أمر عز مطلبه ولم يقم غازيا لم يدنه الحسب
شتان بين ثقيل الجنب منبطح وظافر فى لظى الهيجاء يضطرب
قد كابد السيد الباشا فما قعدت به الدواعى ولا أزرى به النصب
واستسهل الصعب فى تسهيل واجبه حتى قضى فى العلا كل ما يجب
فأى منزلة فاتته صهوتها أو رتبة لم يكن فيها له خبب
سل طالع الافق عن مرمى مواطئه تدر منازله الآفاق والشهب ...!
الى آخر القصيد الذى طال فيها الوصف وابدع فيها الرصف وأحرز بها قصب السبق ولم يشق له مقلدوه فيما بعد غبارا ومن قصائده فى هذا المنحى الغريب الذى أعاد به للادب العربى فى هذا العهد قوته ومتانته القديمة فى حكمة طريفة ومثل سائر ظاهر به أبا الطيب المتنبى فى سبكه وحكمته ودقة وصفه وغزارة طبعه وجودة شعره واربى عليه لان الورغى جاء فى عصر تضاءلت فيه العربية اذ ذاك وخمد صوت أدبها ولم يبق لها بالبلاد العربية الا الطلل الدارس بين العرصات والمدارس فكان الورغى يرفع راية الادب باليمين بتونس التى تنفس فيها الادب الصعداء فى عصر الاتراك الذين هجروه عندما جهلوه
ولا يكاد الورغى يغادر موضع المعترك ويعود الى الحاضرة حتى يعاوده مرحه ويرق طبعه وتصاحبه الى منتزهات العاصمة فاذا هو يشدو شدو العندليب فيحاكى ابن هشام القرطبى فى وصفه لمنتزهات قرطبة فى قصيده الذائع الصيت المعروف عند الاندلس ب( كنز الادب ) الذي مطلعه " يا هبة باكرت من نحو دارين " ويقول الورغى فى هذا الصدد : ( فى وصف منتزهات تونس )
باكر صبوحك ليس الوقت بالدون واجعل صبوحك عند باب سعدون
واصحب الى الانس جذلان الفؤاد اذا أطفت حمياك نار الصعب باللين
ماذا التوقف عن عيش تسر به وقطع آنك فى حدس وتخمين
فاخلع عذار التوقى من عواقبه ما الحزم تركك قطعيا لمظنون
اما ترى الروض قد القى السحاب به على طريق الغوادى أى بزيون
قد وشحته فنون النور وانبسطت على خمائله ظل الافانين
كأنما قزح لما تقوس فى ارجائه رشه من كل تلوين
وقف هنا بأبى فهر الجليل فقد مضت به دولة الشم العرانين
ترى الحنايا كسطر النخل مد به بعض لبعض كمحنى العراجين
أو خرد نهضت للرقص فاعتنقت كى لا تجئ برقص غير موزون
ولست صاحب ظرف ان مررت على مرسى الظريف ولم تنزل الى حين
والعبدليات تحكى فى تصنعها حرائرا جئن فى غنج وتزيين
وما مقيم لدى الافيا بسكرة على القلالية الغنا بمغبون
ولو وقفت بقلمرت التى جمعت شطوطها بين مرعى الظب والنون
ومل لمنوبة وقت العشى اذا فاح الاصيل بها بين البساتين
وانظر الى القصر والاخرى تناظره مثل البيادق طافت بالفرازين
والطير تصدح فى حافاتها زمرا جموع عجم أتت بعض الدواوين
ورح الى رادس العليا وقبتها بين البساتين تبدو مثل باشين
حتى اذا ما قضيت البعض من وطر ورمت ايقاع فرض بعد مسنون
فاركض الى ضحوة المركاض وانس به ما كان عندك من وحى الشياطين
واحضر عشية باب البحر مغتبطا فربما نفست عن نفس محزون
اما ترنجحة فهو البر لو سلمت ساحاتها العز من لسع الثعابين
وارجع الى البيت من باب المنارة أو باب الجديد الى سوق الرياحين
الى آخر الوصف الرقيق الدقيق الذى ينبعث عن روح وثابة مرحة بل كاد شعره يجرى مجرى الامثال لجزالته وروعته فيقول :
هو العز فى سمر القنا والقواضب والا فما تغنى صدور المطالب
ومن زاحف الاخطار أحمد غيها فاما بنصر أو لدفع المعاطب
لو كان احراز الفضائل هينا لساد بمحض قول من لم يضارب
ويدور الزمان دورته فاذا ( على باشا ) يسقط قتيلا صريعا بين يدى أتراك الجزائر الذين هاجموه بقضهم وقضيضهم سنة 1169 ه . ويتقدم الورغى الشاعر الوفى الى رثاء مولاه وتدوين ما يكتب على صخور قبره فى الابيات التالية :
مضت دولة الباشا على كأنه من الدهر يوما فى الولاية ما عاشا
أتته المنايا وهو فى عظم قوة وجيش قوى مثله قط ما جاشا
وصار دفينا بعد ما كان دافنا فقلت وقد أرخته دفن الباشا
ولم يكد ينتصب محمد الرشيد بن حسين بن على عرش أبيه المتصدع المتضعضع بوسائل الحزى والعار التى شرحها التاريخ التونسى شرحا مخجلا فاذا الشاعر الاديب محمد الورغى يصفد فى الاغلال ويضرب بالسياط ويرمى به فى قعر السجون بدعوى أنه كان يحرض بشعره الباشا عليا على أبناء حسين ابن على فيصادر وينكل به ثم يشمله العفو فيما بعد ويخرج من سجن البايات مملقا سليبا حزينا كئيبا ثم يسمح له برد شئ من امواله ولكن الناس يتعصبون عليه ولا يسمحون لانفسهم ان ينقلوا أدبه فضلا عن حفظ اشعاره او التنويه باثاره ... حتى أن المؤرخ التونسى احمد بن ابى الضياف حشر فى تاريخه بعض قصائد الورغى لم يتمالك عن تدوين الملاحظة الآتية قائلا فى حسرة وارتماض :
" انما نقلنا هذه الاشعار البليغة ( أى أشعار الورغى ) لان بعض الادباء يتزلف بعدم نقلها والعجب من الوزير ابن عبد العزيز مع ولوعه بالادب نقل ما دون هذا الشعر بمراتب ، اللهم الا ان يقال ان الغرض فى كتابه ( أى الباشى ) مدح مخدومه وهو القصد الاول ؟

