الشاعر الطموح . عنوان العدد الأخير - الذي وصلنا - من سلسلة " اقرأ " الماتعة وحلقة ذهبية شعاعة منها تناول فيه بادعه الأستاذ الكبير على الجارم بك شخصية " المتنبي " تناولا روائيا بديعا حلل فيه نوازع نفسه وذلك الهيام المشبوب بالعظمة الذى سد عليه منافذ التفكير فى سواها ، وما اصطدم به المتنبي في حياته الجياشة العاصفة من ملابسات وحوادث جمة كان لها اثر كبير في تلوين مجراها ، وكل ذلك باسلوب الأديب المتمكن وبراعة القاص المفن الذي يلحظ مواضع التشويق والترغيب فى نفس القارئ فيسلك اليها خير السبل واقومها ، وقد افتن شاعرنا فى تصوير احساسات المتنبي المتباينة وامانيه وفورات كبريائه تصويرا حيا بليغا يدل على ما يحتجزه الجارم من دربة وقوة وانفساح افق فى هذه الناحية ، وكان من اثر هذا انني تناولت الكتاب وهو من اووفر كتب السلسلة حجما فما تركته حتى كنت قد افتليت صفحاته كاملة وتطلعت الى المزيد !
وحديث شاعر كالجارم عن شاعر عبقرى كأبى الطيب انما هو حديث القلب وحديث الروح قبل كل شئ ، ولذلك جهد الكاتب ان يجلي لقارئه شخصية المتنبي المتشعبة النواحى فى اهاب من العظمة متين وفى رداء من السمر شفيف وان ( المتنبى ) - في الواقع - لزعيم بهذه المنزلة التى انزله اياها شاعرنا كما احله اياها ادباء العربية في غابر عصورها وحاضرها لما فى شعره الرفيع العالي من المعاني الثرة التى تعج بالحياة والفن ، وتتقاصر دون سموقها الاعناق ، ولما وهبه من قدرة فذة على صوغ الحكم النادرة وابداعها ، والتعبير الصادق عن خلجات النفس وخطراتها فى فلسفة وحكمة ، فانتزع من فم الدنيا ثناء عريضا باقيا ، وسطر في سفر الخالدين صفحة متألقة لامعة ستبقى ما كر الجديدان
وعاطفة الجارم هي التى جعلته يقتضب - في النهاية السرد الرائع فيتركنا فى حيرة نتساءل عن مصير هذا البطل الفرد بعد ان غادر كافور آثار كاله تلك الشتيمة النكباء وذلك الهجاء الجارح ، وضاربا في البر الأقفر . واحسبه تعمد هذا حتى لا يضطره سياق القصة وتسلسلها الى التعرض لذكر نهاية ابى الطبيب المحزنة وخبر مصرعه الرهيب بعد ان خلف في الدنيا كل ذلك الدوى الصاخب وتمرس بالافات حتى تركها تقول : امات الموت ، ام ذعر الذعر ؟ !
