هذه ترجمة وجيزة واستعراض مجمل ، لحياة عالم من علماء الحجاز الذين لم يسبق ان كتبت عنهم صحافتنا سطرا واحدا من سطورها ، ولا امتنت على سيرهم ونتائج قرائحهم بشغل عمود واحد من اعمدتها ، فظلوا شبه مغمورين فى بلادهم ، وشبه منسيين فى اوطانهم . . اللهم الا من بعض القرائح التى طاف بها طائف من معاصرتهم ، والاصغاء من قرب الى الدوى الذي كانت تحدثه آثارهم في الجيل الذي كانوا يعيشون فيه .
والعالم الذي نترجمه الآن ليس عالما فحسب . . إنه عالم وشاعر وراوية ومتحدث وظريف . . انه الشيخ ابراهيم اسكوبى المدني . . وقد طرق هذا العالم الشاعر الراوية الظريف ابواب الشعر العربي التقليدية من مديح ورثاء ، ووصف وهجاء وغيرها ؛ ثم ادى به اتساع آفاق معرفته ودقة ملاحظاته الى تجاوز هذا النطاق الحديدى الذي بقى دهورا مضروبا على آفاق الشعر العربي الجميلة . لم يكن الشيخ جامد الروح ، ولا بليد الطبع ، فقد ادرك في متوسط عمره طلائع الحركة الفكرية العربية الحديثة ، فتأثر بها شاعرا او غير شاعر ، فقد كانت " المؤيد " وكانت " المقتطف" وغيرهما فى عنفوان حياتهما ، وكانتا وكان غيرهما ينشر نماذج من صور الشعر العربي الحديث ، الملقح بألوان التفكير والاسلوب الغربيين الحديثين و كان شعر البارودى مثال القوة والسمو والجزالة فى مسحة رائعة من التجديد في الاسلوب والآراء ، واستعراض الحوادث والأشياء ، وكل هذا وغير هذا
لابد انه كان يصل الى مسامع شاعرنا فى صور مصغرة غير مكبرة ، نتيجة تباعد الشقة ومقدار استجابة الحياة الحجازية الراكدة اذ ذاك لما يدور من الحوادث والافكار في شقيقاته العربية القريبات منه فى المسافة والمساحة ، والبعيدات عنه فى التوجه والرأى وطرق الحياة . . وهكذا رأينا الشاعر الاسكوبى فى اخريات مراحل حياته يتوج شاعريته بقصيدة من الشعر السياسي نشرت في بعض الصحف السورية يومئذ وجاء فى مستهلها :
يا آل عثمان فالمغرور من غرا باهل اوربة او عهدهم طرا
تمالئوا فخذوا حذرا فانهمو يرون ابقاءكم بين الورى ضرا
فهذه دولة الطليان حين رأت اسطولكم ليس يغنى فاجأت غدرا
وشقت البحر بالاسطول معجبة تختال تيها به مغرورة سكرى
وانزلت بطرابلس عسا كرها فهل أوربة كفت عنكم شرا ؟
وقد كشف لنا فى هذه القصيدة عن سعة ادراكه لمحيطه ، وللحوادث المسيطرة عليه والاسباب التى تسيرها . . وهكذا كان الاسكوبى بهذه القصيدة الوحيدة فريد جيله فى وطنه ، فما علمنا ان احدا فرى فريه حينذاك . . وقد استعرض فى قصيدته هاته الوان التخاذل السارية فى عروق الدولة العثمانية فى شتى نواحيها السياسية الداخلية والخارجية ، والحربية والعمرانية والتعليمية والاقتصادية ، ورسم لنا صورة كاملة واضحة المعالم عن الأدواء التى نكبت بها تلك الدولة والتى اودت بها فى آخر الأمر ومن كثب . ولم يكتف بتحليل الداء واعادته الى اصوله ومنابعه ، بل وضع امام القراء العلاج الذي يكون به الانقاذ المنشود . . وبذلك شاطر شاعرنا بقصيدته موكب شعراء العروبة المجددين فى زمن لم يصل فيه أي قبس من التجديد الى هذه البلاد.
نسبه وولادته ووفاته
هو الشيخ ابراهيم بن حسن بن حسين بن رجب بن ابراهيم بن حسن الاسكوبى المدنى ، ويظهر من نسبته انه اسكوبى ( ١ ) الأصل البعيد . وقد
ولد هو وأجداده فى المدينة ، وكانت ولادته بها عام ١٢٦٤ ه . . أي قبل مائة عام وأربعة أعوام من تحرير هذا البحث من ترجمته . وطال عمره ، فى عصر كان مثال الجمود والتقلقل والتواكل الفكرى والعملى ، والاضطراب ، وقد قضى جل عمره البالغ ٦٨ سنة فى طلب العلم وكسب الادب ؛ وقضى شطرا من هذا العمر فى تغذية معارفه بالرحلات المتعددة فى انحاء العالم الاسلامي في نجد ، فى اليمن ، فى سورية ، فى مصر ، فى الهند ، فى تركية . . وأقام أول عمره في المدينة ثم ارتحل الى مكة فكان جليس أميرها الشريف عون الرفيق وأجد شعرائه المبرزين ، وأفاد من هذه الصلة فوائد مادية جسيمة أنشأ من خيراتها انشاء انيقا ، حديقته المفضلة لديه فى المدينة ( الرفيعة ) بقباء كما اقام بالطائف مدة من الزمن ، واعجب بها ايما اعجاب ، فقد سجلت اشعاره بعض مناظر الطائف وأحواله . . وفى رحلته الى سورية بما فيها لبنان نظم مقطوعات شتى فى الغزل والوصف . . وقد وصل الى يدنا بعضها ، وبعضها لابد انه أصبح طعمة الفقدان والضياع . . وفي رحلته الى مصر دعته شاعريته لمحاولة الاتصال بشاعر الخديو " أحمد شوقي" فلم تمكنه الظروف ، ولا نعلم الاسباب الا اذا تخيلنا ان منها كون شوقي قد سبق ان نظم قصيدة كانت ضد الشريف عون الرفيق ، استعدى فيها السلطان عبد الحميد عليه ، وهذا الشاعر . . ابراهيم أسكوبى . . هو أحد شعراء الشريف عون المقربين منه . هذا مجرد فرض تخيلناه وليس بسماع ولا برواية من أحد . . وكثير من الفروض لا ينطبق على الواقع .
وكان من عقابيل قصيدته السياسية ان دعى الى الاستانة ووجهت إليه من حكومتها هناك اسئلة عما يقصده فى بعض ابيات قصيدته من المغازى السياسية ثم عاد الى المدينة وتوفى بها فى غرة جمادي الاولى سنة ١٣٣١ ه -رحمه الله.
ملامحه :
كان نحيف الجسم ، أبيض اللون ؛ مستطيل الوجه ، واسع الجبهة ، خفيف اللحية ، اقني الانف ، واسع الفم ، أسود العينين متوسطهما.
أخلاقه
كان خفيف الروح فكه المجلس ، سريع التأثر سريع الفيئة . . وذلك ما تدل عليه أشعاره التى سننشر نماذج منها فيما بعد ، أساتيذه
كان العهد الذى عاش فيه عهد تلقى العلوم والفنون من المشايخ في حلقات دروسهم بالمساجد او فى دورهم او فى دور اثرياء طلبتهم المخلصين فلم تكن مثل هذه المدارس الحديثة موجودة مفتحة الابواب لمئات الطلاب . كان التعليم مركزا فى العلماء بالمساجد وحدهم ، ولم تكن مدارس ذلك العصر الاشبه أربطة ، على ان التعليم فيها ايضا كان مركزا فى العلماء بالمساجد كثيرا وفى غرفها قليلا . . وقد ادركنا طرفا من هذا العصر فى مستهل حياتنا واختفت آثاره تدريجيا حتى اصبح فى خبر كان وعلى هذا الترتيب اخذ المترجم له علومه وآدابه . . القرآن الكريم تلقاه عن محمد بن قاسم المغربي بالمدينة وهو شخصية لا نعلم عنها شيئا الا ان تكون احد مشايخ الكتاتيب القرآنية المنتشرة يومئذ بالمدينة وغير المدينة . . واخذ فن الخطوط العربية بأنواعها عن حمدى افندى البرسلى ، وهو ايضا شخص نجهل سيرته ؛ واكبر الظن انه احد الخطاطين الذين كان طلبة هذا الفن يرتادونهم فى اطراف المسجد النبوى او فى دورهم ، واخذ النحو والصرف واللغة والبلاغة والمنطق بالمدينة ايضا على شيخه الشهير الشيخ عبد القادر الطرابلسى الادهمى المتوفى منذ زمن بعيد . . وعلوم الادب وكتبه : العروض والقوافي ومقامات الحريرى وامثال الميدانى ومقصورة ابن دريد ، ويتيمة الدهر للثعالبي ودواوين ابى تمام والبحتري والمتنبي والمعرى هذه كلها اخذها عن شيخه المتضلع الشيخ عبد الجليل برادة . . ودرس علم التوحيد والفرائض والحساب واللغة الفارسية والحديث على شيخه الشيخ غلام النقشبندى الهندى . واخذ ايضا علوم التفسير والحديث والفقه الحنبلى والاصول والفلك على والده الشيخ حسن اسكوبى..
وهكذا استكمل المترجم اهبته من الثقافة الاسلامية السائدة اذ ذاك ، على ان ميوله الادبية سرعان ما طغت على عالميته فاشتهر بفنون الادب عامة وبالشعر خاصة .
لغات يحسنها
وقد أجاد الشيخ غير لغته العربية ، لغات اسلامية اخرى ، هى الفارسية ، والتركية ، والاردية فاتسعت افاق معرفته ، وبذ كثيرا من الاقران ، وقد برز أثر هذه المعرفة فى اتساع آفاق شاعريته خصوصا فى قصيدته " السياسية ، الموصوفة فيما سبق وفي قصيدته " العمرانية " المطولة الاخرى التى عرض فيها لمزايا القطار البري والباخرة ، فناظر بينهما فى اسلوب سهل واضح ، وقد طبعت هذه القصيدة مشكولة فى الخارج ، وهى فى حقيقتها لا تعد وضريباتها من الارجوزات الخماسية التى عاصرتها .
أبناؤه:
كان له ابن يدعى ( عصاما ) وقد توفى ، وله بنت اقترن بها فضيلة الشيخ ابراهيم البرى وأنجبت له أحمد والشيخ عمر البري وقد توفيت حديثا .
أشعاره
طالعت كثيرا من شعره ، وسمعت بعضه من صديقنا الاستاذ الشيخ عمر البرى الذي يمت إليه بصلة قرابة قريبة . . وقد كونت مما سمعت ومما طالعت رأيا فى شعره يتلخص فى أن شعره يمتاز _ كأكثر معاصريه من مواطنيه - بالسلاسة والخلو من التعقيد ، وعدم التحليق في الافاق البعيدة ولا يمكن ان نعتبر شعره منحطا لا بالنسبة لعصره ولا بالنسبة للعصور التى تقدمته مما يلى العصور الذهبية للأدب العربي ، اما إذا اردنا ان نقارن شعره بالشعر الحديث الزاخر بعناصرالقوة والسمو وسعة الآفاق ، فإننا نجده ولاريب دونه . . اللهم إلا فى قصيدته السياسية الوحيدة فإنها لا تقل عن بعضه شأنا ، ولاتنحط شأوا فيما اراه وقد يرى غيرى هذا الرأي ولكل وجهته ونظرياته فى الأدب ومايمت الى الأدب بصلة .
تكملة البحث : ( نماذج من شعره ) فى العدد القادم /عبدالقدوس الأنصارى
