الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

الشاعر المدنى ،

Share

ساظل استنهض ادباء الحجاز الى التنقيب عن ادباتهم الذين لا يحيون إلا فى الكتب المخطوطة أو المطبوعة طبعا رديئا لا يشجع الجيل الجديد على الاقبال

عليها . لعلى أرى الاقلام تحيي لهذا القطر الناهض ما كاد يندثر من عبقرية شعرائه وكتابه ، ليكون

لذلك صدى في احساس النشء المتوثب قد يتجاوب بالتجديد والابتكار .

ودارسو الادب في

العالم العربى يرتقبون مثل هذا العمل الجليل فى لهفة وشوق بل ويأملون أن يروا هذا الشعاع الاخاذ يطلع عليهم من آفاق الحجاز بعد أن جد ادباء كل قطر فى إحياء آدابهم الدارسة بهمة يحمدها كل من أتيح له أن يقرأ تلكم الآداب .

والحق ان العهد التركى قد طمس معالم الادب الحجازى خاصة ولكنه ليس بعزيز على عزمات الجيل الحجازى الجديد ان يستنطق الاطلال ليسجل عنها حديث الماضى العتيد وشعاره فى ذلك قول أبى الطيب

بليت بلى الأطلال ان لم أقف بها    وقوف شحيح ضاع فى الترب خاتمى

وقد عن لى ان أعرض دراسات خاطفة فى هذا الصدد راجيا أن تكون بمثابة الاغراء لجملة الاقلام من ادباء هذا القطر الشقيق ، وسأرحب بكل نقد او استدراك يوافيني به أديب مخلص وهم والحمد لله كثير

وشاعرنا المدني الذي سابدأ به دراساتى هو " السيد محمد كبريت " احد شعراء القرن الحادي عشر من الهجرة ، ولد بالمدينة المنورة سنة ١٠١٢ ه توفى سنة ١٠٧٠ ه .

ونحن اذا استعرضنا حياة هذا الشاعر الرقيق نجدها حياة رحلة وانتقال بعد ان شب عن الطوق وتزود بمختلف العلوم في المدينة على ايدى شيوخ ثقات كان لهم الفضل الا كبر فى إذكاء روح النبوغ فيه ويكفى ان تعلم من اساتذته فى العربية : عبد الملك العصامى ووجيه الدين المرشدى ، على ان صاحبنا لم يقنع بدراسة اللغة وآدابها بل انه اضاف الى دائرة معارفه معرفة فريدة بالعلوم الرياضية والحكمية فأصبح شاعرا فريدا فى بابه جمع الى الشعر المعرفة والحكمة ولهذا تراه ينزع فى قصيده منزع الشعراء المبدعين تارة ، ومنزع العلماء المتثبتين تارة اخرى ، فهو رقيق فى شعره إذا حلق فى دنيا الخيال وجاف فيه اذا عاوده طبع العلماء ، بيد أنك في هذا أو ذاك تشعر شعورا قويا أنه لا يحدثك عن شخصية غير شخصيته ولا يرسم صورة لا يجد ظلالها فى احساسه او عقله ، وذلك هو الاديب الذي يستطاب أدبه لانه يشعرك باستقلاله وقوة شخصيته

ولقد استطاع السيد كبريت ان يقيم حاجزا بين علمه وفنه فلم يسمح لمايجيش به عقله من علوم ان يعبث يآفاق فنه الادبي فهو لم يقدم لنا مزيجا من هذين فى وعاء واحد بل انه جهد في فصل هذا عن ذاك وان كان الطبع قد غلبه فى بعض المواقف كما سيمر بك .

وقد انف صاحبنا ان يقيم فى مكان واحد كالماء الآسن فرأى ان يضرب فى افاق الارض امله يجد مهاجرا يكفل له العيش الهنىء والحياة الرخية ، فاتجه الى بلاد الروم سنة ١٠٣٩ ه وقد شاهد فى طريقه إليها عجائب طريفة سجلها فى كتابه رحلة الشتاء والصيف ، ولكن الحياة لم تطب له هناك بين قوم لا يقدرون الادب ولا يحفلون بالاديب ، فشد رحاله الى دمشق فلقي فيها بعض العلماء الذين كان لهم اثر فى نضجه ، ثم انصرف عنها الى القاهرة . ولزم بها الاستاذ محمد بن زين العابدين البكرى ، ثم قفل راجعا الى المدينة حيث اختص بصحبة الشيخ محمد مكى المدنى وعكف على التعليم والتاليف ، فما الف كتاب : " نصر من الله وفتح قريب " شرح فيه أبياتا لبعض أفاضل عصره ، وكتاب : الجواهر الثمين فى محاسن المدينة وله غير هذين كثير .

هذا هو السيد محمد بن كبريت بن عبد الله العالم الجليل والمؤلف المطلع والرحالة المغامر ، وساقدمه اليك شاعرا رقيقا ينضح شعره بعلمه مرة ويبرأ منه مرات ، فمن قصيدة له تدلك على احسانه وإبداعه :

هبوا ان ذاك الحسن عني محجب    أليس بريأه سرت نسمة الصبا ؟

إذا رمت أن تبدى مصونات خدره . فحدث بذاك الحي عن ذلك الخبا

ومن رائع قوله :

ليست على الحر الكريم مشقة     بأضر من أن لا يرى أمثاله

ذاك الغريب وإن يكن فى أهله     وارحمتاه له لما قد ناله

ومن جيد اقتباسه قوله

يا من تبدى بهجر ماله سبب          وصد عمدا يرى فى ذاك تبكيتى

كأن هجرك بعد الوصل ياأملى         ) أو ئل النار فى أطراف كبريت (

وحينما ضاقت به الاحوال وتنكرت له الايام قال فى التصبر :

الحمد لله على ما أرى                   من ضيعتى ما بين هذا الورى

صيرنى الدهر الى حالة                      يرثى لها الشامت مما يرى

بدلت من بعد الرخا شدة                    وبعد خبز البيت خبز الشرا

وبعد سكنى منزل مبهج                     سكنت بيتا من بيوت الكرى

ولو تحققت الذى نالن                         لارتفع الشك ولا زال المراى

ثم اقرأ فى مدح كتاب له

لله تأليف غدا جامعا                 بين النقيضين لمن يعقل

جامعه أغرب فى نقله                   لكنه لم يدر ما ينقل

ألست ترى معى أن مزاجه العلمى قد تحرك فى هذين البيتين ، والاف فما معنى كلمة " غدا " و " النقيضين " ؟ وهل ترى أن لغة الشعر تحتفل بهما كثيرا ؛ ألم لا تلمس فى البيتين ظل الفلسفة ومنطق الفلاسفة من انه لا يزال فى اول طريق المعرفة ؟ وحسبك أن تقرأ ) لكنه لم يدر ما ينقل ( أو هو من باب غمط النفس والاسراف فى التواضع وهذا اثر من آثار الحكم التركى فى الشعوب الاسلامية .

وانت اذا قرأت له أبياته فى مدح " العوالي وقبا " فى المدينة المنورة التى يقول فيها :

إذا كنت فى أرض ) العوالى ( تشوقت        لأرض ) قبا ( نفسي وفيها المؤمل

ولو كنت فيها قالت النفس ليت لى          بارض العوالى ياخليلي منزل

فياليت أبي كبث شخصين فيهما            وما ) ليت ( فى التحقيق الا تعلل

شعرت أن كلمة ) التحقيق ( قد أ كرهت على مكانها لانها بأساليب العلماء أشبه ثم هي لانوائم هذا الشعر الرقيق

اشترك في نشرتنا البريدية