تعريب : أحمد الطويلي
( ت 1880) (*)
أحست دول الشرق الاوسط العربية الاسلامية خلال مرحلة تطورها التاريخي المهئ لتحررها فى السنوات التالية لاستقلالها ، بالحاجة الى تذكر امجادها فى عالم الفكر ، وقد حفز هذا الشاغل الكتاب الى تأليف عدد من الاعمال الخاصة بمن يعود اليهم الفضل من المفكرين والادباء والشعراء في ارساء المجد للعالم العربى الاسلامى ، ولم تتخلف تونس عن الاحساس يمثل هذا الامر فتعلقت همم عدد من المثقفين ببعض وجوه من القرن التاسع عشر
خاصة وحتى من هذا القرن مثل القاص على الدوعاجى مما اقتضى نشر اعمال مختلفة ودراسات شتى عن أدباء كانوا مغمورين من قبل . ويجب أن نلاحظ بالخصوص صدور كتيب عن شاعر ومؤرخ تونسى هو الباجى المسعودي (1) وهو يمثل نمطا معهودا من رجال العهد الماضى فيما كان يعرف بالايالة التونسية .
فعلى بعد عشرين كلم تقريبا من تبرسق ، وغير بعيد عن بلدة الكريب ، تقوم قبة على ضريح ولى من الاولياء ، وتنحدر من هذا الولى عائلة المسعودى وهي عائلة برجوازية كانت تقيم بتبرسق فى القرن الثامن عشر ، وقدم احد رجال هذه الاسرة الى تونس العاصمة فى عهد حمودة باي ( حكم من 1782 الى 1814 ) ليزاول تعلمه بجامع الزيتونة ، فأقام بالعاصمة والتحق بخدمة الدولة موظفا بقلم الحسبان (بيت خزندار) ، وترقى فى عهد محمود باى ( حكم من سنة 1814 الى 1824 ) الى خطة رئاسة الحسبان وتوفى سنة 1263 ه / 1847 م مخلفا ابنا هو محمد الباجى . نحن لا نعرف الا اليسير من المعلومات عن طفولة هذا الابن ومن المحتمل ان يكون مولودا بتونس حوالى سنة 1225 ه / 1810 أو سنة 1226 ه / 1811 م .
ويبدو أن والده قد اضطلع بتربيته الى ان اخذ الولد يتلقى بدوره الدروس بجامع الزيتونة حيث تتلمذ على الشيخين ابراهيم الرياحى ومحمد بن الخوجة . ولئن كانت ثقافته تقليدية الطابع فان مؤهلاته الادبية التى لا شك فيها هى التى جعلت منه رجلا أكثر من فقيه أو نحوى .
وتسنى لنا أن نشاهد محمد الباجى يتميز بمواهبه الشعرية فى عهد جد مبكر ، ولعل مواهبه هذه قد ساعدته فى اداء مهنته الادارية حينما انتدب لخدمة حسين باى المتوفى سنة 1251 ه / 1835 م ، فبدأ مثل والده يعمل فى " قلم الحسبان " ثم التحق برئاسة ديوان الانشاء حيث استطاع اظهار مواهبه الادبية بصورة فضلى ، وكان مرتبطا بصلات مع عدد ممن برز من رجال السياسة خلال فترة الاضطراب والفوضى التى انتهت بانتصاب الحماية على
تونس ، وقد صاحب بصفة خاصة المؤرخ أحمد بن ابي الضياف الشهير بابن ضياف (2 ) والمصلح خير الدين
وقد وافته المنية فى سنة 1297 ه / 1880 م قبل ان يشهد التغيير الشامل الذي ستعيشه " الايالة التونسية " بعد عام أى انتصاب الحماية الفرنسية ] ، ودفن فى ضريح شيخه ابراهيم الرياحى غير بعيد عنه .
إن رسم حياة الباجى البيانى لا يعرض حقا كما يبدو لنا اى رغبة فى نفس هذا المؤرخ ولا اى احساس بالحيرة لديه اثناء حياته ، ولا يبرز هذا الرسم البياني كذلك خاصة وبصورة محسوسة ردود الفعل عنده ازاء مشاهدة بلاده نترصدها الاطماع الدولية ويقضى عليها عجزها عن مدافعتها . وكذلك فان ما خلفه هذا الاديب من آثار لا يعكس بعمق حقيقي الفترة القلقة التى كتبت فيها . وقد بقيت لنا اشعار الباجي في مجموعة وحيدة جمعت بفضل همة ابنه عبد العزيز . ويقع هذا الديوان - وهو ما زال مخطوطا - فى 115 صفحة وقد نسخ سنة 1319 ه / 1902 م وهو على ملك الشيخ الطاهر بن عاشور وينقسم تقسيما تعسفيا الى ثمانية أبواب حسب محتواه وهي كما يلى :
1 - قصائد فى مدح النبى والاولياء الصالحين 2 - قصائد في مدح الامراء 3 - قطع فى مدح الوزراء والموظفين السامين 4 - مقطوعات انشئت للمشايخ والاحباب 5 - فى التقاريظ والتهانى الشعرية 6 - لطائف : غزل وتواشيح 7 - اشعار مناسبات 8 - مراث .
كل هذه الاشعار تقليدية الشكل والاغراض حسبما يبدو من العينات التى نشرها محسن بن حميده ونجد من بينها خاصة قصيدة غنائية هنأ بها
الشاعر الباى محمد الصادق بمناسبة انشاء المدرسة الصادقية سنة 1295 هـ / 1876 م ، وهذه القصيدة هى مثال للشعر الرسمى ( 3 ) ، اما الاشعار المدحية التى مدح بها الباجى رسول الله فهى تبدو مستحضرة من خلال النموذج الذى اطلعنا عليه (4) ، وترجعنا الاشعار التى نظمها الشاعر بمناسبة بناء محمد الصادق باى ( 5 ) للقصر السعيد الى نمط قديم جدا يمثله البحترى والمتنبى فى العهد الوسيط .
وقد أبان محمد الباجى عن كثير من الصناعة فى هذه الانواع وبرهن على براعته الفائقة ، بيد انه من الجلى الواضح ، لم يستطع ان ينظم شيئا طريفا فى هذه الاغراض . اما الاشعار التى دبجها الشاعر من وحى ذاته فهى تستحق مزيدا من الاهتمام . ونحن نتساءل بدون شك عن بعض الاشعار التلقائية الصادقة التى نجدها فى بعض ابياته الخمرية التى تذكرنا بأبى نواس (6) . ويبقى الدارس فى حيرة من أمر بعض القطع الغزلية التأثرية التى يمكن ان ترجع الى عهد مراهقة الشاعر (7) ، ولا يمكن لنا ان نعرف هل كانت هذه (( تمارين مدرسية )) أو هى صدى لاضطراب حقيقى عميق اذ ليس لنا معلومات من قبل الشاعر تفيدنا عن أمر هذه القطع .
ونجد - على العكس من ذلك - قصيدة غنائية يتجلى فيها تشوق المبعد عن تونس العاصمة والتعبير عن مشاعر عفوية تتصل بمظاهر بشرية خالدة ( 8 ) .
ان لدى محمد الباجى الشاعر والكاتب مهارة وقدرة فائقة على عرض زاده اللغوى الذى يظهر خاصة من خلال القطع الرسمية ، وقد جعله استعماله للسجع المتوازن منتميا الى كتاب الدواوين الذين تكن لهم البلاطات بالمشرق
قيمة كبيرة (9) وهو يعرف كيف يتخلى عن هذا الاسلوب المزركش فى غير مقامات المناسبات ، وهو يدرى كيف يرجع فى آثاره التبريرية والتاريخية الى نثر غير منمنم يتوخى فيه اللفظة الشعبية (10) عند الحاجة . بحيث تبدو لنا آثاره التاريخية جديرة بالاهتمام أكثر مما قد يتصوره ظريف من ظرفاء عصره .
ولئن لم نستطع ان نتحدث بشىء عن تأليفه المتعلق بالطريقة الشاذلية (11) ، فانه يجدر بنا بدلا من ذلك ان نولى اهتماما خاصا لموجزه التاريخى عن تونس منذ الفتح العربى الى عهد محمد الصادق باى وهو كتاب مزدوج فى الواقع ويحتوى على قسمين :
(1) (( الخلاصة النقية فى أمراء افريقية )) طبع بتونس سنة 1283 ه / 1866 م ، وينتهى لسنة 1837 .
(2) (( عقد الفوائد فى تذييل الخلاصة وفوائد الرائد )) طبع بتونس سنة 1323 ه / 1905 م .
وقد عرفنا محمد الباجى نفسه بمقصده الذى قصد اليه فى تاريخه وذلك فى رسالة موجهة الى الوزير خير الدين مؤرخة فى سنة 1284 ه / 1867 م بعث بها صحبة نسخة من تأليفه أبان فيها عما ضمه فيه من الفوائد ناعتا نفسه (( بجامع )) (12) وقال :
(( انى لما فرغت من تبييضها وتهذيبها بلطائف الاخبار وتفضيضها ، تصفحتها فاستملحتها وأعدتها فاستجدتها والفيتها على صغرها فريدة لامعة ،
ومفيدة جامعة ، وروضة يانعة ، احتوت على ما لا يسع نبيلا جهله من الاخيار ، وأخذت من كتب عديدة ما يلزم علمه من احوال أمراء هذه الديار (13) وأغنت بذلك عن كثير من كتب التاريخ الكبار )) .
ويكمن هذا المزيج الغريب من الشعور بالرضى على النفس والرغبة فى الاجادة فى وجود اتجاه عام يدفع بعض الموظفين المعاصرين لخير الدين الى تقديم خدماتهم وابراز جوانبهم الابتداعية ، ومهما كان الامر فليس لنا ان نبالغ فى أهمية هذا الموجز التاريخى اذ يعتمد محمد الباجى فيما يخص تاريخ العهد الوسيط على مصادر غير مباشرة وينص على المصادر لكن بغير وضوح فنجد صعوبة فى معرفة من هو ولى الدين الذى يكثر من الاستشهاد به ويعنى به ابن خلدون الشهير .
وقد يتسنى لنا فحص مسألة هل ان اسهام مصنفنا فيما يخص العهد الحديث لا يقدم بعض العناصر الطريفة .
ان ما يراه المؤرخ وعالم الاجتماع من أهمية فى شخصية تضاهى شخصية محمد الباجى لا يكمن فيما خلقه هذا الشاعر المؤرخ من آثار وانما يجب البحث عنها خارج مؤلفاته ، ويمكن القول بدون تناقض : انها تكمن فيما يمثله هذا الشخص الاديب العالم من تسلسل (( Seriel )) . فحمد الباجى يجسم أحسن تجسيم انموذج الاديب بالحاضرة التونسية كما استطعنا الالمام به الى أوائل هذا القرن . فهو متعلق بالتربة تعلقا متينا بسبب اصله الريفى والبرجوازى ، وهو معزز فى مواقعه التقليدية بما ورثه عن الاجيال السابقة من أفكار ومظاهر سلوكية وايضا بتعلمه بجامع الزيتونة ، وقد عرف كيف ينمى فى نفسه كل ما من شأنه أن يزكى ثقافته العربية الاسلامية . وبما عرف مثل عدد من أدباء جيله كيف يمكن نفسه من التضلع من اللغة العربية وهى اللغة الوحيدة التى عرفها عموما ، وتكمن قيمة هذه الاداة العجيبة فى نظره فى امكانياتها الجمالية اذ حفزه ما اكتسبه من مهارة فى ممارسة هذه الاداة الى استعمالها فى شكيلها التعبيريين الجزلين : الشعر والنثر المسجع المنوازن ، وواضح ان فن الشعر يحتل فى نظره مكانته فى قمة الثقافة الادبية وكذلك النثر المسجع
والمتوازن فهو يمثل فى نظره أيضا المثل الاعلى الاسلوبى الذى ينبغى للاديب ان يطمح اليه .
ان هذه التصورات قد تجاوزتها اليوم على الارجح بعض الفئات التونسية المستنيرة ، لكن لنتفق على انها قد صلحت على ان تصون صيانة كبرى شكلا من اشكال النشاط الفكرى بتونس خلال القرن التاسع عشر ، وقد سبق هذا الشكل التطورات اللاحقة .
ولا نتعسف إزاء الظروف التاريخية التى عاشها الباجى اذ تلتقى فى هذا المجال مواقف سنة عريقة جدا ، والتاريخ بالنسبة الى تفكير مثل تفكير الباجى هو تسلسل احداث لا ينبغى جهلها لكن ليس لاحد من الوقت ما يكفى ليطلع عليها بالتفصيل لذلك وجب على الاديب ان يفيد غيره فينشىء له خلاصة تستجيب لرغبته وامكانياته . وهذا التصور نفسه هو الذى ندين له بتآليف (( الحوليات )) مثل كتاب ابن الاثير بالمشرق من القرن الثامن .
وليست مزية الباجى هزيلة بالقدر الذى يمكن ان نتصوره لان امثال كتابه (( الخلاصة )) منعدمة الوجوه بالنسبة الى عهود تونس العربية الاسلامية التى سبقت عهده . ولا يستطيع احد ان يناقش هل ان هذا المجهود قد تجاوزته الايام ؟ لكن لا تكمن المشكلة هنا ويجب فى رأينا فى هذا المجال مثلما فى الشعر ان ننظر فى القيمة التمثيلية للاديب الذى اظهر هذه الهمة فى تحرير تاريخه ، وان هذا التصور المتقادم للتاريخ ليكتسب كل مدلوله فى نظر عالم الاجتماع لانه الوحيد الذى تلقاه جيل الباجى وبفضله تنشأ مقارنة مفيدة بين مفهومين متناقضين للصيرورة التاريخية .
