الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الشباب التونسى، منزلته - واقعه - طرق النهوض به

Share

بمناسبة انعقاد المؤتمر السابع للحزب الحر الدستورى التونسي (من 19 الى 22 اكتوبر 1964) اعددت بطلب من الديوان السياسي تقريرا حول الشباب التونسي بوصفى آنذاك مديرا عاما للشباب والرياضة ( من جانفى 1959 إلى نوفمبر 1964) ورئيسا للمجلس الأعلى للشباب الذي كان يضم كافة منظمات الشباب . وقد اعتمد هذا التقرير كوثيقة رسمية للمؤتمر ووزع على كافة المؤتمرين فى كتيب يحمل عنوان " تقرير حول الشباب " من دون اشارة الى كاتبه .

ونظرا لأهمية مشاكل الشباب وتفاقم بعض الظواهر السلبية التى أشرت إليها فى هذا التقرير واعتبارا لما تنصرف اليه اليوم نخبة من المسؤولين من علاج لقضايا الشباب وإعداد لمشاريع تتناول أساليب تنظيمه وطرق تكوين إطاراته - والحزب على أبواب مؤتمره الثامن - وإذ أن الحاجة إلى الغذاء الروحى والتوجيه الثقافي ما تزال قائمة بل متزايدة بتزايد غزو المذاهب الاجنبية وتفاقم ضغط التيارات الخارجية فقد رأيت إعادة نشره بمجلة " الفكر " على سبيل التذكير ، والدعوة لمحاسبة النفس ، والمساهمة فى تبين الطريق التى يجب أن نتعاون جميعا على تعبيدها فى وجه الشباب حتى يفوز بنفسه ويتربى تربية قومية أصيلة ويضمن لنفسه ولأمته المناعة .

. منزلة الشباب في تونس :

ان منزلة الشباب فى الحزب الحر الدستورى التونسى منذ 30 سنة ممتازة لم تزدها الايام الا قوة وارتفاعا فكلما تعاقبت الاجيال وتتابعت حلقات الكفاح تجدد عزم الشباب وقويت روح الفداء فيه واندفع اندفاعا الى خوض معركة الكرامة والعزة سواء ضد الاستعمار أو فى سبيل الازدهار الشامل .

ولا شك ان فى ظروف انبعاث الحزب الحر الدستورى التونسي الجديد فى مؤتمر قصر هلال سنة 1934 ، وفي مذهبه الثورى والانسانى فى نفس الوقت وكذلك فى طرائق كفاحه وأصالة نضاله وفي ما كان يضطرم بين أضلع المحامي الشاب آنذاك الرئيس الحبيب بورقيبة من شعلة مقدسة وعزيمة حديد لتغيير ما بالبلاد والعباد ، ما يفسر هذه العلاقة العضوية المتينة وهذا التعاطف العميق بين الحركة الدستورية والشباب ويعلل احتلال فتيان الحمى وشباب البلاد الصفوف الامامية فى ملحمة النضال .

فمنذ ذلك اليوم الذى صدع فيه المجاهد الاكبر بكلمة الحق وأشع حوله الروح النضالية الحقيقية وفتح البصائر والابصار الى ما يجب أن تكون عليه رسالة الاحرار ويلتزم به المخلصون التفت حول الحزب الاجيال الصاعدة جيلا بعد جيل وتقدمت تركز مبادئه الخلاقة وتحقق اهدافه المتجددة رغم تنوع مراحل الكفاح وتطور أساليب العمل وكثرة الصعوبات والعراقيل وتصدت طلائعها فى ايمان وحماس ونخوة تذلل المستحيل وتدك معاقل الاستعمار لا نخشى السجن ولا الرصاص ولا ترهب العسف والارهاق فاستماتت في الجهاد وضحت بريعان الشباب ونضارة الحياة وسقط فى ساحة الشرف العشرات والمئات من ابناء تونس البررة يهتفون بحياة تونس وحياة بورقيبة .

ولقد صهرت هذه التضحيات نفوس الشباب العامل وصقل الجهاد ملكاته وقوت السجون والمحن شخصيته فبرز من صفوفه فى كل طور من أطوار الكفاح نخبة انضمت الى الرواد الاولين وساهمت فى تحمل مسؤوليات التنظيم الشعبى ونشر الوعى بين الجماهير والاضطلاع بعبء القيادة والتوجيه .

هذه معجزة حزبنا لم يزل منفتحا فى وجه الشباب قائما على سواعد الشباب موجها الشباب وجهته المثلى فى الحياة ومستمدا من حماس الشباب وحميته أسباب البقاء والتجدد والفاعلية .

وليس ما نشاهده اليوم من تجدد اطارات الحزب وانسجامها فى نفس الوقت مع الرعيل الاول من المكافحين ، وما نلاحظه من ثقة متبادلة وتعاون مثمر خلاق الا دليلا آخر على تجاوب الحزب مع الاجيال الصاعدة وحرصه على ان تسهم فى

بناء الدولة وتشيد المجتمع الجديد ، وتلعب دورها كاملا فى صنع التاريخ ، وسرا من أسرار قوة الحزب ومناعته وتضاعف امكانياته وتعاظم طاقاته فى طور البناء والتشييد بعد من ربع قرن اتجه فيه بكليته الى تقويض أركان الاستعمار ودك معالمه وتبديد قواه .

ولقد تجلى من جديد ايمان الحزب بالشباب غداة الاستقلال عندما تسلمت الأمة مقاليد الحكم وارتضت النظام الجمهورى وغالبت وغلبت " مشاكل النصر " فكان الاعتماد على الشباب الذي تحمل مسؤوليات عظمى فى بناء الدولة وتركيز النظام الجمهورى بكل ايمان وحماس وتفاؤل وانضم الى إخوان له سبقوه في الكفاح يطهرون الادارة من مخلفات الاستعمار ويمسكون بدواليبها ويوجهونها الوجهة التى تضمن لابناء الوطن العزة والسيادة ، فاستطاعت تونس بذلك ان تحقق لنفسها ما لم تحققه بلاد كثيرة حديثة عهد - مثلها - بالاستقلال من تصفية لرواسب الاستعمار واعتماد على النفس فى تسيير شؤونها حتى أصبحت مضرب الامثال فى جدها وقوة عزيمتها وسيرها قدما فى طريق النمو الاقتصادى والتقدم الاجتماعى والتطلع الى الغد الافضل .

وان ما حققناه من انجازات فى الميدان الاجتماعى والاقتصادى فى نطاق المعركة الكبرى ضد التخلف التى وضع خطوطها مؤتمر النصر بسوسة حيث وقع التنويه بدور الشباب وجسامة مسؤوليته - كما نص على ذلك الميثاق - لخير دليل على استجابة الشباب لنداء الحزب اذ أمد الدولة بالاطارات والفنيين ولم يبخل عليها بالرواد الذين حققوا بحماسهم وعملهم اليدوى والفكرى مشاريع عملاقية ومهدوا الى الوثبة العارمة التى سجلتها البلاد فى السنين الاخيرة .

وان ما رسمه الحزب لنفسه وارتضاه للوطن غداة مؤتمر النصر من أهداف اشتراكية منظمة و " معقولة " بواسطة تخطيط شامل اقره نهائيا المجلس الملى المجتمع فى مارس 1962 لجدير بأن يستحث همم الشباب ويدفعها الى المزيد من الحماس والعمل الايجابي ، اذ هو يجد فيها الغذاء الروحى الذى يتطلع اليه بقلبه وعقله بقدر تطلعه الى مستقبل بسام ، ويتخذها اطارا طبيعيا لعمله الثورى ومطمحا شرعيا لنزعته السخية الى الخير والحق والعدل والاخاء والكرامة البشرية .

وبفضل هذا " الحوار " بين الكهول والشباب تجتنب البلاد التونسية التحجر الذي تعانيه الشعوب المحافظة ، المحرومة اطارتها من الخيال الخلاق ،

المتجهة نخبتها بأنظارها الى الامس الدابر ، وتجتنب كذلك الفوضى و (الانتفاضات) العنيفة التى نشاهدها فى بعض البلدان التى لم يوفق شبابها الى الانسجام مع الواقع والتعاطف مع الاجيال التى سبقته ، ولم يفز فيها بمذهب ثقافى اقتصادى واجتماعى ينير حياته ويكسبها معني ساميا وغاية بعيدة .

فالشباب فى تونس غاية معركتنا ووسيلتها فى آن واحد وهو مستلهم القيم العليا الحريص على تجسيمها فى الواقع معا ، بهذا يمتاز وفي ذلك عنوان فخره وسبب سعادته .

. واقع شبابنا :

والى جانب الشباب الدستوري أو الشاب المنضوى تحت لواء الكشافة أو اتحاد الطلبة والمصائف . . . الذين وفقوا كلهم أو أكثرهم الى تحمل مسؤولياتهم كاملة فان هناك عددا كبيرا جدا من الفتيان والفتيات لم يشملهم العمل المنظم ولم تدركهم العناية الكاملة .

ولا غرو اذ أكثر من خمسين فى المائة من سكان الجمهورية سنهم دون  العشرين ونسبة تزايد النسل السنوى تتجاوز اثنين ونصفا فى المائة بحيث يصعب فى نفس الوقت مواجهة الحاجات الجديدة وتلافى ما ورثته البلاد عن عصور الانحطاط وعن ثلاثة أرباع قرن من الاستعمار وما خلفه كل ذلك من فقر وفاقة وتداع فى الصحة والاخلاق ومن جهالة وأمية ومن تشويه فى التعليم وتسميم فى الثقافة بالنسبة للقلة المحظوظة التى امكنها مزاولة تعليمها ورفع مستوى انسانيتها .

ولسنا فى حاجة الى تشخيص الحالة الناتجة عن التخلف الموروث ولا الى ذكر ما نتج وينتج عن الفترة الانتقالية التى يجتازها المجتمع التونسى بالنظر الى هذه النواحي السلبية التى تعرقل العمل الاصلاحى الجبار الذى أقبلت عليه تونس حكومة وحزبا وشعبا والرامي الى تطوير اوضاعنا الاجتماعية وضبط القيم العليا التى يجب ان ينتسب اليها مجتمعنا ويهتدى شعبنا بهديها ويكفى ان ننبه الى ما يخلفه انتشار الأمية فى جزء كبير جدا من الشباب من عدم ثقة فى النفس وانعدام الكفاءة المهنية وزهد فى العمل والانتاج وبالتالى من تضخم نسبة السكان الذين لا يساهمون مساهمة إيجابية فى تنمية الثروة

القومية . وتتفاقم هذه الحالة وتشتد وطأتها عندما نتذكر أن العدد الكبير من هؤلاء الشبان لم تتوفر لديهم أسباب التغذية السليمة والمسكن اللائق والوقاية من الامراض المنهكة والتكوين الجسمى والاخلاقي الصحيح .

غير أن الحزب عالج هذه الجوانب السلبية فى نطاق المعركة الكبرى التى تخوضها الأمة للقضاء على التخلف وانكب ينهض بمستوى الافراد ويغدى القيم الاخلاقية ، ناهيك ان المجاهد الاكبر خص هذا الموضوع الحيوى بخطب منهجية كثيرة .

وانجر عن هذا المجهود الاصلاحى الشامل ما يحدث بطبيعة الحال فى جميع المجتمعات التى تمر من طور الانغلاق والجمود الى طور الانفتاح والتقدم وتنهض لتجديد قيمها وبث الحياة فى كيانها من نتائج عكسية فى بعض الاحيان وفي بعض الاوساط مما يجب تداركه واجتناب أسبابه .

من ذلك ما حدث عن تحرير المرأة وانفتاح أعينها الى النور والحياة المشرقة من تعثر وتهافت بالنسبة لبعض النساء الأميات أو اللائي فهمن الحضارة والمدنية على غير وجه أو الفتيات اللاتى تلقين التعليم ولكنهن حرمن من التربية التى لا بد للوالدين من تغذية بناتهما بها ، فلم يدركن من الحرية والمدنية الا المظاهر السطحية وانحدرن شيئا فشيئا الى التفسخ فى الاخلاق والذبذبة فى الذوق وكان نصيبهن الضياع بكل معانيه . الامر الذي يهدد كيان العائلة واستقرار المجتمع . والحقيقة ان هذا التخلف الاخلاقي ليس خاصا بالفتيات فحسب بل مسؤولية الفتيان فيه لا تنكر فالكثير منهم لم يسهلوا على أخواتهم الخروج من طور اللامسؤولية الى طور الوعى بما يبثونه فى طريقهن من أشواك وبما يصدر عنهم من سلوك مشين يدل على ضعف مستواهم وعدم أهليتهم لخوض الحياة الاجتماعية المتمدنة القائمة على الشعور المرهف بتكافؤ الحقوق مع الواجبات . ونؤكد مرة ثانية فى هذا الصدد قصور بعض الاباء عن القيام بواجباتهم ازاء بنيهم وتقلص سلطتهم وتناقص هيبتهم اذ هم لم يقوموا بواجبهم ولا ضحوا بشئ من راحتهم ولذاتهم حتى يكونوا خير مثال لابنائهم معتقدين ان المدرسة تغنيهم عن القيام بهذا الواجب وليس سبب هذا السلوك راجعا الى قصور العائلة أو تقصيرها فقط بل هو أيضا نتيجة لعدة ظواهر أصبح يقاسيها مجتمعنا الذي يمر بفترة تحول فى هياكله الاقتصادية والاجتماعية ويعاني ازمة التطور السريع الذى نلاحظه فى المعتقدات والمثل والمقاييس التى تقيم سيرة الافراد وتركز تصوراتهم الذهنية فتكون البلبلة عميقة وقاسية بالخصوص فى المجتمعات التى سريعا ما تنتقل من حال الى حال

او من بيئة الى بيئة فتفقد بذلك توازنها وانسجامها الذاتى وطمأنينتها الموروثة فيصبح الافراد كالغرباء بين ذويهم يتساءلون بصفة شعورية أو لا شعورية عن سر الكائنات ومعنى الوجود ولا يجدون فى اكثر الاحيان جوابا شافيا .

ولعل الشبان النازحين من الارياف الى المدن قصد البحث عن الشغل ووسائل الارتزاق أصدق مثال لذلك فهم ينتقلون من عالم الى عالم بل من عصر إلى عصر ويقاسون ازمة عنيفة فى مستوى المفاهيم الاخلاقية كثيرا ما تؤدى بهم الى التشرد بكل معانيه وأبشع صوره وكثيرا ما يتفاقم أمرهم بما يستهدفون له من بطالة ويقاسونه من حرمان فتصبح كل الوسائل ممكنة ومباحة فى سبيل الظفر بلقمة العيش .

ولا بد كذلك من الاشارة فى هذا الصدد الى ما يجعل رسالة الاباء والمعلمين محدودة الفائدة وتأثيرهم على الجيل الصاعد نسبيا جدا فقد غزت السينما التجارية المدن الكبيرة والصغيرة وكشفت الافلام الرخيصة امام المراهقين من سيئات ومآسي بعض البلدان المترفة وكثيرا ما أورثت فيهم قله الحياء وانتفاء الوقار ووهن العزيمة إزاء النفس الامارة بالسوء وحملتهم على محاكاة ما يشاهدونه فيها من أعمال العنف والسطو والاعتداء والاغراق فى الاباحية . زد على ذلك ما نراه فى الاسواق وفى غالب المكتبات من مجلات عربية اللسان وأعجمية ليس من هم أصحابها الا ملء جيوبهم باستبلاه الشاب ودغدغة غرائزه . واذا أضفنا الى كل ذلك الاعلانات المثيرة ووسائل الاشهار الرخيصة والموسيقى الصاخبة المحمومة وتكاثر الملاهى والمقاهى التى كثرا ما سممونها " مقاهى الشباب " و " مقاهى العمل " و " مقاهي المستقبل " ! . . وانتشار الخمور والكحول وضيق المساكن وانعدام ميادين اللعب والترويض في غالب الاحياء القديمة وحتى الجديدة بكل أسف ، أدركنا مدى تأثير هذه العوامل السلبية على الجيل الصاعد وانحدار العدد الكبير من الفتيان والفتيات الى حضيض المادة وبؤرة التفسخ وعرفنا كذلك لماذا يشكو المجتمع ازمة الضمير المهنى فى بعض الموظفين الشبان ولما كثرت النوازل العدلية وتورط حتى بعض التلاميذ انفسهم فى قضايا السرقة والتعدى . وقد نبه الى ذلك وشهر به السيد رئيس الجمهورية فى خطابه الكبير الذي القاه يوم 19 حانفي 1064 بقاعة البامارييوم حيث أعطى بعض الأمثلة ووصف هذه النماذج التى يشكوها مجتمعنا المتوثب .

على ان هذه المشاكل والجوانب السلبية من واقع الشباب التونسى انما ترجع في جوهرها الى حالة التخلف الموروثة عن الاستعمار والانحطاط كفانا وعيا بها وقدرة على علاجها عزم الأمة المجندة تحت راية الحزب فى سبيل

القضاء على مظاهر هذا التخلف ودرء بعض النتائج الفاسدة التى لا بد ان تورثها مرحلة الانتقال الثورى . ويجدر فى هذا الشأن ان نذكر بأن سياسة تونس للتنمية لا تهدف الى تحقيق الازدهار الاقتصادى فحسب بل هى تسعى اولا وبالذات الى النهوض بالانسان فى جميع الميادين بما فيها الميدان الاجتماع والميدان الثقافي .

وان ما اقدمت عليه تونس في مجال رفع شأن الانسان ونشر النور والمعرفة وما حققته من انجازات فى هذا الصدد وطوته من المراحل ليعد مفخرة لنظامنا الجمهورى ومثالا جديرا بكل البلدان النامية أو تحذو حذوه وتسير على هديه . واذا تذكرنا أن ثلث ميزانية التصرف مرصود للتعليم بأنواع وللتثقيف ورفع مستوى الشباب وترويضه أدركنا قيمة المجهود المبذول ومدى التضحيات التى يقدمها الشعب التونسي ليكون غده خيرا من أمسه . ذلك اننا ادركنا ان التخلف انما هو قبل كل شئ تخلف في العقول وظلام في النفوس وانه بقدر ما نفتح البصائر ونصقل المواهب وننمى الملكات ونقوى العقول ونرهف المشاعر ونزكى الاخلاق نمكن الانسان التونسى من الآلة التى بها يحسن من شأنه ويقضى على تخلفه ويتطلع الى غد افضل .

وهكذا فتحت آلاف الاقسام وقصدها مئات الآلاف من الاطفال والشبان وتكونت الافواج تلو الافواج من الاساتذة والمعلمين (*) وضبطت القواعد التى يتعين أن ترسي عليها ثقافتنا القومية الاصيلة بما فى ذلك من أحياء للتراث القومى وبعث للفنون الجميلة ونشر الآداب والمسارح على أساس اللامركزية حتى تشع الثقافة فى كامل ربوع البلاد ويستفيد منها كل المواطنين وفي مقدمتهم الشباب ولم يهمل الشبان الذين تعذر عليهم دخول المدارس بل أحدثت لفائدتهم مراكز تكوين صناعية يتعلمون فيها مهنة ويفوزون بشغل شريف ويصبحون مواطنين منتجين (**) ، ولم تخف على المسؤولين أهمية

سلامة الشباب الجسمانية فاتجهت العناية الى وقايته من الامراض ورعايته منذ الصبا وتوفير التغذية السليمة له .

وقد أدرك الرئس أهمية التربية البدنية والرياضية فى تكوين الشباب الجسمى والخلقي وبعد أثرها فى تنشيطه ومضاعفة طاقاته وهو رأس المال البشرى الذى عليه المعول لانجاح البلاد في معركتها ضد التخلف .

فقد ألقى في هذا المعنى السيد الرئيس خطابين أولهما فى 30 سبتمبر 1960 والثاني في 28 جويلية 1962 وبين كيف أن التربية البدنية والرياضية لا يمكن أن يستغني عنها الشباب في قوامه واستقامته ونبه الى تحجر وخطر العقلية القديمة الرجعية التى كانت تنظر للبدن ولحركة البدن نظرة احتقار واشمئزان وأكد أن شباب تونس الجديدة يجب أن يجدد طاقاته ويرفع مستواه لا بالعلم والثقافة فحسب بل كذلك بتعاطى الرياضة على وجهها السليم .

ويجدر أن نذكر في هذا المعنى بالمجهود المبذول من أجل غرس هذه النظرة الجديدة للرياضة ونشرها وتوفير أسباب ممارستها فى جميع جهات الجمهورية ، من أجل مقاومة ما ورثناه عن الاستعمار والماضى البغيض من تعصب اعمى وتهافت مقيت يصدران عن بعض اللاعبين أو المسيرين أو المتفرجين يحسبون انفسهم رياضين بل ان الجمعية الرياضية يجب أن ينظر اليها باعتبارها خلية اجتماعية لها وظيفة سامية ألا وهي المساهمة فى تربية الشباب التونسي وتقويمه بدنا وعقلا وروحا .

وقد أحكمت أسباب النهضة الرياضية واعتمد فى ذلك بالخصوص على المدرسية نظرا إلى ان الاغلبية الساحقة من الاطفال مرسمون فيها . فتقرر فى هذا الصدد منذ سنة 1962 أن تدرس التربية البدنية والرياضية خمس ساعات بالنسبة للسنوات الاربع الاخيرة من التعليم الابتدائى وان يقوم بتدريس هذه المادة مدربون اخصائيون شرعت ادارة الشباب والرياضه فى تكوينهم واعدادهم منذ سنتين على أساس مائة مدرب فى السنة تقريبا ونظرا الى ان هؤلاء المدربين يطالبون بتخصيص اربع ساعات من وقتهم لتدريب الجمعيات الرياضية المدنية ومنظمات الشباب فاننا نكون قد تغلبنا فى نفس الوقت الذي نهئ فيه جيلا أسلم بدنا وأقوى عقلا وأزكى أخلاقا ، على ازمه الاطارات سواء بالنسبة للمسيرين أو الحكام أو الفنيين . وتقرر كذلك تدريس مادة التربية البدنية والرياضية على أساس ثلاث ساعات بالنسبة للمعاهد

الثانوية (*) ونأمل ان يستمر هذا المجهود وان يمتد الى التعليم العالي فنكون بذلك قد كونا شبابا ناشطا متصفا بالقوة والحيوية لا يقضى أوقات فراغه فى ما لا ينفع بل يقصد فى أوقات فراغه الملاعب والمسابح وينشد الهواء الطلق وينسى همومه واغراءات المدينة بواسطة هذا الذى سماه شاعر تونس أبو القاسم الشابى (العبث البرئ) .

* البيئة الثالثة :

وهكذا ينتهى بنا التحليل الى أهمية البيئة الثالثة فى حياة الشباب واذا كان واقع الشباب يشكو كما بينا بعض النواحي السلبية رغم المجهود الجبار الذى تعرضنا له فى ايجاز فلان البيئة الثالثة لم يتم بعد تنظيمها والسيطرة عليها تماما .

قال المجاهد الاكبر فى خطابه المؤرخ فى 28 جويلية 1962 : " يمر الشباب حتما بطور ثالث لا يكون فيه ضمن بيته العائلي ولا فى المدرسة ولا به من رعايته فى هذا الطور وعدم ارساله على هواه تائها فى عرض الشوارع خاصة وقد أخذ النفوذ العائلى والسلطان الأبوى فى الضعف والتلاشى أمام نزعات الحرية الشخصية وتياراتها المختلفة . والبيئة الثالثة فى حياة النشء وهي كما قلت البيئة الواقعة بين الوسط العائلي والوسط المدرسي اتسع اليوم نطاقها أكثر من ذى قبل وأصبح من الاكيد ملؤها حرصا منا على ان يطرد التهذيب في جميع الاطوار التى يمر بها النشء وان لا يفسد فيه التكوين العائلي والتكوين المدرسي وان نسعى فى تمكين التعاون بين الجهود المختلفة فى البيت وفي المدرسة وفي الجمعية الرياضية ومختلف منظمات الشباب وعلى هذا الاعتبار لزم أن تضطلع الدولة بمسؤولياتها بحكم ارتباط هذا الموضوع بالمصلحة العليا للأمة ومستقبل النشء التونسى والرغبة فى تهذيبه ورفع مستواه . وموضوع كهذا لا سبيل لأن تتركه الدولة لرحمة الهوايات والنزعات الفردية ولا أن نعرضه للتناحر والاغراض والتزاحم الاهوش . . . "

وذلك معناه انه اذا كان من الضرورى تعليم الشباب وتثقيفهم ووقايتهم من الامراض وتوفير الشغل الشريف عن طريق النهوض الشامل بالبلاد من الناحية الاقتصادية وبواسطة التصنيع خاصة فانه من الحتمي كذلك اذا ما رمنا

تربية هذا الشباب تربية متواصلة وشاملة وتكوينهم تكوينا وطنيا اشتراكيا يمكنهم بالضبط من مساهمة أوفر وأطول نفسا وأشد فاعلية فى مجهود البلاد الاقتصادى من الحتمى ان نعتنى بهم فيما يسمى (بالشارع) فنتمم عمل العائلة أو نقوم مقامها عند الاقتضاء - ونواصل عمل المدرسة ، ونجلب فتياتنا وفتياننا بواسطة أساليب شتى من الترويض والترفيه الى المساهمة فى نشاط إيجابي مزدوج الفائدة نصونهم به - اولا - مما يهددهم من عوامل التفسخ والانحطاط الأخلاقي والتدهور الاجتماعي - وثانيا - نرفع به مستواهم من الوجهة القومية والانسانية فيعودون الى ذويهم من المدرسة وهم أقوى ما يكونون استعدادا للعمل والانتاج وأشد ما يكونون حماسا لخدمة الوطن وتوطيد اركان الاشتراكية والتقدم .

ورغم ضيق الامكانيات وتعدد الحاجيات وعملا بالتوجيهات التى ضمنها الرئيس فى خطابه المؤرخ فى 30 مارس 1961 فقد رصد المخطط الثلاثى اعتمادات الغاية منها تشييد عدد من دور الشباب والمضائف ومراكز تكوين اطارات الشباب وجملة من الملاعب وميادين الرياضة ولئن تعذر انجاز كل ما تقرر بناؤه فى المخطط الثلاثي لعدم توفر الاعتمادات دائما فان ما تم كان نصيبه النجاح وساهم في نشر الوعى بضرورة الاعتناء بالبيئة الثالثة ووضعها بالنسبة لسلم تأكد الحاجات في المقام الاول (*) . ذلك ان الجميع لاحظوا اقبال الشباب المثقف والعامل على دور الشباب التى تم تشييدها برادس وسوسة والقيروان وقفصة ). . . . كما لاحظوا تقارب مختلف عناصر الشباب الى بعضها بعض وتألف قلوبهم وصرف حماسهم فيما يعود عليهم وعلى وطنهم بالفائدة .

على ان نجاح هذه الخطة متوقف ايضا على قيمة الاطارات وعددهم ، وهم المسؤولون سواء على هذه التجهيزات نفسها او على حظوظ منظمات الشباب أيضا .

ولابد من مواصلة المجهود المبذول فى ميدان (البنية الاساسية) وفي مجال تكوين الاطارات بل لا بد من مضاعفته فى نطاق المخطط الرباعي اذ غاية الحزب

وأمنية الشعب هي أن تهدف سياسة الشباب فى البيئة الثالثة الى تحقيق الشمول بحيث تستوعب منظمات الشباب عددا من المنخرطين يفوق العدد الحالى بعشر مرات على الاقل (*) أو ان يشمل نشاطها سواء فى نواديها بالذات او فى ملتقياتها ومخيماتها أو فى الملاعب والمسابح أو دور الشباب أو المصائف أو المضائف هذا العدد فتوفر للمليونين من الشبان الذين تعدهم البلاد اليوم نشاطا نظيفا ورعاية ذكية ومجالا للتسامى وتجاوز الذات بل نوفر لهم بالخصوص هذه المدرسة التى لا تعادلها مدرسة أخرى وهى التى يتعلمون فيها واجباتهم كمواطنين وواجباتهم كبشر ويروضون النفس على ممارسة المسؤوليات التى تنتظرهم في مجتمعهم التونسي الديمقراطي التقدمي (*) .

تنظيم الشباب :

اذا نحن عرفنا واقع الشباب وقدرنا منزلته فى المجتمع حق قدرها واهتدينا الى الطريقة العلمية والعملية الناجعة لاستكمال تكوينه وتهيئته للقيام بوظيفته فى تونس الغد فانه لا بد من الاشادة بالدور العظيم والمسؤولية الكبرى التى تحملها الأمة منظمات الشباب والرياضة وفي المقام الاول الشباب الدستورى والحقيقة ان هذه المنظمات قامت وتقوم فى أغلبيتها بواجبها أحسن قيام سواء فى طور الكفاح من أجل الحرية او فى مرحلة البناء والتشييد . الا ان تجدد الاهداف وتشعب المسالك اقتضى إحكاما جديدا فى تنظيم الشباب وأكد أكثر من ذى قبل ضرورة اتحاد هذا الشباب من أجل بلوغ تلك الاهداف وعلى أساس ميثاق يحدد ويضبط النموذج المثالي للشباب فى تونس التائقة الى الكرامة ، الزاحفة نحو الاشتراكية والازدهار . وكان الملتقى الذى دعا اليه الديوان السياسي جميع منظمات الشباب في جويلية 1963 ببئر الباى تاريخيا حقا اذا وفق الشباب التونسي فيه الى وضع ميثاق يحدد واجباته نحو نفسه وما يجب ان يكون عليه من استقامة واعتدال وسلامة جسم وطهارة نفس ويحدد كذلك واجباته نحو الوطن من محبة واخلاص للأمة التى اليها ينتسب وتعلق بالقيم الحضارية العربية الاسلامية باعتبارها من أشد وأهم مقومات تونس ومن استعداد للذود عن حرمة الوطن وحماية النظام الجمهورى وكذلك من حماس

للاشتراكية السليمة باعتبارها النظام الاجتماعى والاقتصادى الكفيل بتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والكرامة في أشمل معانيها . ويحدد ثالثا واجباته من حيث هو بشر من تضامن مع الشباب المناضل فى العالم أجمع ومن عزم على التضحية من أجل بشرية مطهرة من الاستعمار والظلم والفاقة والميز العنصري ، مبرأة من شوائب الحرب والاستغلال . وانبثق عن هذا الملتقى أيضا اتحاد الشباب الذي يعد أداة تحقيق للشمول المنشود وضمانا لتقوية روح الالتزام في صفوف الاجيال الصاعدة خاصة وانه يستمد وحيه من مبادئ الحزب ويعمل من أجل غايات الحزب مع تنوع الطرائق والاساليب والتشجيع على روح المبادرة .

وان الشباب الدستورى الذى أعيد تنظيمه هو أيضا منذ سنة على أساس الفاعلية ورغبة فى الشمول وتغذية جميع عناصر الشباب التونسي بالمبادىء الحزبية السليمة والروح النضالية العارمة ليحتل اليوم المكانة الاولى فى اتحاد الشباب ويقوم بدور المحرك الأساسي فى نطاق معركة البقاء .

فاذا رجعنا الى التنظيم الجديد للشباب الدستورى لاحظنا أنه مرتكز على أساس ترابي وكذلك على أساس اقتصادى او ثقافى وبذلك يوفر تكوينا مذهبا واحدا لكافة أصناف الشباب بقدر ما يمكن كل صنف من وعي المشاكل الخاصة التى تعترضه فى ميدانه والتي يوجد لها المسؤولون حلولا ثورية فيدركها الشاب الدستورى ويتفانى فى العمل على تنفيذها فى ميدانه الخاص .

فبناة الجمهورية تعمل على حمل شبان المعامل والضيعات الفلاحية ووحدات الانتاج والإدارة على وعي مشاكلهم والتبصر فى مقتضيات المعركة ضد التخلف وان ما ينظم لهذه الاصناف من الشبان من محاضرات ودراسات فى مستوى الخلية ومن ندوات وملتقيات فى المستوى الجهوى والقومى كفيل بأن يبعث في أنفسهم الحماس الى أهداف المخطط بالاضافة إلى روح النضال والتفانى التى يتلقنها الشباب الدستورى بفضل مثل هذا النشاط . فالغاية هي اذن ان نجعل من بناة الجمهورية الذين كانوا بالامس القريب حماة الحمى دعاة الى الاشتراكية الدستورية والى ما تقتضيه من عمل اصلاحى فى الميادين الفلاحية والاقتصادية والصناعية والادارية ويجدر ان نشير الى العناية الخاصة التى يجب ان يوليها الشباب الدستورى المعلمين والاساتذة الشبان نظرا للدور الاساسي الذي يقومون به أو يجب أن يقوموا به فى مجال تربية الاجيال

الصاعدة ولانتشارهم في كافة انحاء الجمهورية ولأننا نأمل كذلك ان تتخرج من بينهم نخبة ملتزمة تجمع بين الثقافة والكفاءة وبين الحماس وروح النضال والتضحية حتى يرتفع بهم شأن البلاد ويقوى بفضلهم ساعد الأمة .

والشبية المدرسية تعنى بفتيان المدارس الاعدادية والثانوية وفتياتها الذين تجاوز عددهم هذه السنة ستين ألفا (*) والذين سيتخرج من بينهم الاطارات السياسية والثقافية والاقتصادية والفنية التى سوف تحمل البلاد على أكتفها وتمسك بمصير الأمة بعد سنوات معدودات ورغم حداثة اعادة تنظيم هذه المنظمة فقد قطعت شوطا كبيرا فى تكوين أبناء المدارس تكوينا يهدف الى التحزب والالتزام وغرس الوطنية والحماس ويستعمل أساليب التثقيف والترفيه من رحلات ومحاضرات ورياضة وتمثيل وسينما كما توفر جميع الامكانيات ليتيسر لهؤلاء التلاميذ والتلميذات معرفة واقع بلادهم والوقوف على المجهودات المبذولة في كامل البلاد لرفع مستوى الشعب ، والانجازات الكبيرة التى غيرت وجه تونس وجلبت لها ولرجالها تقدير العالم أجمع .

والجامعة القومية للطلبة الدستوريين تهدف أولا الى تركيز الايمان الوطني والروح الحزبية عند كافة الطلبة التونسيين سواء فى الجامعة التونسية أو في مختلف الجامعات في الشرق والغرب ، وما من كلية أو مدرسة عليا أو معهد مختص في أى مدينة من مدن العالم يوجد فيها طلبة تونسيون الا وقد تأسست بها شعبة هي مركز اشعاع الحزب وأداة الوصل والحوار بين طلبتنا وحزبنا العتيد وكذلك أداة كفاح ضد أعداء الحزب والوطن وتعريف بوجه تونس الحقيقي . الا ان الجامعة القومية للطلبة الدستوريين لم تقتصر على هذا فحسب بل تجاوزته الى حمل الطلبة على الدراسات المذهبية وتسليط عقولهم على واقع تونس ومشاكلها الاقتصادية والاجتماعية واجراء هذا الجدل الضرورى والمنعش بين الفكر والواقع والذي من دونه تكون القطيعة ويكون الزيف .

وان نجاح الشباب الدستورى وخاصة بناة الجمهورية بما تشتمل عليه من شباب ريفي وعمال شبان وموظفين ومعلمين شبان متوقف الى حد بعيد على مستوى الاطارات المسؤولة على حظوظه لذا تأسست منذ سنة مدرسة لتكوين اطارات الشباب الدستورى ببئر الباى يتكون فيها كل شهر حوالى أربعين شابا يتحملون مسؤولية الاشراف على خلايا بناة الجمهورية فى مختلف الشعب

ومن الجدير بالملاحظة أن برنامج هذه المدرسة يتضمن تكوينا سياسيا وحزبيا بها مع تلقين المبادئ الاساسية الضرورية لتنشيط أفواج الشباب واستعمال الوسائل السمعية البصرية وضروب الترويح وفنون الرياضة مما يتوقف علي نشاط النوادى اليوم (*) .

ورغم ذلك فان الحاجات تفوق هذا المجهود ولا بد من بعث مراكز جهوية اخرى لتكوين اطارات الشباب وتكوين المكونين الذين سيدعون الى العمل فيها .

وليست الغاية تكوين الشباب الدستورى فحسب وتكوين المسؤولين عن كل منظمة من بقية منظمات الشباب على حدة بل المصلحة تدعو الى تكوين مشترك ينسجم مع غايات اتحاد الشباب ويتماشى مع الاهداف السامية والمصالح العليا للبلاد من دون ان يتعارض ذلك مع تلقين هذا الصنف من الشباب او غيره بعض الاساليب الخاصة بمنظمته باعتبارها مجرد وسائل عمل .

وتدعيما لما سبق ذكره في تنظيم الشباب الدستورى فانه يقترح ادخال تحوير في طريقة تعيين عميد الشبيبة ليكون منتخبا من طرف الشبان الدستوريين العاملين بصفة قارة داخل الخلايا التابعة للشعبة وينضم الى هيئة الشعبة حينما يتم تحديدها . ومن الملاحظ ان هذه الطريقة فى اختيار عميد الشبيبة تمكن من تلافى الحالات التى توجد ببعض الشعب حيث يكون عميد الشبيبة المنتخب ضمن كافة أفراد هيئة الشعبة أبعد الناس أحيانا عناية بمشاكل الشباب وأقلهم قدرة على معالجتها وتنشيط الشبان وجلبهم الى الحضيرة الحزبية فيحدث ما يحدث من نفور بين الشبان وهيئة الشعبة لا لشئ سوى ان العميد لا يستطيع التجاوب مع نفوس الاجيال الصاعدة . ولضمان النجاعة والاحتياط من سوء الاختيار يجدر انتخاب عميد الشبيبة من طرف الخلايا من بين قائمة من المترشحين أحرزوا على تزكية هيئة الشعبة ونشطوا فى الخلايا مدة معينة وشاركوا في تربصات سابقة بمراكز تكوين اطارات الشباب وبذلك يمكن توفير المستوى اللائق للاطار المشرف على حظوظ الشباب الدستورى وضمان الانسجام مع الهياكل الحزبية العامة .

بمثل هذه الطريقة يتوفر شرطان أساسيان لانجاز برامج النشاط الحزبي الرامية الى تربية الاجيال الصاعدة :

أ) تدعيم التشكيلات الحزبية الخاصة بتنظيم الشباب وابراز شخصيتها الشئ الذى يدفع الاطارات المسيرة لها الى مزيد من الشعور بالمسؤولية والحماس في العمل .

ب) ضمان المستوى الضرورى للاطارات المشرفة على الشباب الدستورى حتى تكون متجاوبة مع مقتضيات تربية الاجيال الصاعدة ومتفاعلة مع رسالة الحزب المتجددة .

وهل من الضرورى أن نؤكد بعد كل ما سبق أن هذا التنظيم الجديد للشباب الدستورى انما الغاية منه تكييف نشاط كل صنف من أصناف فتيان الحزب ومراعاة المستوى والاختصاص وان وحدة شبابنا الدستورى باقية راسخة متينة حول أهداف الحزب ومن أجل تحقيق الاشتراكية والازدهار لحمتها الكفاح المشترك والامال الواحدة فى الحياة الحرة الكريمة ، فالتصنيف اذن ليس تقسيما فى الصفوف ولا تشتيتا للقوى وانما هو طريقة عمل وحرص على الفاعلية وترسيخ - بالتابع - للوحدة والانسجام بين مختلف عناصر الشبات الدستورى من جهة وبين الشباب المنضوى تحت لواء المنظمات الاخرى فى إطار اتحاد الشباب من جهة اخرى ، على أساس الاتصال العضوي المتين بالحزب .

* فى سبيل شباب متطور ملتزم :

إذا كان الشباب فى هذا العصر هو عماد الامم ومجدد القيم وحامي حمى الاوطان فانه يمثل فى تونس الطاقة اللامتناهية التى يعتمدها الشعب فى ثورته الاشتراكية كما اعتمدها فى تمرده على الطغيان وفوزه بالاستقلال .

ويجب أن نقولها بكل فخر واعتزاز : قليلة هى الشعوب التى خصت شبابها بالعناية وأمدته بالامكانيات وقدمت له من التضحيات مثلما خص الشعب التونسي شباب البلاد وأمده وضحى فى سبيله . وقليلة هى الاحزاب الجماهيرية التى نزلت الشباب المنزلة المرموقة التى نزل بها حزبنا العتيد الشباب التونسى بل وقليلة هى الدول التى يوجد فيها هذا الحوار الصريح المخلص الايجابى المبنى على الثقة والمحبة الموجود اليوم بين شباب تونس سواء فى المدارس والجامعات أم فى الحقول والمصانع وبين الكهول والمسؤولين بصفة عامة .

واستبقاء لهذا الرصيد الادبي الذي لا يقدر وحتى يكون شبابنا كما كان ولا يزال عند حسن الظن فينهض بالمسؤولية التاريخية الموكولة بهمته وعزيمته و يقهر المحال ويأتي بالمعجزات لابد من مواصلة بل من مضاعفة المجهود الجبار الذي يقوم به الحزب والحكومة من اجل تكوين هذا الشباب تكوينا جسميا وعقليا واخلاقيا ، لا على اساس ان فى ذلك قياما بالواجب فحسب بل باعتباره كذلك شرطا ضروريا للنجاح في معركة الحياة واقرار الاشتراكية السليمة كنظام اجتماعي واقتصادى وثقافى كفيل بتحقيق الازدهار الشامل والكرامة الكاملة .

ولابد كذلك من مزيد العناية بالتكوين السياسي والاخلاقي والروحى حتى ترسخ اقدام هذا الشباب في الارض الطيبة التى فيها ولد وعلى أديـمها ومن خيراتها يعيش ، وحتى يتغذى من أسمى قيم الحضارة العربية الاسلامية ويعتز بكفاح وطنه وصموده أمام الغازين على مر القرون وتوقه المتواصل الى الحرية والعدالة وتقرير المصير ، وان يتحمس بالخصوص الى كفاح بلاده من اجل الاستقلال ثم أن ينشأ على المبادىء الاشتراكية والايمان بالالتزام ويتخلق بالاخلاق الحميدة .

بذلك كله نهتدى الى خلق الجيل المثالي المستقيم بدنا وعقلا وخلقا المعتز بوطنه وبنفسه المؤثر للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، الصادق فى القول النزيه في العمل ، المستعد دائما للتضحية من أجل الوطن وعزته كما يهدف اليه الميثاق الذي صادقت عليه منظمات الشباب بالاجماع فى جويلية 1963.

هذه الاغراض السامية من الضرورى تصميم الوسائل الكفيلة بتحقيقها ودفع الثمن اللازم لبلوغها ومن ذلك :

1) التعليم والتثقيف اذ يحسن - الى جانب نشر نور العلم ونعمة الثقافة من حيث هما - النظر في البرامج والكتب والنصوص والقصص والروايات المسرحية والافلام الاشعار لتبين مدى مساهمتها فى غرس هاته المعانى التى اومأنا اليها وبالخصوص لمعرفة ما اذا كانت تغذى نفوس شبابنا الغضة بالوطنية الصحيحة والاخلاق الاشتراكية والأصالة الحضارية .

2 ) القيام بدراسة موضوعية وشاملة لواقع التلامذة المرسومين فى التعليم الابتدائي والذين لم يتمكنوا من النجاح فى مناظرة الدخول الى التعليم الثانوى

أو الاعدادي ولنظر في مصيرهم وما عسى ان تقوم به الدولة والحزب لانتشالهم من البطالة والفساد اللذين ينتظرانهم وجعلهم قادرين على الافادة والانتاج .

ويحسن كذلك القيام بنفس الاجراءات بالنسبة للتلامذة الذين أطردوا لسبب أو لآخر من التعليم الثانوى أو الاعدادى .

3) المزيد من اليقظة والاهتمام حتى نحمى أولادنا وبناتنا مما يهددهم بسبب الافلام التجارية الرخيصة والمجلات العابثة ووسائل الاشهار الاستغلالية وانتشار الخمور والميسر والقيام بحملة عامة شاملة من أجل التوعية وارهاف الضمير الاخلاقي والمهنى وتذكير الاباء والأمهات بحق ابنائهم عليهم فى العناية والتربية والسهر على سلامة أجسامهم وأرواحهم .

4) الحرص الذي يتعين أن يتصف به كل المتحزبين الاصيلين وكل المسؤولين فى المنظمات ، وفى شتى دواليب الادارة بحيث يقرنون بين العلم والعمل ويكونون فى سلوكهم وأقوالهم خير مثال للشباب ونعم المرشد ، وبذلك لا يتذبذب الجيل الصاعد ولا تزول ثقته فى القيم بزوال ثقته في الاشخاص الذين تتمثل فيهم هذه القيم .

5) اقرار الخدمة المدنية لا على اساس الجدوى الاقتصادية فحسب بل بالنظر الى كونها مدرسة يتلقن فيها الشباب على مختلف مستوياته الثقافية والاقتصادية التكوين الاخلاقي والمدني والاشتراكى الذى من دونه يبقى سلبيا أو عاجزا عن احتلال الصفوف الامامية فى الثورة العارمة الرصينة التى يخوضها الشعب التونسى من اجل خلق المجتمع الاشتراكى الفاضل الجديد .

6) الاقتناع الاكمل بأن النهضة بالشباب لا تكون كاملة وسريعة الا اذا اعتمدت التربية المتواصلة الشاملة وهذا لا يتيسر الا بالاعتناء بما يسمى البيئة الثالثة .

وليس فى الاعتناء بالبيئه الثالثه تناقض مع المجهود الواجب بذله فى ميدان التصنيع او مع الاولوية الواجب اعطاؤها للميدان الزراعي ولا يوجد بالخصوص تضارب مع تأكد نشر التعليم وتكوين الاطارات .

فالفتى أو الفتاة سواء كان عاملا بالمصنع أو فلاحا في ضيعة أو طالبا بالجامعة أو موظفا بالادارة محتاج دائما فى تكوينه العام وتوازنه الذاتي واستقامة جسمه وخلقه وسلامة ذوقه ووطنية مشاعره وفي قدرته على الانتاج أيضا ،

محتاج الى ملء أوقات فراغه بما يصومه مما يهدده ويشتت قواه ويعبث بطاقاته ، ومحتاج أولا وبالذات الى توجيه مدني وحزبى وأخلاقي يكون أيسر عليه وأنفذ اليه بواسطة ضروب من الترفيه الايجابي في جو من المرح والهواء الطلق والتلقائية والاخوة الصافية الصادقة .

فليست المسألة حينئذ هى فى أن تعرف هل يمكن أم لا بناء دور الشباب والمسابح والملاعب فى نفس الوقت الذى نشيد فيه المصانع ونؤسس وحدات الانتاج ونفتح المدارس والجامعات ، بل هى أن تؤمن بأن المجهودين هما فى الحقيقة مجهود واحد متكامل وانه اذا أسسنا مصنعا وأرحنا ضميرنا بتشغيل بعض الشبان من دون اعتبار للكيف ومن دون حرص على تكوين انسانى شامل لهؤلاء الذين تركوا البطالة والتحقوا بصف المنتجين نكون قصرنا فى القيام بالواجب وعالجنا جانبا واحدا من القضية ويكون الحل منقوصا ويكفى أن ننظر فى حالة وسيرة ومعاملات بعض هؤلاء الذين امكن تشغيلهم لندرك أنهم ما زالوا على الاقل فى حاجة الى مزيد من العناية والتكوين .

واذن فيجب أن نغير نظرتنا التقليدية ونكون في مستوى مقتضيات الحياة العصرية فى النصف الثاني من القرن العشرين ، ونعتبر التداخل فى البيئة الثالثة فى درجة الضروريات لا الكماليات فكلما أسسنا مصنعا وجب تأسيس وحدة ( اجتماعية ثقافية ) الى جانب المطعم والمستوصف ، فيها يجتمع العملة وبين ارجائها يمرحون ويروضون النفس والجسم ويجددون الطاقة فيتحقق التصنيع بأيسر السبل ويتوفر الانتاج بتصنيع الرجال كما يتعين تكوين بعض المنشطين الذين يمكن اختيارهم من بين عناصر الشباب المتحمس لينظموا هذا النشاط المنعش حول المعمل فنضمن بالتابع الانتاجية القصوى والانسجام التام مع مقتضيات النفس وأهداف المجتمع فى آن واحد .

وكذلك الامر بالنسبة لوحدات الانتاج والمدارس والادارات اذ كل مسؤول عن قطاع من هذه القطاعات مطالب بأن يتساءل ما عسى أن يفعل الشباب بعد عناء الزراعة أو الدرس أو العمل الاداري وكيف يقضى أوقات فراغه .

وفي هذا الصدد لابد من اعطاء التربية البدنية والرياضية حقها والمقام الاول من مشاغلنا لما أصبح لها من نفوذ على الشباب وقدرة على تكييفهم بما يفيد اذا ما مسكنا زمامها بأيدينا ولم نتركها وشأنها على أساس أنها نشاط هامشى .

فعلى الاطارات الحزبية والحكومية أن تواصل حملة التوعية حتى لا تبقى بلدية واحدة ولا مدرسة واحدة ولا مصنع واحد ولا ضيعة كبيرة واحدة محرومة من الملاعب والمسابح وقاعات الرياضة والنوادى وحتى يشعر كل تونسى بالغبن اذا ما حرمت قريته من التجهيز الرياضى كما يشعر به عندما تحرم قريته من المدرسة أو من النور أو من الماء .

كذلك يجب مواصلة المجهود الكبير المبذول حاليا لتكوين الاطارات الرياضية ولا بأس من تفريغ المسؤولين الاكفاء لينهضوا بمهمة التنظيم والتنسيق ويستحسن الزام المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية بأن تمنح عطلا للعملة والموظفين كى يتمموا تكوينهم بواسطة التربصات ويقدروا على القيام بواجبهم على أحسن وجه فى منظمات الشباب والجمعيات الرياضية وهذا ما قررته بعض البلدان فى العالم الاشتراكى وحتى الرأس مالى .

وتمويل هذا التجهيز الاجتماعى والرياضى يمكن اعتباره جزءا لا يتجزأ من تكاليف المؤسسة نفسها وداخلا فى مقدرات بناء المعمل أو المدرسة أو تنظيم الوحدة الانتاجية وتسييرها .

ولعله من المستحسن التفكير فى سن القوانين ووضع الترتيبات التى تجعل من هذه التوصيات واقعا ملموسا . فكما لا يمكن بناء معمل أو مدرسة من دون مستوصف أو قاعة اجتماع للهيئة المسيرة أو مطعم فكذلك يجب رفض كل مثال هندسي لمجموعه صناعية أو مدرسية أو فلاحية لا تحتوى على ناد وملاعب ومسبح وقاعات ترويض .

هذا ما فهمته الدول المتقدمة فى الشرق والغرب وهذا ما يلاحظه كل من يتجول فى تلك البلدان وخاصة منها تلك التى تدعى القيام بثورة اشتراكية وصنع انسان جديد . وليس ذلك على همتنا بمستحيل اذا عرفنا كيف نغير العقليات ونقنع الذين شبوا على نمط من العيش جعلهم يميلون بطبعهم الى الشيب عليه وذلك بوجوب تغيير ما فى النفس والتلاؤم مع مقتضيات العصر .

بدلك نحقق النهضة الصناعية والفلاحية والثقافية لاننا نكون قد أحكمنا تكوين العنصر البشرى وهذبناه ومكناه من التمتع بكل ملكاته الجسدية والشعورية والعقلية وغرسنا فيه الاخلاق الفاضلة .

وبذلك - أيضا وبالخصوص - نكون قد نهضنا بالانسان ، اذ التصنيع والتخطيط والاشتراكية ... انما هى فى آخر الامر وسائل للنهوض بالانسان ورفع مستواه الحضارى .

اشترك في نشرتنا البريدية