الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الشباب التونسى واللفة العربية

Share

كان أساتذة العربية فى المدرسة الصادقية يفرضون على تلامذتهم في الأقسام العالية حفظ القصائد والنصوص الأدبية ويشتدون عليهم في ذلك ولا يقيلون عثرتهم . وكنت أنسب هذه الظاهرة تارة الى الرغبة فى ترويضنا على الحفظ وإزالة صدا الذاكرة وطرح الكسل العالق ببعض النفوس وتارة أعزوها الى صعوبة العربية من دون أن أغوض اكثر . بينما لا نطالب بالنسبة للغة الفرنسية بهذا العناء إذ خف الحمل منه ابتداء من السنوات الأولى

وتمضى السنون وأدرس العربية وأفرض على تلامذتي حسب السنة المتبعة حفظ القصائد والنصوص وأسائل نفسي عن ذلك وأجد أجوبة عديدة : منها حرصنا نحن التونسيين على امتلاك ناصية العربية والتحرى فى شأنها الى حد المبالغه فى بعض الاحيان وهى ظاهرة قديمة فينا تصل جذورها الى عصور الازدهار الأدبي الأولى . ومنها حرص الأساتذة على أن تتغلغل العربية في نفوس التلامذة حتى تصير وسيلة إبلاغ شأنها شأن اللغة العامية واللغة الفرنسية من دون تكلف ولا تصنع أو غموض

غير أن هذا الحرص يوازيه فى الحقيقة شعور بأنه من العسير أن تتغلغل العربية فى نفوس التلامذة كتغلغل اللغة العامية وكتوصل الفرنسية إلى أن تدخل إلى الأفهام بسهولة فتستحوذ عليها وتخضعها إلى نمط تفكيرها وعالم سحرها . وهو شعور ناتج عن وعي أو غير وعي عن أن العربية لم تصل إلى ما وصلت إليه اللغات الحية الأخرى من قوة الابلاغ ، ولا أقول البلاغة في معناها التقليدى ، ولم تتحد بعد مع الواقع المتطور يوما فيوما بحيث تعبر عنه بوضوح ويسر

فهذا الشعور وهذا الحرص هما الدعامة لهذه الظاهرة وما هى بالتالي الا غيرة على اللغة العربية التى نؤمن إيمانا عميقا بأنها من مقومات كياننا وشخصيتنا ولا يمكن أن نحافظ عليهما إلا إذا حافظنا عليها بالذود عنها وبتطويرها وتنميتها وإخضاعها لناموس التقدم حتى تكون لغة ابلاغ تحمل الي الناطقين بها مهما كانت ثقافتهم عصارة الفكر الحديث وتفرز بحكم مستواها آراء تنير البحث المستجد والعلم المعاصر

ولكن هذا التحليل لهذه الظاهرة وإن كان يشفى الغليل من أول وهلة فانه يحتاج إلى غوص أوفى وتعمق أشمل إذ كيف يمكن الاقتناع بأن أستاذا اتقن الفرنسية إلى حد الابداع وأتقن العربية فاستساغت له وآمن بما لكثير من الكتاب والشعراء العرب من الطرافة والجدة يجد نفسه عند قراءة نص للجاحظ ونص في نفس الموضوع ن Montaigne أمام حيرة كبيرة . يشعر رغم دقة تحليل الكاتبين وتشابه استنتاجاتهما بأن هناك شيئا يفرق بينهما ويعطى ل " مونتانيو " جدة لا نجدها عند الجاحظ رغم تماثل الرجلين فى سعة الثقافة على اختلاف مشاربها وقدرتهما على الغوص فى القضايا الانسانية مهما تباعد الزمن وتنوعت الاجناس ، ولك مثال آخر فى الغزالى وديكارت فانهما بدا فلسفتهما من نقطة انطلاق واحدة وهي الشك فى كل شئ وطرح جميع المعارف مهما كانت على بساط من الانكار والتفنيد ولكنهما رغم ذلك ينتهيان الى نتائج متعاكسة تماما فديكارت يمعن فى القول بالعقل والغزالى يلقى بنفسه فى أحضان التصوف بعد تجربة ذاتية قاسية

لقائل أن يقول إن تباعد الزمن بين الجاحظ و " مونتانيو " وبين الغزالى وديكارت هو الذي كان له تأثير فى هذا الاختلاف وهو الذى مكن الكاتبين الفرنسين من ثراء أكبر وسعة إطلاع أوفر . ولكن المنصف يجد أن المعارف التى وصل إليها العالم الغربي في ذلك العصر لا تزيد فى كثير ولا قليل عم وصل إليه العالم العربي الاسلامى إلا بشئ واحد يظهر طفيفا فى الظاهر ولكنه الفارق الفاصل بين الثقافتين وحتى الحضارتين وهو إنتشار الطباعة فى العالم الغربي وسبقه فى استغلالها بقرون عديدة وانعدامها مدة طويلا فى العالم العربي بتلكئه فى احتضانها وتردده فى الانسياق الى متطلباتها القاهرة .

وهنا يجب أن أؤكد أمرا كنت تعرضت إليه من قبل ( * ) وهو تأثير الكتابة لا من حيث المحتوى بل من حيث شكلها وقالبها خاصة الكتابات الهجائية اذ هى تفرض نوعا معينا من التفكير وتخرج بالشعوب من " سلطان الذاكرة المنشدة " إلى سلطان النثر الحقيقي الذي يتطلب إعمال الرأى والروية ، وبطبيعة الحال يرقى بالأمة من الحفظ أو " المعرفة المرتلة " connaissance psalmodiee حسب تعسر الأستاذ " جاك بارك " ( Jaques Berque ) إلى مدارج الفكر والعلم الصحيح .

وكما أن الكتابة كانت بالنسبة للبشرية تحولا فى تفكيرها فمن باب أولى وأحرى أن تغير الطباعة مجراه وتفرض عليه سلطانها . فالانسان بفضل ما خلق فيه وما يخلقه هو نفسه ينتقل من سلطان الى سلطان . فمن سيطرة الذاكرة فى الفترة التى لم يكن له من طاقة فى تسجيل ماضيه ومعارفه الا بواسطتها ، الى سيطرة الكتابة عندما اخترعها هو بنفسه ، الى سيطرة الطباعة

ولقد بين البحث أخيرا ، وهو تأييد لما ذهبت اليه باجمال فى مقالاتي المتقدمة ، أن الطباعة هى السبب الوحيد فى القفز بالتفكير البشرى الى مراتب الرقي والتقدم لا من حيث إعانتها على نشر المعرفة وإشاعتها بين الناس بأرخص الأثمان بل لأنها تعد من حيث الشكل والقالب والمبنى تطورا بالنسبة للكتابة أى المخطوط .

فلقد وجدت فى كتاب وصل الى تونس فى هذه الايام ( 1 ) ما يوضح هذه المسألة ويعطيها أبعادها الخطيرة كما أن الأستاذ " جاك بارك " أشار على بما ألفه أخيرا " فيليب سلر " Philippe Sollers و " جاك دريدا " jacques Derridd اللذان بدأ ينحوان نحو " لوهان " . وإذا كنت لم أطلع بعد على ما وصل اليه هذان الاخيران من استنتاجات فانى اطلعت على مؤلف " لوهان " وراعني ما فيه من ثروة وجرأة نادرتين

إنه يعتقد أن الطباعة مثل الكتابة اعتمدت ، ولكن بصورة حادة ، على البصر وجعلت الحواس الاخرى كالسمع واللمس في المرتبة الثانية بينما " الثقافة القبلية " التى لم تكتشف الكتابة بعد أو لم تأنس اليها لسبب من الاسباب تركن الى السمع اكثر من غيره من الحواس . وبفضل الطباعة التي نعتمد التجزئة وتكرار الحروف وبالتالى طغيان البصر أصبح من الممكن اخضاع الأشياء ورؤيتها حسب نمط من التفكير معين هو التفكير العلمي . ذلك ان " الكلام المطبوع . . هو الاول الذي أخضع الكلام الى النظر وجعله يرى وهو الذي سمح بخلق نمط من التواتر المنسجم كان سببا فى ايجاد الصناعة العصرية . . " و " مفهوم هذا التواتر المنسجم أو التعدد المنسجم المنبثق من المطبوع والمستعمل فى جميع المشاكل اليومية هو الذي خلق جميع أنواع الانتاج وانماط التنظيم الاجتماعى التى مكنت العالم الغربي من الخصائص التى ينعم بها اليوم " . . .

واذا وجدنا لهذه الاستنتاجات أو الى ما يؤدى اليها مطاعن عديدة فانه يمكن

القول بأنها تحمل جانبا عظيما من الصحة له ما يؤيده فى تاريخ تفكيرنا العربى الاسلامي ، كما بينت ذلك سابقا ويمكن الجزم إذن بأن هذا الاختلاف الذى نحس به بين الكتاب العرب وبين غيرهم ممن احتضنوا بدون مركب الطباعة منشؤه هو تفاوت ) 1 ( بين اكتمال اللغة بظهور القرآن وبدائية الكتابة رغم محاولة تلافى ذلك التفاوت من كتاب أفذاذ مثل الجاحظ وابر خلدون

كل هذا يؤدى الى تبرير شعور أساتذتنا بأن العربية تحتاج الى مجهود كبير من التلامذة ليتطبعوا بها وينسجموا معها بينما لا تحتاج الفرنسية الى مثل ذلك الجهد . أو لعله وعي غامض بأن اللغة العربية لم تصل إلى مرتبة اللغة المطبوعة فتحتاج إلى الاستناد إلى الحفظ ليمكن لها التأثير فى أنفس الراغبين فيها .

وهكذا يتضح الآن أن هذا يعزي الى أن العربية لم تدخل عصر الطباعة بأتم معنى الكلمة وأنها بقيت - من جراء عجز أهلها عن الخروج تماما من الثقافة الشفهية السمعية - منقوصة لا يستعمل الشكل فيها الا عرضا .

وبما أن الطباعة تعتمد البصر أكثر من أى حاسة وتفرض على القارىء حالة نفسية تهئ الى التبويب والتجزئة وتفصيل الامور وتيسر الفهم وتفرضه فرضا فان نصا عربيا مطبوعا غير مشكول لا تتوفر فيه هذه الخصائص . ذلك أن القارىء العربى يضطر الى استعمال حواسه كلها إذ هو يجب عليه أن بتصور بذهنه أى بجميع طاقاته الوظائفية ما ليس ظاهرا من النص . وهذا بجره الى بذل مجهود أكبر يفرز بالتالى نمطا من التفكير لا يتماشى مع تقتضيه الطباعة الحق

وهذا ليس من قبيل التخمين أو الافتراض إذ أن العلم الحديث أثبت أن من جملة ما في دماغ الانسان نقطتين : نقطة مهيأة للقراءة ونقطة مهيأة للكتابة ( 2 ) والدليل على ذلك أن بعض الناس الذين أصيبوا بعاهة فى هذين النقطتين بعجزون عن القراءة Alexi)) والكتابة (Agraphie) ويظهرون فى سلوكهم وتفكيرهم عاديين لا ينقصهم شئ . فهم يرون ويسمعون ويتكلمون ولكنهم غير قادرين ذهنيا على التعبير عن رموز صوتية أو كتابية مهما كانت .

وقد يكون من الطريف جدا أن نقوم بالتجربة التالية فى مخبر مجهز تجهيزا

تاما : يقع إحضار تونسيين من مستويات متفاوتة وأعمار مختلفة ليقرأ كل منهم نصين : نصا مشكولا ونصا غير مشكول . وفي كل من الحالتين تضبط الآلات بالخطوط البيانية وغيرها ما هى الحواس التى استعملها القارىء فى كل من النصين وما هو المجهود الذى قام به ونوعيته حتى يستنتج فى الآخر نوع التفكير الذى ينتج عن القراءتين . ولست أدرى هل أن العلم قادر على ذلك أl لا ولكنها تجربة يمكن أن يغامر بها الباحث

وهكذا فان العلاقة بين ما يقرؤه الانسان وما يكتبه وبين دماغه متينة . فلا غرو أن تكيف الكتابة فى الاول نمط تفكيره وتعينه على وعي أكثر وعقلانية اضبط ثم تأتي الطباعة كمرحلة أخرى فتتقدم به وتزيده وعيا بنفسه وبما حوله .

لهذا فان الشباب التونسى الذى تحدثت عنه بعد أن مر بالمرحلة الابتدائية ولم يهضم تماما مفهوم الشكل ( 1 ) فى السنوات الاولى ثم تسحب منه النصوص المشكوولة ويحتك بالجرائد والمجلات الخالية من الحركات يحس بحيرة كبيرة ويضطر الى أن يقوم بمجهود كبير لينسجم مع لغته وهو الذي كيفته اللغة الفرنسية المعتمدة على الكتابة الكاملة وخولت له أن يكون له تفكير يتماشى مع عصر الطباعه والانسان بطبعه وما جبل عليه منساق الى احتضان عصره ومسايرة ركب التقدم اذ لا يعقل ان تفتح أمام الانسان أبواب المعرفة وينكص على أعقابه خاسئا .

وليس معنى هذا أن الشباب التونسى تنكر للغته بل هو بالعكس تشبث بها وزادته الفرنسية وعيا بكيانه وإيمانا بشخصيته وحرصا على أصالته تصمد أمام كل حوافز التفسخ وعوامل الذوبان وصار يبحث عن كل ما يجعل لغته لغة حية مواكبة للعصر

وختاما فقد اتضح أن مسألة وضع الحركات بصفة مطردة ليست شكلية وان مستقبل الفكر التونسى وبالتالى الفكر العربى متعلق بها فلن يكون ازدهار للغة العربية الا بازدهار كتابتها ولن يكتب لها ان تلعب دورا فكريا فى العالم الا اذا أخرجها أهلها من هذه القيود المجحفة بها وأزاحوا عنها هاته الأغلال التى تكبلها .

اشترك في نشرتنا البريدية