اهتم علماء النفس بدراسة النمو اهتماما بالغا ، وعنى به جمعهم عناية شملت مختلف جوانب الفرد وشتى مقدراته الذهنية والجسمية وحتى الانفعالية وعلى الرغم من اختلاف المدارس النفسية - المعاصرة منها والقديمة فان معظمها ينتهى الى ضرورة تقسم نمو الفرد الى مراحل زمنية تتسم بطائفة من الخصائص وبمجموعة من المميزات الفردية تسهيلا للبحث وتنظيما للتناول والدرس - هذا ما اتفق عليه جمعهم اما فى خصوص مبدإ التقسيم فمنهم من يتخذ الاساس الفسيولوجى كمبدإ لتتبع تطور النمو ، اى يناظرون بين التقدم او النضج الوظيفي الجسمى وما يتبعه من تغير في النواحى العقلية والانفعالية نذكر منهم فالون (Walon) ومنهم فريق ينهج منهجا مخالفا يقتضى تتبع النمو فى مختلف نواحيه على اساس من التقسيم يتخذ الناحية الاجتماعية كوحدة لتصنيف المرحل نذكر منهم يباحي Piaget وجماعة أخرى لا ترى هذا ولا ذاك بل تشخص نمو الفرد على اساس غريزي جنسى ومنهم فرويد( Freud) والذى يهمنا ههنا هو الانتهاء الى حقيقة ثابتة هى ان دراسة النمو في تطوره ومراحله لا تتأتى الا على اساس منهجى يعنى اولا وقبل كل شيء بايجاد وحدة معيارية تقسم على اساسها النمو تلك العملية الطويلة المعقدة التى يمر بها الكائن الحى سعيا وراء استقلاله من طابع الاعتماد وسعيا وراء انطلاقه في شيء من التلقائية الذاتية ذات الطابع الشخصىي الحر .
هذا ومهما تكن الوحدة التى تتبعها فى تصور مراحل النمو فان النتائج جد متقاربة والحقائق جد ثابتة - وعليه يمكن القول بأن الاختلاف فى هذا المضمار ان هو الا نوع من التباين بين الباحثين فى الطريقة وشكل الدراسة اكثر منه فى اى شئ آخره بحيث لا نبالغ اذا قلنا بان هذه الطائفة تختلف عن الاخرى لا فى امر جوهرى يتصل بمميزات المراحل او خصائصها بل كل التباين وكل الاختلاف اساسه المبالغة فى تأكيد جانب من جوانب النمو والزهد فى آخر قد يتخذه فريق مقابل كمقوم جوهرى لعملية النمو وعلى كل فاننا سوف لا نعرض نتائج البحوث المختلفة التى تتصل بدراسة النمو فى مراحله المتلاحقة ، كما سوف لا نذكر شتى الاصناف
المتخذة كاطار للدراسة من قبل عديد المدارس النفسية بل سوف نكتفى بذكر بعض المميزات والخصائص التى وقف عليها معظمهم فى تناولهم مرحلة من مراحل النمو فى الانسان وهى مرحلة الشباب . ومرحلة الشباب هى تلك التى تسبق مرحلة النضج الكامل وتلى مرحلة الطفولة المتاخرة وهي مرحلة ذات خطورة بالغة فى تكوين الشخص لما يجد فيها من احداث ولما يظهر فيها من ازمات قد تؤدي الى انهيار الشخصية انهيارا كاملا كما قد ينجم عنها نضج الذات نضجا سويا قيمة نوعا التوافق المنشود : الفردى والاجتماعي - فالشاب بهذا المعنى هو ذلك الكائن الذى لم يتخذ بعد نمطا شخصيا قارا ، وهو ايضا ذلك الناشيء الذى لا يزال يسعى وراء النضج النفسي التام ببلوغه اقصى حد ممكن من النمو فى شتى نواحيه واتجاهاته . وهو ايضا ذلك الفرد الذى لم تتحدد لديه معالم الاشياء ولا حقائقها بل هو يسعى فى سبيل ارساء معانيها ومعاييرها فى نفسه . وهو ان شئنا ذلك الفتى الذى قارب الدخول الى معترك الحياة وعلى هذا اذا كنا ننظر الى المولود الجديد على انه حديث عهد بولادة حياتية حقيقية فاننا ننظر للشاب على انه حديث عهد بولادة حياتية اجتماعية فهو ذلك اليافع الذى لا يكاد يلج باب الحياة وما فيها من تبعات ، ذلك اليافع الذى اسلمه السند العائلي الى هيكل الجماعة وهو اخيرا ذلك الناشيء الذى رماه الوجود على عتبة التجارب الحرة التجارب الطليقة - التجارب العارية عن كل اتكال او اعتماد -التجارب التى تلعب فيها الفردية دورها الحقيقي الذي هيأت له منذ ما لا يقل عن اثنى عشر سنة سالفة .
ولقد عدت مرحلة الشباب من اخطر المراحل التي يمر بها الكائن لانها فى الواقع تعد ملتقي زلوقا يقف فيه الفرد مشدوها بين متعارض الرغبات ومتفاوت الشؤون فليس بامكانه سريعا ان يحقق الاتزان بين ما جد من القوى الانفعالية العاتية ومقتضيات البيئة الاجتماعية التى اسلمته إليها عائلته . فهو فى هذه الحدود الزمنية فى قلق عتى وحيرة هاصرة بين هذا التعارض البين بين مطالب الفردية وحاجياتها وبين شرائط الجماعة وحيثياتها - فالفردية من جهة تدفع بصاحبها الى الاشباع الناجز ... الى الاشباع الكامل المباشر... والجماعة من اخرى بالمرصاد لهذا الاجراء تقف فى سبيل هذا الاستسلام المطلق الى الرغبة والشهوة الصاخبة وتفرض انماطا من المعايير الجمعية المتمثلة فى التقاليد والقوانين تحد بها من حرية الفرد وتلقائيته بحيث يبقى الناشئ امام هذا التعارض الواضح بين حاجيات جد ضرورية ... ويبقى فى صراع يعد جوهر الصراعات النفسية ، والنفسية الاجتماعية الوافدة فى مستقبل العمر
وتعتبر مرحلة الشباب مرحلة يبلغ فيها الفرد ذروة النماء فى مختلف الوجوه ففيها يكتمل النمو الداخلى البطيء بحيث نجد الجسم يأخذ شكله النهائى ، ثم فى هذه المرحلة بالذات يصبح الناشىء فى اوج اكتمال وظائفه العقلية العليا الامر الذي يصاحبه او يرافقه ازدياد فى مدة الانتباه ومداه وبالتالي زيادة فى القدرة على التعلم . وفى ايجاز نجد هذه المرحلة فترة يبلغ فيها النمو الدرجة القصوى فى كل المناحى الجسمية والعقلية وايضا الانفعالية - وحتى من الوجهة النفسية الاجتماعية نجد الناشىء كثير التطلع والاستكشاف وكثير الميل نحو الشؤون الاجتماعية فبعد ان كان فى مرحلة سابقة ذا نزوع ملحوظ نحو الاعمال الفردية المستقلة عن المشاركة نجده هنا ميالا نحو اشراك الغير فى كل نشاط لعبى او جدى - ثم نجده كثير الوثوق بنفسه مبالغا فى الاعتداد بها حتى انك لترى خياله جد خصب فى تصور الدور الذى سيلعبه فى حياته المقبلة ولعله يفرض بطريقة جد بدائية - على معارفه وعلى الاخص اقاربه - ان يعاملوه معاملة الكبير الناضج فهو فى تحفزه المبكر قد لا يجيد التوافق المنشود فى معاملة المحيط العائلي والاجتماعى ومن هنا نراه شديد الحساسية باوجه النقد التى يؤاخذ بها غيره ممن يحتك بهم قليلا او كثيرا ، واذن فان الشاب يلتجيء الى استعمال العنف او القسوة او السلوك غير السوى سعيا منه وراء تأكيد ذاته فى المجال الذى ينتقص من مقدراته او لا يريد الاعتراف او الايمان بها فى معظم الاحايين
هذا وينبغى فهم الشاب على انه طاقة الشعوب ورصيدها الحيوى فالوحدات الاجتماعية لا تعد وحدات فعالة الا عند مثولها فى هذه الحدود الزمنية التى نسميها المراهقة او الشباب . فعندها يستلم المجتمع فائض الاسر ومنتجاتها من احفدة حواء وآدم ، وينبغى ايضا ان نرى فى الشاب وحدة المستقبل وطلائعه ومن هنا تعنى الامم والحكومات عناية بالغة بالشبيبة تلك العناية المتمثلة فى رصد المبالغ الطائلة فى الانفاق على شؤون التربية ومصالح التوجيه الاجتماعى والسياسي - ففي هذا الاجراء ايمان مطلق بان مسيرى الدول يؤمنون بان الحاضر يقتضى الاهتمام بالمستقبل ومن اجل هذا يضحون فى الذود عنه باجل التضحيات فى سبيل الابقاء عليه وتأمينه آخر الامر .
واذا قلنا بان الشباب طاقة وقوة وحيوية بالغة فينبغي فهم هذه المميزات فى اطار الايمان بضرورة التوجيه ... ذاك التوجيه الموكل الى رسله الخلص او أولئك الذين سبرتهم الايام والتجارب السياسية والمعرفية فى ميادين الشرف والبحث .

