لو رجعنا الى ماضى الشعوب وتاريخ الحضارة البشرية لوجدنا ان للشباب النصيب الاوفر فى بناء هذه الحضارة على اسس متينة سليمة باعتبار نظرته المثالية الى كل ما حوله من الاشياء ، هذه النظرة التى اوحاها اليه خياله الخصب وتصوره لعالم كله مثل وكله جمال وكمال . ذلك ان الشباب يمثل فترة من العمر يطغى فيها الحماس ويفور فيها الاحساس العارم ويظهر فيها التعلق الشديد بالمبادئ والطموح الى كل ما هو سام ورفيع مع ميل قوى الى الجديد سواء فى اسلوب الحياة او فى الطرق التى تعالج بها المشاكل ، فالشباب معناه : الحركية الدائبة والاستعداد المستمر للعمل والانجاز .
وبالمقارنة مع بعض الشعوب الاخرى نلاحظ أن شعبنا التونسى يمثل فيه الشباب نسبة هائلة ، فهو شعب شاب ولهذا فتأثيره فعال على حياته العملية وانتاجه ، ومن هنا كانت العناية الفائقة بشبابنا التونسى الطموح من طرف هذا النظام البورقيبى الفتى الذى رصد له الاعتمادات الضخمة وشيد له الهياكل الثقافية والرياضية وكون له الاطار اللازم لنوعيته وتثقيفه وحمايته من اخطار الامراض المعنوية والمادية لاعتقاده بأن الشباب هو القوة الحقيقية التى يعتمد عليها فى كسب معركة التنمية التى نخوضها فى كل الميادين وعلى جميع الواجهات . غير ان بعض الشباب فى عمره هذا يمثل مشكلة بالنسبة للمجتمع الذى يعيش فيه بسبب ما يصدر عنه من تصرفات وانحرافات ، مما يجعلنا نتساءل كيف نعامل هذا الصنف من الشباب ؟ بحيث ليسوا اطفالا فنغفر لهم ونرجو اصلاحهم بالتربية القويمة والتنشئة الصالحة ولا هم صبيان يمكن ان نوجههم ونضبط سلوكهم فى شئ من الحزم حتى نقودهم الى سواء السبيل ، ولا هم رجال مسؤولون تمام المسؤولية لهم من كثرة التجارب وطول الخبرة وسعة المعرفة ما ينأى بهم عن الزلل ويبعد بهم عن الانحراف . .
ومن هنا يمكن ان نقول : إن هذا الصنف من الشبان يقفون عند مفترق الطرق بعد ان قطعوا مرحلة من حياتهم ليست ليست بالقصصيرة ، وعليهم ان يستانفوا السير مدفوعين بقوة الشباب وحيويته المتدفقة ليقطعوا مرحلة اخرى طويلة وشاقة ومحملة بشتى المسؤوليات . لكن هذا الاندفاع المفعم بالحيوية والنشاط المتجدد كثيرا ما يعقد حياتهم ويجعلها غير مامونة من الاخطار والعثرات لانهم يفتقرون الى الوان مختلفة من المعرفة التى يكتشفها الفرد بالنظر والتامل تارة وبالخبرة تارة اخرى .
واذا كان هناك شبه اجماع على لوم هذا الصنف من الشبان ومحاسبتهم على أخطائهم وتدهور أخلاقهم فان هناك انقساما فى الرأى حول اسباب هذا السلوك الشاذ وهذه الاخلاق الرديئة .
من المفكرين من يرجع اسباب هذه المشاكل كلها الى عبادة الشباب للمادة وانصرافهم عن القيم والمثل العليا التى تهدى الى الطريق السوى بحيث أصبح هذا الصنف من الشباب شغوفا بالملاهى وارتياد دور السنما ومشاهدة ما يعرض فيها من الوان القصص المصورة بطريقة فيها الكثير من الزيف والبعد عن الواقع الذى يعيشه الشباب وقس على هذا ما تجود به التلفزة من بعض المشاهد العنيفة .
والشبان لم تتكون لديهم بعد ملكة التفريق بين الغث والسمين والتافه والرصين ، بل هم البعض منهم أن يقضى اوقات فراغه بطرق تغلب عليها السلبية .
ويرى فريق آخر من الدارسين لمشاكل الشباب أن السبب فى هذه السطحية فى التفكير وتلك الانحرافات لدى بعض شبابنا وهذا التحيز لانفسهم وهذه السهولة فى الانخداع بالمظاهر انما يرجع الى عدم تحملهم لمشقة الاطلاع والبحث حتى تتسنى لهم الاحاطة بالامور والالمام بالمشاكل واستيعاب المسائل المتعلقة بشؤون حياتهم والبيئة والمحيط الذى يعيشونه .
اما الفريق الثالث فيرى ان اسباب هذه التصرفات الغريبة من بعض الشبان انما ترجع الى كونهم غير ناضجين فى تفكيرهم وغير جادين فيما يقومون به من أعمال ولا يتعلقون الا بالسهل الذى لا يحتاج الى كثير من الجهد أو عناء التفكير وعلى ضوء هذه الاراء المختلفة حول سلوك الشباب وتصرفاته الشاذة فى بعض الاحيان يمكن القول بأن شبابنا فى هذه المرحلة من حياته يحتاج الى كثير من
الرعاية والعناية والتعهد المستمر حتى يشب على الاخلاق الفاضلة والسلوك القويم ذلك ان الاخلاق صفة نفسية داخلية لها مظهر خارجى نسميه سلوكا مثل الشجرة التى نعرفها بالثمرة فنقول : انها شجرة طيبة او شجرة خبيثة ، كذلك سلوك الانسان يكون طيبا اذا كانت اخلاقه فاضلة ويكون رديئا اذا كانت الاخلاق منحطة .
ويعرف " جون ديوى " الاخلاق بانها : مجموع رغائب الفرد وميوله الفعالة التى تجعله دائما على استعداد للاتيان ببعض الافعال ومغرما ببعض النتائج وفى الوقت نفسه كارها لبعض الافعال والنتائج الاخرى . فالاخلاق هى مجموع العادات والتقاليد وأنماط السلوك التى تقبلها الجماعة والقيم الخلقيه تكون مرتبطة عادة بظروف اجتماعية وما تقبله هذه الجماعة قد ترفضه جماعة أخرى وما يعتبر خيرا فى مجتمع ما قد يعتبر شرا فى مجتمع آخر .
والشباب لا ينظر الى المجتمع الا بمنظار الاسود والابيض كما يقولون . . باعتباره لا يعرف الاعتدال وهو اذا تربى تربية عالية واكتسب قيما رفيعة فى اسرته ثم خرج الى المجتمع فوجد الكذب والخيانة والنفاق والرياء وكل المتناقضات شعر بصدمة عنيفة تهز كيانه ، ومن هنا تظهر جسامة المسؤولية الملقاة على كاهل الساهرين على حظوظ هذا الشباب .
لقد اتفقت كل المبادئ والاديان على اهمية الاخلاق كعنصر من العناصر الاساسية التى تحمى الامم من الانهيار والضياع وتقيها شر التدهور والانحطاط يقول الاستاذ ويلز : " لو بذل الانسان فى سبيل السيطرة على كبح جماح نفسه بعض ما يبذله من الجهد فى السيطرة على قوى الطبيعة لكان عالمنا اليوم عالم طهارة وسعادة " . لكن واقولها بكل أسف : ان عالمنا اليوم فقد اتزانه وكثرت مآسيه وأحزانه وباع بابخس الثمن اخلاقه وايمانه واختلط فيه الحابل بالنابل نتيجة الهوة السحيقة التى تفصل بين تقدمه المادى والخلقى حيث وصل من ناحية الى قمة الاعجاز وتدحرج من ناحية ثانية الى هوة الحضيض ومرتبة الحيوان الاعحم الذى لا هم له الا اشباع غرائزه وارضاء شهواته المادية باى ثمن ، ذلك لانه ابتعد عن كل خلق قويم هذا الخلق الذى اذا اتصف به شخص ما انعكست عليه عدة صفات :
منها التماسك الذى هو التماثل والتشابه والتخلق بنفس الخلق فى جميع المواقف التى يلزم فيها ذلك فلا يكون الرجل مذبذبا متناقضا يوصف بالشجاعة والبطولة فى موقف ثم يحجم فى موطن آخر يتطلب نفس التضحية والاقدام .
ومنها العزيمة والصلابة وهى لا تعنى الاندفاع الاحمق والتهور بدون عقل ولا بصيرة ولكن معناها ان يتدبر الانسان الامر ويتأمل فى الموقف ثم يشرع فى العمل وفق ما تقتضيه الحال .
ومنها ضبط النفس والسيطرة عليها باعتبارها " امارة بالسوء " فاذا زينت لشخص ما نفسه بان يحيد عن الطريق السوى وأن يذبح الفضيلة والشرف فلا بد ان يكون لديه من القدرة ما يكفى لكبح لجماحها وارجاعها الى جادة الصواب .
ومنها التوجيه وهو القدرة على توجيه النفس وقيادتها باستقلال كامل عن الغير لان السلوك الخلقى الفاضل لا يتكون الا بالاعتماد على النفس واستخلاص العبر والنتائج من احتكاك الفرد وتفاعله مع الوسط الذى يعيش فيه ، وفى كل عمل خلقى هناك اشياء هامة لابد من مراعاتها مثل الحساسية لما يمكن أن يتضمنه موقف ما ، والنتائج المنجرة عنه واتخاذ القرار المعين الذى يتوقف على معلومات الشخص صاحب القرار والتروى والامعان فيما يجب عليه عمله بحيث يكون لديه هدف معين وتكون لديه القدرة على التبصر فى الامور كما تكون له الرغبة الملحة فى تنفيذ العمل وعدم التراخى فى ذلك .
وكذلك العادات وهى السلوك الذى يكتسب بالتمرن والاعادة ولابد ان نراعى فى تكوينها منفعتها للصالح العام ، كذلك العواطف ويجب ان تكون عواطف حب وخير وجمال .
ولا بد أن نلاحظ هنا ان الاخلاق تفقد قيمتها وجدواها عند اشتداد الازمات مثل المجاعات والحروب والكوارث التى تصيب العالم فتجعل الانسان وحشا ضاريا عديم التمييز بين الحسن والقبيح والطيب والخبيث . كما نلاحظ أيضا ان الخلق ينمو ببطء وهو نظام معقد تدخل فيه عدة مركبات مثل الغرائز وهى حركات تأخذ ديناميتها من داخلها ومن تكوينها ، ويجب ان تخضع لمبدأ يسيرها ويتحكم فيها .
على اننا قد نضر بالاخلاق اذا عرفناها تعريفا علميا جافا يفقدها تاثيرها وحيويتها خاصة وان هذا التاثير هو ما يهمنا من الاخلاق ، ومن هنا وجب علينا ان ننزع بها منزعا اجتماعيا وعند ذلك نجد لها تاثيرها فى المجتمع ، لان الاخلاق تتاثر وتؤثر فى الوسط الاجتماعى وبذلك نقول : ان الخلق عبارة
عن نشاط الفرد فى المجتمع وميوله اللازمة له نحو نظم الجماعة ومنشآتها واتجاهاته الفكرية نحو من يحيط به من الناس ، وبالتالى فان سلوك هذا الفرد يمكن ان تكون له مستويات اربعة :
- السلوك الغريزى الذى لا يتاثر الا بمفعول اللذة والالم . - السلوك الذى يسيطر عليه الثواب والعقاب الصادران من الوسط الاجتماعى .
- السلوك الذى يتحكم فيه المدح والذم . - السلوك الذى تتحكم فيه المثل العليا والقيم السامية ، وهو أرقى انواع السلوك حيث يسير الانسان بحسب ما يمليه عليه ضميره دون خوف من ثواب او عقاب او مدح او ذم ، وهذا هو السلوك الذى نريد ان يكون عليه شبابنالانه اذا بلغ هذا المستوى الرفيع من الاخلاق والتربية فانه يكون قد تحصن من كل الآفات التى تلقى به فى متاهات الفراغ والضياع . وهناك ثلاثة ميادين تتزعزع فيها الاخلاق وهى :
I) الميدان الاول : العائلة أو البيت حيث توضع البذور الاولى لنمو الشخصية ويتعلم الطفل الكلام ثم العادات والتقاليد والعرف والظواهر الاجتماعية المختلفة كما يتعلم الفرق بين الخطا والصواب والحسن والقبيح والحقوق والواجبات والمبادئ الدينية . فالبيت هو المعمل الاول الذى يخرج الطفل اما بشرا سويا مستكملا لشروط الانسان او متجردا من كل ذلك لأن اغلب الامراض الخلقية كالانانية والجشع والفوضى وفقدان الثقة بالنفس وعدم الشعور بالمسؤولية والرياء والنفاق انما تنتشر جرثومتها الاولى فى البيت فيعسر على المدرسة والمجتمع استئصالها بعد ان تزمن وتستفحل ، خاصة وان هذه العناصر المريضة تحمل الداء أينما حلت . فاذا اصطدمت بعناصر سليمة وقع صراع عنيف كثيرا ما يتغلب فيه المريض - بكل أسف - على السليم . ولعل هذا ما يفسر قوله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه " .
2) الميدان الثانى : هو المدرسة ، ودورها خطير جدا فى بناء اخلاق النشء وهى قوة لا يستهان بها حيث تجمع ابناء هذا الجيل من رجال الغد فى صعيد
واحد لا فرق بين الغنى والفقير ، ولا بين الذكى والغبى ففى المدرسة يتسع الوقت امام الاطفال والشباب وتسنح لهم الفرص لتكييف انفسهم من جديد ذلك ان المعنى الحقيقى للمدرسة انما هو : الفراغ الذى يسمح للتخلص من مشاغل الحياة وتتحقق فيه حرية النمو والتكوين ، وان اعظم اثر خلقى تنتجه المدرسة لافرادها هو خبرة الحياة المشتر كة فى ظلال العمل المشترك لمجتمع اختلف أفراده ، ومع ذلك فهو مجتمع موحد تضم افراده الرابطة المدرسية لان المدرسة تمتاز على غيرها من المؤسسات الاجتماعية فى أنها تتيح لابنائها فرصة ادارة شؤونهم وسياسة علاقاتهم تحت اشراف وتوجيه دقيق ومنظم .
3) الميدان الثالث : هو المجتمع ، وهو اخطر الميادين باعتباره ملخصا لكل الاختلافات والتناقضات ولابد ان تتاح لافراده فرص تكوين اتجاه خلقى سليم وتزويدهم بالشعور الاجتماعى الحقيقى والنظيف لان أى سلوك خلقى انما يتوقف على فهم الفرد لنواحى الحياة الاجتماعية وان أية جماعة بشرية سواء من ارقى الجماعات او أحطها لابد ان تؤثر فى اتجاه افرادها الخلقى وبالتالى فان الجماعة هى محك اختبار السلوك والمثل العليا لدى جميع افرادها وان الاتجاه العام لهذه الجماعة سواء أكان خيرا أم شرا انما يجذب افرادها اليه فيتجهون الى الامانة او الخيانة الى الشفقة والرحمة او القسوة الى الغيرية او الانانية .
ولابد من الاشارة هنا الى ان شبابنا التونسى سليم وان اغلبه ميال الى الكد والعمل بكل اخلاص وتفان ، وانه متفائل بالمستقبل ومقبل على عمله بكل حيوية ونشاط بعيدا عن الميوعة واختيار السهل والتافه من الحياة انه مقدر للرسالة النبيلة والمهمة الخطيرة التى تنتظره مستقبلا فى قيادة هذه الامة الى شاطئ السلامة . واذا كان هناك شاذ فان الشاذ يحفظ ولا يقاس عليه .
فشعور الشباب بمسؤوليته تجاه امته ووطنه يجعله يثور على نفسه فينزع منها التواكل وعوامل الضعف والاستهتار وان يكون متسلحا بالاخلاق النبيلة التى تجعل منه الانسان الفاضل الذى يحافظ على كرامته ويتذكر دائما انه الانسان الذى رفعه الله على سائر الكائنات وحرره من عبودية المادة والجهل بما
رزقه من عقل سديد يوحى اليه بسلوك قويم ويهديه الى الطريق المستقيم بحيث يعتبر بقول الشاعر :
واذا اصيب القوم فى اخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا
كما لا يغيب عن أى شاب متعلم ومثقف واع قول أحمد شوقى
وانما الامم الاخلاق ما بقيت فان همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
مصادر البحث : 1) كتاب الاخلاق لاحمد أمين ط . (6) القاهرة : مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر 1957 . 2) أحاديث الى الشباب لسلامة موسى . مطبعة التقدم - سلامة موسى للنشر والتوزيع . 3) الاسس النفسية والتربوية لرعاية الشباب للدكتور عمر محمد الشيبانى دار الثقافة : بيروت - لبنان 1973 . 4) التربية وطرق التدريس - 3 أجزاء لصالح عبد العزيز وعبد العزيز عبد المجيد . دار الثقافة بمصر - I96I .
5) ثورة الشباب لتوفيق الحكيم . 6) المراهقة : أزمة الشباب مع المجتمع لصلاح الجبالى - دار مكتبة الفكر - طرابلس - ليبيا . 7) خلق ودين للدكتور ابراهيم سلامة ط (I) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابرى الحلبى وأولاده بمصر 1954 . 8) ظاهرة انحراف الاحداث لادريس الكتانى ط (I) مطبعة التومى - شارع محمد الخامس - الرباط - المغرب . 9) نظرية القيم فى الفكر المعاصر للدكتور الربيع ميمون . الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر 1980 . 10) سيكلوجية الضمير لمحمد كامل النحاس . دار الهناء للطباعة والنشر بولاق - القاهرة .
