الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الشباب والادب

Share

تمهيد

لعل أهم ما تمتاز به المجتمعات المتدرجة نحو النمو هو وفرة عدد شبابها من جهة ، وتوفر ديموقراطية التعليم للاغلبية الساحقة من جهة اخرى ، مما جعل الملاحظين من البلدان النامية يتتبعون عن كثب تطور هذين الحدثين : (( الانفجار الديموغرافى والانفجار المدرسى )) اللذين سينتج عنهما حتما تحول خطير فى مجرى التاريخ ، فهذه الاجيال الصاعدة من مجتمعات (( العالم الثالث )) بحكم شبابها وجدتها من جهة وبحكم اصالتها وانتمائها الى حضارات معينة من جهة أخرى ، ستثرى التراث الانسانى بمكاسب جديدة ، خاصة وان الشباب بدال للقيم ، خلاق للشيم .

والبلاد التونسية ، التى كانت تشكو الى اوائل قرننا العشرين الفقر فى كل شئ وعلى الخصوص الافتقار الى سواعد الرجال والشباب تخدم أرضها وتنمى مكاسبها اذ كانت الامراض والاوبئة مستفحلة آنذاك استفحالا جابهت الانفجار الديمغرافى منذ الثلاثينات ولم تعرف (( الانفجار المدرسى )) الا منذ الاستقلال .

فان كان هنالك مكسب تعتز به الناشئة المثقفة فى العهد الجمهورى بتونس فهو انتهاج الرئيس بورقيبة منذ اعلان الاستقلال لسياسة ديمقراطية التعليم ، مما جعل خمس التونسيين يغشون المدارس والمعاهد والكليات .

فليس غريبا ان يحتل الشباب مكانة مرموقة فى المجتمع التونسى الجديد فهو قلبه النابض وضميره البصير وليس غريبا ان تنشط الحياة الثقافية فى ربوعنا وان يكون الشباب سباقا لتشييد تراث تونسى اصيل .

وباعتبارى استاذا فى الادب فلن اتحدث الا عما اعلم ولا يسعنى ، اعتبارا لما تقدم ، الا ان اقر بأن دور الصحافة والاذاعة بتونس كان دورا ايجابيا فى تشجيع الانتاج الادبى للشباب .. واعنى على الخصوص مجلة الفكر للاستاذ

محمد مزالى والبرنامج الاذاعى (( هواة الادب )) الذى يعده الاستاذ أحمد اللغمانى؛ ولعل الذى يسترعى انتباه الملاحظ والمؤرخ ، هو طول نفس كل من المجلة والبرنامج ، وصمودهما أمام شتى العوائق وعلى الخصوص تجددهما بتجدد الشباب التونسى مما يجعلنى اجزم او أكاد بأنهما باقيان ما وجد شباب مثقف يزداد عدده ويسم مستواه بتقدم الايام ويدفعنى الى هذا الجزم ما أراه على صفحات جرائدنا اليومية من تخصيص ركن قار لادب الشباب ومحاولاته فلكأن الفكر وهواة الادب ضاقا عن ان يحتضنا هذا الانتاج المتدفق .

فهل أرانى بعد ذلك محتاجا لتبرير اختيارى الحديث عن (( الشباب والادب )) ؟ كلا .

الموضوع

وحيث ان سنة كادت تستقر بتونس متمثلة فى ان الاديب الناشئ او النابتة على حد تعبير الجاحظ تبدأ بتوجيه باكوراتها الى برنامج هواة الادب ومنه ان لاقى استحسانا ، الى مجلة (( الفكر )) وتحلق بملء جناحيها فى سماء الادب ، فانى كمدخل للنقاش والحوار ، سأتوجه بالحديث الى هذا الشباب من برنامج (( هواة الادب )) فاحدد فى قسم أول من حديث مفهومى للشباب وللادب ثم العلاقة القائمة بينهما واتخلص بعد ذلك لتحليل أهم الاتجاهات لانتاج هذا الشباب محاولا فى قسم ثالث واخير نقدها على ضوء ما حددته لنفسى من مفهوم لكل من الشباب والادب ولعل نقدى لن يعتمد المجاملة واللين وقديما قال الرومان على قدر المحبة يأتى العقاب ، وبعد ، فما انا بمنتهك حرمة ان نقدت فى حرية انتاجا أصبح ملكا للعموم ؟ .

تحديد مفهوم الشباب

لن احدد الشباب بسن معينة ، ولن اقابل بينه وبين المشيب على حد قول الشاعر :

الا ليت الشباب يعود يوما    فأعلمه بما فعل المشيب

ولن اصنف الشباب الى شباب مدرسى وطالبى او عمالى وقروى وحضرى

فهو لاشك كل ذلك وانما المفهوم الذى اريد ان اقف عنده هو ان الشباب مرحلة من حياة الانسان تتسم بما يعبر عنه (( بازمة النمو )) .

فكيان الشباب متحفز باكمله للاكتمال يزخر بطاقات كبرى فهو على عتبة الحياة ، لم يذق بعد مرارة الفشل ولا نشوة الانتصار ، كل مالديه ثقافة نظرية لقنه اياها ابواه ومعلموه واساتذته وتجارب محدودة العدد والابعاد عاشها فى مجتمعه وواقعه ، ثم وعلى الخصوص هذه القوة الهوجاء وهذه الطاقات الهائلة لم يتلفها بعد (( الفعل )) ولم تفل من غربها التجارب والمعاناة اليومية ، فطبيعى اذن ان تنصب هذه القوة وهذه الطاقات فى سيل متدفق هو الحلم والامل بتبديل الواقع ، حلم وامل اساسهما الثورة والرفض .

واذا علمنا ان الحياة هى فى حقيقة الامر اسطورة (( سيزيف )) سلطت عليه الالهة سوط عذابها بأن يصعد الصخرة الى قمة الجبل فاذا بلغتها تدحرجت الى الهوة من جديد وهكذا دواليك . فبما للشباب من قوة وطاقات فستكون قولته (( لن اكون سيزيف )) .

ولئن كان فى انتصار سيزيف على الصخرة شرف اسنى ، فالشباب يقول (( سأنتصرن - لا على الصخرة فحسب - بل على الالهة الغاشمة الظالمة وساحققن السعادة لى ولبنى آدم فوق الارض )) فعلى هذا الاساس ، وباعتبار هذا التحديد ، كان الشباب عدو المشاكلة للكهول والشيوخ الذين يدبون على الارض كالنمل لربح القوت والخبز وحطام الدنيا . فهو اعلق ما يكون بالخلق والتجديد والابداع وابغض ما يكون للمشاكلة والتشاكل أى ما اطلق عليه الغربيون لفظ : Anti - conformiste

وقديما صورت الميثولوجيا اليونانية الشباب كنصف الاه : Demi - dieu

فايانا ان نفهم التجديد عند الشباب )) بموضة (( او بدعة او طفرة زائلة زائفة : ان هو الا قبس من نور يشع فى ديجور الكهول والشيوخ نكون من البسطاء او المغالطين ان اعتبرناه برقا خلبا ونكون من المتبصرين الحكماء ان اعتبرناه مبشرا بغيث نافع سينهال مدرارا على ارضنا القاحلة .

وهذا التجديد وهذا العداء للمشاكلة والتشاكل سيتناول كل ميادين الحياة وسيتطرق حتما الى الادب ، فما هو الادب ؟ .

تحديد مفهوم الادب

شأنى مع الادب شانى مع الشباب ، فليس غرضى هنا تصنيف الادب الى أدب قديم وادب حديث ومعاصر ؛ ولا اتصوره كما فعل الجاحظ ومعاصروه علما موسوعيا هو الاخذ من كل علم بطرف ، ولا تفريعه الى شعر ونثر وما ينضوى تحت ذلك من انواع ، هو لا شك كل ذلك وانما المفهوم الذى اقصد اليه هو ان الادب محوره الانسان وقوامه الفن والصناعة ، وهنا تكمن الصعوبة ومن هنا اتخلص الى قضية القضايا وهى الخلق الادبى .

وتوطئة للبيان والتبيين ، اذكر بما حاط به السابقون الخلق الادبى من هالة التقديس والغموض والتهويل : فلقد ربطوا الادب فى أول نشأته بالغيب والالهة وسجع الكهان ، وتوهموا لكل شاعر شيطانا وتوابع وزوابع على حد تعبير ابن شهيد وروى الجاحظ ان الادب اشد على بعضهم من قلع ضرس قال احد ادبائنا (( الادب ماسأة اولا يكون )) ولطالما حدثنا رواة الادب عن  (( الحولى المحكك )) يمضى صاحبه فى شأنه سنة يهذب وينقح . وترجع بى الذاكرة الى الناثر الفرنسى فلوبير واضع قصة (( سلامبو ))  عن تاريخ قرطاج كيف كان ينقح السطر بل الكلمة اكثر من مرة . ولعل أكذب بيت فى الشعر العربى هو قول ابى الطيب المتنبى :

انام ملء جفونى عن شواردها     ويسهر القوم جراها ويختصم

( متحدثا عن القافية )

بل لعله اكذب ما يكون فى صدر ذلك البيت واصدق ما يكون فى العجز . فعلى هذا الاساس كان الخلق الأدبى الاصيل يسمو بصاحبه الى منزلة النبوغ والعبقرية ، وهما لفظان يدلان اشتقاقا على ان الاديب بلغ مرتبة قلما يبلغها الانسان العادى .

فبعد هذه التوطئة ، يتضح ان الادب الاصيل ليس تصويرا فتوغرافيا للواقع والا انقلب تاريخا للحوادث ، وليس كلاما عاديا مثل لغة التخاطب سواء بالفصحى او بالعامية وانما هو تسليط نور جديد على اعمق أعماق كيان الانسان انطلاقا من تجربة الاديب الفردية الشخصية فى مجتمع ما وعصر ما واعتمادا على فن وصناعة وطرق ووسائل سماها الاديب الفرنسى المعاصر البير كامو (( الازورار الخفيف اللطيف عن الواقع )) فالفنان الفنان والاديب

الاديب من يحسن الازورار فلا يسف الى سرد الحوادث والتصوير الفتوغرافى ولا يحلق فى متاهات الخيال والابتعاد عن الواقع فصعوبة الادب كامنه فى كيفية السمو من الفردية الى العالمية ومن الاصالة الى الانسانية ؛ واياك ان ترد الادب الى طرق ووسائل وتظن ان التوفيق فيه كامن فى الحل الوسط او فى المنزلة بين المنزلتين .

وبهذا الاعتبار ، نفهم قوله الكاتب الفرنسى لا برويار : قد قيل كل شئ وليس لنا الا أن نلقط ما غفل عنه الاوائل . فحديثه حديث المتفطن الى صعوبة الادب الخالد ، الادب الانسانى ذلك الذى حددناه بأنه محوره الانسان وقوامه الفن وليس غريبا ان يتحف هذا الاديب التراث العالمى بنماذجه الانسانية . واذ حددت مفهومى للشباب وللادب فما هى العلاقة القائمة بينهما ؟ .

الشباب والادب

سلمنا هذا السؤال الى صميم الموضوع ، أى الى هذه الخصومة القديمة قدم الانسان وهى (( معركة القدماء والمحدثين )) .

اما موقف القدماء فمعروف : فهم يؤمنون ان كل شئ قد قيل وانه (( ليس فى الامكان احسن مما كان وقد كان )) حجتهم الدامغة هى : (( نحن لا نقدر الا الادب الاصيل وما تسمونه ادبا قديما كان فى زمانه أدب الشباب ، فلا حاجة لنا بأدبكم ما لم تتوفر فيه الجودة والاتقان )). وهذا الموقف على ما فيه من تعسف ورجعية ، يحتاج الى ان نقف عنده وان يتمعن فيه الشباب : فالثورة والرفض ، مهما كانت مهيجاتها نبيلة شريفة ، لا ينبغى بحال من الاحوال ان تنقلب الى قتل للحرية وحشر الناس عنوة فى التشاكل والمشاكلة ، باسم الثورة وباسم التجديد وباسم الاصلاح .

فاذا اردنا ان نحدد موقف الشباب من الادب ، وجدناه فعلا يدعو الى التجديد باسم الحرية وباسم الثورة على كل قديم متجمد اصبح لا يتماشى والعصر الذى نعيش فيه فلنحلل هذا الموقف ؟

أدب العصر

بما للشباب من قوة وطاقات متدفقة من حقه ان يقول : لم يقل كل شئ وان صح ان الادب الاصيل هو شهادة الاديب على عصره ، فمن سيشهد على

عصرى ان بقيت عالة على الادب الماضى ؛ وان صح ان عجلة الزمن لن تتوقف الا فى يوم الحشر والنشر ، فلماذا تريدون ان تتوقف عجلة الادب ، وان صح ان الجودة والابداع هما من شيم الانسان فلم تحصرونهما فى عصر دون عصر ؟ من حق الشاب اذن ان يعيش عصره وبالتالى ان يتولى الشهادة على عصره بما منحه الله من وسائل التعبير بما فى ذلك الادب ، ومن واجب الكهول والشيوخ ان يصغوا لهذا الادب وان يضربوا له الحساب : لا أحد يجادل ذلك الا فئة قليلة من المتزمتين المحافظين المعاندين تجاهلوا سنه الحياة والكون وتشبثوا بسلفية متحجرة .

أضواء جديدة على اعماق المنزلة الانسانية

وان كان معيار نقيس به الادب الاصيل الخالد ، فهو اقبال اجيال الشباب المتعاقبة المتلاحقة على ذلك النوع من الادب ، ولو اردنا ان نحصى ما خلد من الادب العربى شعره ونثره طوال القرون المتوالية لما وجدنا لبعض فحول الشعراء الا القصيد وربما البيت اليتيم ولبعض كبار الكتاب الا الرسالة او الصفحات من النثر ، ولعل الفضل فى هذه الغربلة العسيرة يرجع اولا بالذات للشاب المتجدد الثائر الذى يرفض التقليد والمشاكلة والسير كقطيع الغنم وراء كل من فاز بشهرة واستحسان فى عصره فبما للشباب من طاقات وطموح الى الخلق والتجديد ، فهو اقدر الناس على النقد الصحيح السليم وهو كذلك اعرف الناس بمواطن النقص والفراغ : فبخيل الجاحظ لا يرضيه تماما ويخيل موليير لا يرضية كذلك لان كلا الفنانين لم يصورا الا جانبا من البخل المتأصل فى بنى آدم فى عصر ما ومجتمع ما ومن حق الشباب ان يحاول بدوره تصوير ذلك بينما يركن الضعفاء من الكهول والشيوخ على شكر الله ان جاد بالحاحظ وبموليير ، مدعين كما ادعى بعض المتقاعسين من رجال الدين ان باب الاجتهاد اغلق نهائيا منذ القرون الاولى للاسلام .

فبعد هذا التحليل لموقف الشباب من الادب ، لا يسعنى الا الترحيب بهذه البادرة الايجابية عند الشباب وهى الاسهام فى اثراء الادب وعدم القعود  والطمأنينة الى ما وفرته لنا الاجيال الماضية وموقف من هذه البادرة هو موقفى من الموسيقى عربية كانت أم أجنبية . لقد ابدع كل عصر فى فن الموسيقى وحقق الواضعون الحانا خالدة على مر الزمن ، لكن هل توقفت الموسيقى ، فان الحانا شجية تطلع علينا كل يوم بل كل ساعة من اجهزة الاذاعة والتلفزة

تهزنا طربا وقد يكتب لبعضها الخلود . فلماذا نريد ان يصح ذلك فى شأن الموسيقى ولا يصح فى شأن الادب ؟ .   اما وقد الححت على انى مؤمن بسنة التجديد والتجدد فهل يعنى هذا انى راض عن كل ما ينتجه الشباب من أدب وعلى الخصوص شبابنا بتونس فى هذه السنوات ؟ .

أهم اتجاهات أدب الشباب بتونس

أ ) الاغراض : أول ما يلفت نظر الملاحظ هو ان الشباب حريص فى انتاجه وباكوراته على تصوير واقعه ومشاكله ومآسيه ، لذلك قلما يتخلص الاديب الناشىء من شخصيته ، من (( الانا )) فكان جل أدبه عدا بعض الانتاج ، أدبا وجدانيا واجتماعيا . ولعل الغرض المسيطر على اقلام الشباب هو الحب اليائس المكبوت فى مجتمع يحاول اقامة العدالة الاجتماعية وتحرير المرأة وتمكينها من مساواة الرجل فى جميع الميادين ، فليس غريبا ان تتناول اقلام الشبان والفتيات هذا الغرض فى جل انتاجها وقد تفلح احيانا ولطالما تخفق الاخفاق الذريع لاسباب سنوضحها.

أما الغرض الثانى المسيطر فهو الاجتماعيات والملاحظ ان الشباب يلج هذا الباب عن طريق تصوير ماساة اليتم ، فيظهر اليتيم ضحية مجتمع مركب من الكهول والشيوخ لا تعرف الرحمة ولا الشفقة الى قلبه سبيلا فيصور الادباء المحدثون ما امكن لهم ان يصوروا مأساة اليتيم ولكانى بهم يصورون بذلك قلقهم وثورتهم وضعفهم ايضا وهم على عتبة معترك الحياة حيث الكلمة العليا لاهل الجاه وأهل المال وغرض اليتم هذا قد يسلم الشباب أيضا الى معالجة أغراض أخرى كالنزوح والتفاوت بين اصناف المجتمع فى الثروة والمنزلة والكذب والرياء الخ ...

ولم اقصد احصاء اغراض أدب الشباب احصاء علميا انما قصدت فقط الاشارة الى أهم الاغراض فكيف كانت معالجتها ؟ .

ب) الانواع والقوالب :

1 ) الشعر : لقد قال الحطيئة فى وصيته :

الشعر صعب وطويل سلمه      اذا ارتقى فيه الذى لا يعلمه

زلت به الى الحضيض قدمه     يريد ان يعربه فيعجمه

ورغم ذلك ، وبما للشباب من طموح فانه مقبل على هذا الفن الصعب الا اننا قلما نلاحظ تعاطيا للشعر الكلاسيكى بل اكثر انتاج الشباب فى هذا الميدان يركب متن ما يسمى بالشعر الحر ، وبالشعر غير العمودى والحر ولاشك ان الدافع الى هذا الابتداع هو روح التجديد والابتكار لكن من حقنا أن نتساءل عن مدى النجاح والتوفيق فى هذا المضمار ؟ .

2 ) النثر : اما فى ميدان النثر فان الانواع المسيطرة هى الاقصوصة والمسرح ، أما الاقصوصة فلانها أكثر ما تكون ملاءمة بوسائل الاعلام فى عصرنا فهى قصيرة ولانها حسب بعضهم أكثر ملاءمة بعصر السرعة الذى نعيش فيه وهو رأى محل نظر . واما المسرح فلانه نوع أدبى مستحدث يعتمد الحوار واقرب الى الواقعية والحياة من أى نوع أدبى آخر .

ج ) اللغة : أما لغة هذا الادب الناشئ فهى الفصحى غالبا ان لم اقل دائما وقلما نجد مزجا بين العامية والفصحى او بين العربية ولغات أجنبية كالفرنسية الا فى الحوار او بعض المفردات يثبتها الاديب على علاتها دون محاولة تعريبها .

هذا مجرد استعراض سريع وسطحى لاهم اتجاهات أدب الشباب الذى نسمعه ونراه فى هذه الايام من خلال برنامج هواة الادب وعلى صفحات مجلة الفكر والجرائد اليومية ولنا ان نتساءل عن قيمة هذا الادب .

أدب الشباب وغربال النقد

من خلال استعراضنا للاغراض ، لاحظنا ان لحن السواد يغلب على أدب شبابنا ، التى والحرمان والكبت الجنسى والتناحر الطبقى ، واخشى ما اخشاه ان يذهب الاعتقاد بالشباب الى ان الادب الاصيل هو فى وضع النظارات السوداء للنظر الى الواقع ولتصويره .. كذلك اخشى ما اخشاه أن ينقلب الادب الى زاوية ينفس فيها الاديب الناشئ عن كبته وحرمانه ومشاكله فيهمس فى ركن بيته وعلى الورق بما لا يجرؤ على الاصداع به على رؤوس الملأ وامام اقرانه فى المجتمع ولئن لاحظ المستشرقون ان الاتجاه السائد على الادب العربى القديم هو الوقار ، وقار العلماء ورجال الدين اذ قلما نجد السخرية والهزل فى أدبنا القديم فلا ينبغى ان نزيد وصمة ثانية لادبنا فيصبح أدب الكبت والحرمان الجنسى ويكون الشباب اخطأ الهدف من الادب

ان ظن الادب ينحصر فى تصوير ازمة المراهقة للشباب ، له ان يصور ذلك ولكن ليس له ان يقتصر عليه فاين الظفر والطموح وتبديل القيم وخلق الشيم وكل هذه الغايات السامية التى تحدثنا عنها فى أول هذا الحديث والتى هى من اخص خصائص الشباب ؟ وحيث اننا لا نطالب الشباب بأن يأتى من أول وهلة بالادب الخالد الاصيل ، فلم نراه يتهافت على الخلق والابداع تهافتا ولا يحاول ان يجرب مرحلتين هما من أهم مراحل الخلق الادبى اعنى بذلك مرحلة المعارضة والتقليد ومرحلة الترجمة والاقتباس .

أ - المعارضة :

لقد مر جل الادباء عدا بعض النوابغ من الكتاب والعباقرة من الشعراء بهذه المرحلة . وان كان لى مثال اسوقه فهو مثال أبى العلاء فى شعر الشباب وعلى الخصوص فى درعياته حيث عالج موضوع الحرب والدرع والسلاح للدربة واظهار مقدرته على النظم وحبذا لو طرق الشباب هذا الباب فى برنامج (( هواة الادب )) على أساس انه مرحلة اولى فى التدرب على الخلق .

ب - الترجمة والاقتباس :

اذا اعتبرنا ان الادب الاصيل هو الذى محوره الانسان مهما كان بلده أو دينه أو لونه أو لسانه الخ .. علمنا ان هناك شرطا اساسيا لابد ان يتوفر فى الاديب وهو تفتحه على غير أدب قومه ولا يكون ذلك الا بالترجمة والاقتباس فالانسان عالم صغير سليل العالم الكبير ولعل اشرف ما فيه اصغراه قلبه ولسانه اللذان يمكنانه من كنه ما فى هذا العالم من حكمة ، ان كان الاديب من المؤمنين ، ومن التغلب على ما يراه بعضهم عبثا وفسادا ، ان كان من غير المؤمنين .

فالادب العربى الاصيل مدين للحضارات التى سبقته ، كاليونان والرومان والفرس ، وأدبنا اليوم أدب الشباب ، اليس من حقه ابدا ان يجهل أدب العصر ، أى أدب الغرب الأروبى والشرق الآسيوى : ولا يتوفر له ذلك الا باتقان لغتين اجنبيتين على الاقل : الفرنسية والانجليزية ، ولست محتاجا الى ان اذكر مثال جبران خليل جبران والانكليزية ، وطه حسين وتوفيق الحكيم والفرنسية ، وأبى القاسم الشابى والادب الفرنسى المترجم الخ ..      والملاحظ اننا لا نجد فى أدب الشباب شيئا من الترجمة والاقتباس بل

هو منغلق او يكاد على اقليميته وربما هو ممعن فى الانطواء على مركباته وعقده لا يتجاوزها بسير الاداب العالمية الاخرى وتلقيح تجاربه بتجارب أدباء افذاذ من التراث العالمى الانسانى ويظهر مما تقدم ان القضية قضية ثقافة : فالدرب طويل ولا بد للاديب الناشئ من ان يكون ملما بالتيارات الادبية الجديدة فوق هذه القارة ، والا بقى يرزح تحت الضيق والكبت لا يتحدث الا عن الكبت والحرمان والنزوح واليتم ..

ج ) - الخلق والابداع :

لعلنا لاحظنا فى استعراض أغراض أدب الشباب ووسائله الفنية ضيق الافق وانحصار الاغراض فى لحن السواد وانحصار الوسائل فى نوعين القصة القصيرة والشعر الحر او غير العمودى والحر واخشى ما اخشاه ان يحدث لهذا النوع من الادب ما حدث لبحر الرجز فى الشعر فاصبح حمار الشعراء يركبه الفارس الماهر والمتعثر الجاهل البليد .

كذلك نرى الشباب المتأدب ، حرصا على التجديد والابتكار يتحاشى كل قديم ، فيضرب عن نوع شعرى هو الحق بذاته وهو الفخر وعن نوع أدبى صيره الهمذانى خالدا عبر الزمان وهو المقامة وعن الخبر التاريخى الادبى كما حدد فنه أبو الفرج الاصبهانى وكما احياه من جديد المسعدى وعز الدين المدنى عندنا هذه السنوات ، واغرب من ذلك ، يبلغ الرفض بالشباب ان يضرب اضرابا عن الماضى والتاريخ يستوحى منه اغراض أدبه ولنا فى الستينات الاخيرة خير انموذج على الادب الاصيل الذى يستوحى التاريخ القومى فالبشير خريف فى (( برق الليل )) وعلى الخصوص عز الدين المدنى فى (( ثورة صاحب الحمار )) وفى تحفته الفنية : (( ديوان الزنج )) قد نهجا طريقا خصبة للشباب واسمحوا لى ان اسوق مثالا من الادب الجزائرى المعاصر يدل على ان الاغراض الادبية الجديدة لا يمكن ان تدخل تحت عصر .. فمحمد ذيب فى قصته الطويلة او روايته : (( الدار الكبرى )) قد كتب صفحة خالدة من الادب الانسانى موضوعها (( الوطن )) : فى قسم من اقسام مدرسة ابتدائية يدخل المعلم الفرنسى ويعلن امام صغار التلاميذ الجزائريين ان درس التربية اليوم هو (( الوطن )) ويلقى بعنف السؤال : ما ((الوطن )) فلا يجيب اولا احد لجهل هؤلاء الصغار بهذا المفهوم ثم بعد لاى وجهد ، يجب احد التلامذ المستمرين ، دون وعى : (( فرنسا هى امنا ووطننا )) وفجأة يأخذ الصبية يرفعون أصابعهم ويكررون الجواب أما الطفل عمر ..

وهو أكسل التلاميذ وهو فى الحى نفسه بطل الرواية .. فانه استمر يلوك خلسة قطعة من الخبز كان يأتى بها فى حقيبته قائلا فيما بينه وبين نفسه : خيرة هى أمى ، هى التى ولدتنى وتعطف على أما فرنسا فالبحر والجبال تفصل بينى وبينها ، ويعلق الكاتب قائلا : لاول مرة تفطن عمر الكسول للبهتان فى التدريس الذى يتلقاه .

فنرى من خلال هذا المثال ان غرض الاعتراض فى الادب ليس السواد ولا المرح والسخرية ، وليس مساندة نظام سياسى .. اقتصادى .. اجتماعى ولا معارضته ، ليس هذا ولا ذاك ، ان هو الا الالتزام بقضايا الانسان فى فترة ما ومكان ما من تاريخ الانسان وقارته . الادب الاصيل هو القاء ضوء جديد على جانب من جوانب المنزلة الانسانية بوسائل فنية مبتدعة حظ الناس فيها يتفاوت ويختلف : فالمهم المهم هو ان تكون انت ، اعنى الانسان فى فترة ما من قرننا العشرين ، كيف ذلك ؟ هنا نصل الى الوسائل الفنية : ليس فقط عن طريق القصة القصيرة ، والشعر الجديد ( الحر وغير العمودى والحر ) ولكن بما شئت من الوسائل الفنية قديمها وحديثها ولا تدخل تحت حصر .

فالقضية عندى ليست ان تتشاءم تشاؤم ابى العلاء بغير بحور ابى العلاء ، القضية ان تتشاءم تشاؤمك ببحور أبى العلاء أو بغير بحوره نثرا شئت أم شعرا .

الخاتمة

لعله اتضح لكم الآن ان السؤال المطروح هو : (( هل قيل كل شئ وان نعم فهل كتب علينا السكوت ؟ )) وان جوابى عن هذا السؤال : (( لما يقل كل شئ ولشباب كل عصر يرجع الدور الاول فى الاسهام فى فك لغز المنزلة الانسانية )) .

لكن مرد الخلط والاضطراب والتعثر فى موجات التجديد عند الشباب هى سوء فهم لاستعارة طالما ترددت على الالسن والاقلام : وهى عمارة الادب او قلعة الادب : هل نهدمها ونبنى من جديد أم نرممها ونصلحها ونواصل السكنى فيها .

جوابى : لا هذا ولا ذاك ، ولئن قبلت عن مضض هذه الاستعارة فانى أقول عمارة الادب الاصيل الخالد لا يصيبها البلى والقدم ، بل ان احتاجت الى شىء فهو الى ان تتعالى وتشمخر بمجهود الشباب .

وشأن الادب الاصيل شأن الموسيقى وسائر الفنون ان يجعلك فى (( حال شعرية )) سواء أكان ذلك بابسط آلات الطرب أو بأحدثها وادقها صنعا فاذا اتفقنا على ان المنزلة الانسانية ميدان شاسع لم تسير كل أغواره ، وأن اللغة العربية حية : قادرة على مواكبة الحضارة ، لم ينحصر أمر الادب فى نوع او نوعين ولم ينحصر فى تكسير بحور الخليل ولا نحو سيبويه وانما جماع الادب فى الالتزام لسعادة الانسان من خلال (( الانا )) . وهى رسالة تقتضى من الجهد والمعاناة والصدق والحزم طاقات قلما توفرت فى غير الشباب .

اشترك في نشرتنا البريدية