" خاطبوا الشباب بلغة الواجب ، وبلغة الشرف وبلغة المسؤولية " ( * )
الشباب عماد الامة وقلبها النابض وساعدها الذى تعتمد عليه فى المحن والملمات ، والمصائب المدلهمات ، وهو فخرها الدائم وعربون الوفاء المتبادل ، ولا حول ولا قوة لامة ان كان شبابها على هامش الحياة ، بعيدا عن معركة الكيان والوجود وهل تكون حياة بدون دم موار بالحرارة والدفق الوثاب ؟ وهل تكون حياة ان بقيت الايدى مكتوفة مذعنة لا تردد سوى القولة المألوفة المشؤومة " الظروف سيئة " أو " من الملوم " ! ؟
فليس شبابا من لم يكن قويا . أو حالما منساقا ، ليس شبابا من قنع بالدون :
شباب قنع لا خير فيهم
وبورك فى الشباب الطامحينا
أليس قلب الامة الشباب وجيشها وحاميها ؟ فالشباب هو الامل ومنبع الرقى والتقدم ، وأرواح الشباب هى التى تقدم فداء للوطن ودفاعا عن حياضه وكيانه .
ان من خصائص الشباب القوة والفتوة والقدرة والاندفاع التلقائى وكما قيل : من أحق بحماية الوطن واعزازه غير الشباب ؟ ان الشباب أغرودة الامل الباسم وسر النشاط الدافق فى روح كل نهضة مرجوة وهم وعلى سواعدهم وبأرواحهم بنيت صروح الدول العظيمة والامم الراقية الكبيرة . وان من أوكد الواجبات على ذوى الامر والسياسة توجيه الشباب وجهة صحيحة رائدة بلا عاطفة غالبة أو تقاليد موروثة بالية واهواء مجنحة متقبلة فالبناء الشامخ الثابت لا يقوم الا على الاسس الثابتة المتينة بوعى مسؤول وادراك ثاقب
وتقدير للامور واقعا ومستقبلا وما أروعها مقولة ! أوردها أحمد شوقى منذ ستين سنة بيراعه النثرى الساحر البديع البليغ ناصحا الشباب واصفا محذرا ومرشدا ولنكن معا فى رائقته التالية نتمتع ونتعظ :
" الشباب أيام آذار (1) ، ودولة العذار (2) ، وأعنة الاوطار ( 3 ) وهى مهار (4) ، وليلة العرس فى هذه الدار . سنة كالطيف سراها (5) وكقبلة الخلس (6) حلم كراها ، ونشوة يتلفت المستفيق لا يراها ، وجنة لو خير المقبل (7) بالعقل اشتراها .
العشق فى غير جناحه ، طائر لا ينهض به جناح ، والكأس من غير راحه ، غبية الساقى بليدة الراح (8) والمال فى غير خزانته غريب ، ويتحول عن قريب ، رؤيا الوارث فى نومه ، وشغله فى يومه ، وملك يده فى غده .
السلطان والدولة ، والامكان والصولة ، والملك وكل ما حوله ، يعم ، اذا لم تحرز فى الشباب فما هى فى الحرز الحريز (9) ، ودول اذا لم تعتز به فليست فى الذر (10) العزيز ، ولذات اذا لم يشهدها غادتها حسرة الفوت وراوحتها فكرة الموت . اروع الشهرة ما طار فى سمائه ، وامتع الصيت ما سار تحت لوائه ، واحسن الثناء ما اتى فى اثنائه ، ورف على قشيب ردائه (1) فى مطالعه يروع النبوغ ، كما تروع الشمس فى البزوغ ، أو الهلال والغلال فى البلوغ .
فيما ناهم شبابه ، قاعدا للتجر (2I) ببابه ، يسرف فى الرحيق وحبابه ، ويتلف الصبا بين صبابته وأحبابه . . أفق ! تلك دنان ، لا تقوى على الادمان ، ولا يملؤها مرتين الزمان ، كرم لا يوجد فى الجنان ، ولا ينبت فى " مالقه " ولا " شمبان " (3I) عناقيده مختضرة (4I) الثمار ، مختصرة الاعمار ، بريئة الخمر من الخمار (5I) حلبها الافراح (6I) ، وجلبها المراح ، وهى فارضية الراح (7I) لم تطأها الاقدام ، ولم تمسسها الراح (8I) فلا تعب ( الراقود ) (9I) ، واشربه نغبة نغبه (20) ، ولا تخترط العنقود (I2) ، و كله حبة حبه " .
تلك هى اشارات لامعة عن فترة الشباب العزيزة ووجوب استثمارها فى بناء صرح الذات والامة والاقبال على الحياة فى جد وعزم وعمل حتى اذا ترك المرء هذا الكون تركه رضى النفس وقد حقت فى شأنه قولة المتنبى :
وتركك فى الدنيا دويا كأنما
تداول سمع المرء أنمله العشر
وأخيرا فلنكن فى مستوى صفات الانسان الارقى الباحث المجد والساعى الباذل من أجل الغير بل من اجل الانسانية قاطبة .

