الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الشتاء ليس قارسا كما تتصورين

Share

هز كتفيه ، وغادر حانوت الحلاق لا يلوى على شئ . فى نفسه بقايا مرارة وشجون . . وفي الركبتين وهن واسترخاء . منذ الساعة السابعة صباحا وهو شعر بحنين إلى الماضي . ولم يكن يعرف ما هو هذا الماضى . . هل هو إمراة أم حادثة ؟ ! أم مكان ؟ ! لم يكن قادرا أن يتحسس طريقه فى المستقبل . لذلك كان كل شئ يدفعه إلى الوراء أياما وشهورا .

عندما دخل حانوت الحلاق ، لم يكن على يقين من أنه يريد فعلا أن يحلق لحيته ، وأن لحيته فى حاجة إلى ذلك ، كان يريد أن يتخلص من شئ ، وأن يغرق فى شىء آخر . وحين داعبه الصابون والفرشاة ، اغمض عينيه حتى لا يرى شيئا . وحين سأله الحلاق : (( لم أرك من قبل . . هل أنت عابر سبيل ، أم أحد نزلاء المبيت الجديد ؟ )) لم يكن يريد أن يجيب بكلمة لولا أن السؤال فيه إلزام ، قال بتأن :

- مررت من هنا هذا الصباح . . لم أكن أقصد . .

عاد الحلاق يجره إلى الحوار .

- هل أعجبك المبيت ، نزلاء كثيرون يأتون . . وقد عرفت خليطا من الناس . ولكنهم ذهبوا . . كلهم شرفاء وكانوا يغمروننى بالتقدير . . ويعطونني أكثر مما استحق . . لولا هذا المبيت لغادرت هذه الناحية .

تلكأ الجواب . . ثم تدارك الموقف .

- آه . . المبيت . . إنه مكان هادىء . . لكن النزلاء يسهرون أكثر من اللازم .

- ألم تنم البارحة .؟

- كان نوما متقطعا . . وعادة لا أنام بعد السادسة والنصف صباحا . - هذا المبيت يأوى اليه عادة أناس طيبون . - طيبون .. أجل ..

بدأ يستعيد أحداث الليلة الماضية ، والحلاق يمرر على وجهه منديلا ذا ملمس حريري ، ثم يضع عليه شيئا من العطر ، ثم يضرب بالمنديل ضربات خفيفة . بدأ يستعيد الاحداث ويدخل يده فى جيبه ويدفع للحلاق أجرته . خيل إليه وهو يغادر الحانوت ببطء كأنه يشاهد أمامه تلك المرأة ذات القامة المتوسطة والشعر الأسود ، والعينين الواسعتين . تقتحم عتبة المبيت ملفوفة بفستان داكن اللون ، واضعة على كتفيها شالا أزرق . كان يتابعها مندهشا.. وازدادت دهشته عندما اتجهت نحو الركن الذى يجلس فيه ، وارتمت على كرسي من الجلد دون أن تسلم أو تستأذن .

بعد لحظات أشعلت سجارة ونفثت دخانا متواصلا فى الهواء وأطلقت من صدرها زفرة حارة . كان لا يستطيع أن يرى ملامحها جيدا ، فقد كانت جالسة حذوه مديرة ظهرها للحائط ونظرها فى اتجاه مكتب صاحب المبيت . تماما مثلما يجلس هو . ود بكل حرارة لو استطاع أن يواجهها ، ويغرق نظره فى كل خط وزاوية من وجهها الأسمر . تحركت يداه بآلية مطلقة . وأشعل هو الآخر سجارة وأخذ يلتهمها بعجل ، ثم أشعل سجارة ثانية وثالثة .. وبدأت النار التى تلتهب فى جوانحه تسكن فقد كاد المنظر يصبح مألوفا .. وكادت المرأة الجالسة قربه تتحول إلى مادة لا روح فيها .

كان الضوء المنبعث من أعلى السقف باهتا وحزينا .. لكأن صاحب المبيت تعمد ذلك . . فالجالسون هنا وهناك فى القاعة يتحدثون إلى بعضهم البعض وكأنهم يتهامسون .. وليس بإمكان من يجلس فى هذا الركن من قاعة الجلوس أن يشاهد بوضوح تام الجالس في الركن المقابل . لكن الجلوس بهذه الطريق يبدو على أية حال مريحا ، ويوفر هدوءا نسبيا لاولئك الذين لهم مشاغل لا تحصى .

واستمر الوقت يتسلل ، وكاد الرجل يغادر مكانه لولا أن صوت المرأة شق الطريق إليه متثاقلا ، فارتجفت أوصاله وعاوده الحنين إليها .

- ما الذي يمنعك عن الكلام ؟

شعر كأنه يقف في قفص الاتهام .. وتساءل لماذا لم تأته فكرة التحدث إليها ، ولم لازم الصمت طيلة هذه المدة وهي قريبة منه .. كان عليه أن يكون أقل فظاظة .. فالمرأة مهما كانت ، يجب أن تعامل بلطف . قال وهو يتردد بين الهمس والكلام :

- كنت خائفا .. وفي الحقيقة لم أكن أريد ازعاجك . أجابت وهي ترمي بقايا سجارتها فى المطفأة :

- ها أنا منزعجة .. ولكن لا تظن أننى اتهمك بشئ .. إن المسألة تعود إلى الزمن مضي . لقد جئت إلى هنا منذ يومين .. وكان ذلك بسبب قصة تافهة .. ولست أدري متى سأغادر هذا المبيت . الآن بدأت أستعيد قواي . ولكن الأمر لم ينقض بعد .. حين أخرج من هنا لا أدرى كيف سأواجه الواقع ؟

كان يود لو ظلت تتحدث هكذا مدة طويلة يستطيع خلالها تجميع قوته ومواجهتها دون أى مركب .. لكنها كفت عن الكلام فجأة وتركت له المجال للتدخل .

- أريد أن أعرف المزيد .. ألست من سكان هذه المدينة .. هل قدمت من مكان بعيد ؟

- لا يهم المكان الذي جئت منه .. المهم أننى جئت إلى هنا ، وأننى مند يومين أسكن في الغرفة الثانية بالطابق الأول ، وأقضى وقتا طويلا كل ليلة . إن هذه الزاوية تعجبني ، ما رأيك ؟ تكاد تنسينى بعض الهموم التى علقت بي .

- لقد جلست فيها لاول مرة . - ألم تشعر بشئ يشدك إليها ؟ - طبعا .. شئ لا مفر منه .. سوف تظل ذكراه عالقة بخاطرى إلى الأبد .

- هل سيكون بالنسبة إليك مجرد ذكرى فقط ؟

أدرك أنه ارتكب هفوة وهو يتحدث إليها ، وأنه قد يكون أساء اليها ، فأسرع يصلح الامر :

- عفوا .. إنها أكثر من ذكرى .. إننى لا استطيع أن أصف لك شعورى هذه اللحظة ، لا شك أنى أشترك معك فى هذا الفيض من العذاب .

- وهل أنت تتعذب . ومن أى شئ ؟ - أجل ، ولكنني لا أدرى أحيانا لم أتعذب ؟

عادت هي إلى سجارتها وعاد هو إلى سجارته . . وكانت دوائر الدخان تتراقص بينهما وقد أصبحا شبه متقابلين . تتمطى تلك الدوائر فى الفضاء ، فتقترب من مصادر الضوء الباهت وتكون غيمة صغيرة .

خرجت المرأة منذ يومين من منزلها فى أحد الأحياء القديمة . كان الوقت مساء ، وكان الطقس دافئا ، والمحلات الكبيرة غاصة بالحرفاء . ومحطات الحافلات تدفع بالمئات من الناس ، ورغم ذلك فقد كانت المرأة تشعر بفراغ وخيبة . فهي تعاني الإحساس بالوحدة منذ زمن طويل .. أى منذ أن سافر زوجها للعمل .. وقد تلقت فى البداية بعض الرسائل العادية ، ثم انقطعت الرسائل . ومر الوقت ثقيلا حزينا ، ومع مجئ كل ربيع جديد ، كانت تشعر بأن حياتها ستأخذ حجما آخر ، فتتبدل تماما مثلما تتبدل قشرة الارض ،

وتنور أشجار اللوز ، وتتفتح الأزهار ، وتغمر الدنيا ريح الأخصاب .. ومع أن الربيع كان يمر سريعا وتعود الطبيعة إلى اليبس والذوبان تحت هجمة الحرارة والرياح الجنوبية ، إلا أنها تنظر إلى كل شمس جديدة وكأنها تحمل معها الأخبار السارة . كانت تسكن وحدها ، فهي لا تتلقى إلا زيارات أمها أو بعض أقارب زوجها . وكانت تقضى أغلب أوقاتها تفتح نوافذ المنزل أو تغلقها ،

وتنتظر مجئ ساعي البريد . ثم تسرب اليأس إليها و لم تعد تترقب شيئا محددا . وبين الحين والآخر تعاودها ذكريات الأيام الأولى لزواجها .. كانت سعيدة كل السعادة مع زوجها .. كان يحبها وكانت تحبه ، ولم يكن هناك فى الأفق ما ينذر بأى تغيير فى العلاقات . ولكن الزوج عاد ذات ليلة متاخرا . كان وجهه متجهما وملامحه توحى بأشياء غامضة . ودون مقدمات قال لها : (( إني مسافر )) . سألته : (( إلى أين ؟ )) ، ولكنه لم يجب بوضوح ، ثم قال لها : (( لقد قررت أن أغادر المدينة غدا )) . كان قرارا لا رجوع فيه . ولم يعطها

الفرصة لتناقشه الأمر . لقد حدث كل شئ بسرعة رهيبة ثم جاء الصباح دون أن يغمض لها جفن . وأعانته على تهيئة حقيبة متوسطة حشر فيها بعض الأدباش ، ثم ودعته فى الباب ، ورجعت . كان الأجوار يقولون لها : (( إنه سيعود ، وفي يده المال والحياة ، وستشحن الغربة قلبه بالحب والحنين اليك ..

زوجك عاطفي جدا .. ألا تتذكرين عندما كان يسعى كالمجنون لطلب يدك !؟ يلهث على قدم وساق .. كم هدايا حمل اليك ! وكم من كلمات لطيفة وجهها إليك !. الأيام تدخل على الإنسان شيئا من البرودة واليأس ، ولكنه سرعان ما يعود.. إن زوجك رجل طيب حتى وهو على بعد آلاف الأميال .. لا شك أنه يعيش معك ، لا يفارقك ولا تفارقينه )) .

كانت تتنهد عند سماعها مثل هذه الكلمات وكان إحساسها يحدثها بغير هذا . ولقد أصبحت أحجام الأشياء والموجودات لديها غير متوازنة . قالت لإمها ذات مرة : (( لم يشهد الحي شتاء أكثر برودة منذ سنوات طويلة .. لماذا أنصبت موجات البرد بهذه القسوة ؟ )) . أجابتها وهي تنظر إلى شعاع الشمس المتدفق من خلال بلور النافذة : (( الشتاء ليس قارسا كما تتصورين .. انظرى صفاء الشمس ، ومجموعات العصافير تنتقل هنا وهناك . إنه أروع شتاء على الإطلاق)) . حتى قاعة الجلوس أصبحت في نظرها تحتوى على بعض الشذوذ والاعوجاج .. الشمس أيضا تطلع مبكرة ، وتغرب متأخرة . أمها بدت أكثر شيخوخة من ذى قبل ، وأكثر تدخلا فى شؤونها .. ساعى البريد رجل فظ ،

وربما أخفي عنها بعض الرسائل .. إذ لا يعقل أن لا يرسل لها زوجها المكاتيب ولو في أوقات متباعدة . وفي هذه الدنيا المتنافرة كانت تحس بجمالها يشرق على كل شئ . عندما تواجه المرآة .. وتقف أمام صورتها ، تشعر أنها أكثر حرارة وحيوية من أى وقت مضى ، وأنها فى حاجة إلى أن تقفز فى الهواء وتضرب في طرقات المدينة ، وتتجول من ساحة إلى أخرى ، لا شئ يثنيها أو يتعبها .. هذا اللون القمحى الذى يغلب على قشرة جسمها ، وهذه الرموش السوداء وهاتان العينان الواسعتان ، وهذا القوام الطاغي المتجبر ، أى شئ يمكن أن يقف أمامه ، وأية قوة تحد من انطلاقته ! كانت ترى كل شئ على وشك السقوط ، ولكنها هي الوحيدة القادرة على تجاوز كل العقبات .

مدت يدها بحركة لا شعورية وربتت على كتفيه :

- كل واحد له قسط من العذاب .. لا يمكن أن نهرب من ذلك ، ولو أردنا فليس ذلك بأيدينا . ولكن لا يجب أن نستسلم والشعور بالضعف لا يجب أن يتجاوز حدا معقولا .

وأجابها بكل ارتباك : - أجل .. إن كلامك لا يخلو من حق . أردفت كأنها لم تسمعه :

- هل يمكن أن يظل المرء رهين إحساس بالضعف مدة خمس سنوات كاملة ؟

- لا .. ليس ذلك منطقيا . - إذن .. كان لابد أن آتي إلى هنا ، وأنت لماذا جئت ؟ طأطأ رأسه ، واستغرق في التفكير ، وعادت هى تدفعه إلى الكلام . - قل .. لقد ظللت أنا خمس سنوات قبل أن أقرر المجيء إلى هنا .. وأنت كم بقيت .؟

شعر بالحرج يعقد لسانه .. ماذا باستطاعته أن يقول ؟ وهل سيكون لكلامه فائدة ؟

- قررت أن أذهب فجئت إلى هنا . حدقت فى عينيه : - هل أنت متزوج ؟ تردد ، ثم أجاب بتلعثم :

- أنا متزوج فعلا ، ولكنني لست متزوجا .. آه .. إنها حالة غريبة وشاذة . أحل إن الأمر كذلك .. لقد فقدت موضعى الحقيقى ولا أعرف أين أضع قدمى . ماذا أقول .؟ كانت امرأتى قبل أيام هنا .. ولكنها الآن ليست معي ، وربما لن أراها من جديد .

اعتدلت في جلستها لتواجهه أكثر: - هذا يعنى أنك تخاصمت معها . أسرع يرد عليها :

- لا ..أبدا .. لم اتخاصم معها أبدا ولكنها ذهبت ويبدو أننى لن أراها مرة اخرى . قيل لى : أن هذا يحدث بين الحين والآخر ولا مرد له .. إننى أحبها وهي تحبني .. وسيظل ذلك هو عزائى الوحيد .

أسند ظهره على المقعد ، ونظره معلق بالسقف . وظلت هى تنقل بصرها بين مكتب صاحب المبيت ، والرجل الجالس حذوها . لم يعد فى القاعة إلا نفر قليل ، وكانت الأضواء ما تزال خافتة ، والهدوء يضفي شيئا من الألفه والحب على الجالسين . قالت وهي متجهة بنظرها ناحية أخرى .

- لا أدري ما الذي تعنيه .. ولكنى أكاد أفهم . أنك تتعذب . وتعاني أشياء لا تفهمها حتى أنت . ولكن هل لك شئ تضيفه ؟

قرب رأسه منها :

- أجل . . كنت سأعرض عليك الخروج ، والذهاب إلى أى مكان .. إلا أن الوقت يبدو متأخرا . هل تعديننى بذلك غدا ؟

سكنت المرأة إلى نفسها .. وتلملم هو فى مكانه وانقضت لحظات قبل أن تنهض وتتجه بخطوات ثابتة نحو الدرج المؤدى إلى الدور الأول . كان هو يتابعها بنظرات زائغة ، كانت تنقل خطواتها ورأسها منحن إلى الأمام .. (( لعلها تفكر أو لعلها لا تفكر في شئ .. هذه المرأة الغريبة .. هذه المرأة )) . وقبل أن تنزوى فى منعطف الدور الأول توقفت عن السير ثم التفتت اليه .. لم يكن الضوء الخافت يمكن عيونهما من الالتقاء . ولكنها كانت تشاهد بعض تقاسيم وجهه ، ويشاهد تقاسيم وجهها .. لحظات ثم غابت فى ثنايا الدور الأول .

كان يتابع السير ورائحة الصابون ماتزال عالقة بحاسة شمه .. هل يجدها .. هل يهتدى إليها .. البارحة أومات إليه برأسها .. كان يعتقد أنها موافقة على اللقاء .. لكن أين .. وكيف ! ؟ لم يجد الفرصة ليحدد ذلك معها بوضوح . فى الصباح سأل عنها صاحب المبيت فقال له : (( لقد انصرفت منذ ساعة ، ولا أعتقد أنها ستعود . ))

الطقس دافىء وبعض الغبار تجرفه ريح فاترة فيلتصق بوجهه ، يمرره على ملامحه ، فيشعر بقساوتها . يحاول أن يمسح الغبار فيجد أنه امتزج بالعرق .. يواصل السير ، يقف .. يتابع الخطو سوف يجدها .. إنها هناك فى آخر الزقاق .. في الحديقة ، على ضفاف النهر .. أمام مغازة المصبرات . يجب عليه أن يتغلب على الأحساس بالتعب والإرهاق .. سيصل إليها مهما كان الثمن .. إنها تنتظره .. وهي تبحث عنه .

في إحدى الساحات ، اتكأ على عمود كهربائى .. مسح العرق . ومرر بصره فى كل الأنحاء . انها لا توجد فى هذه الساحة .. ولكنه سيبحث عنها إلى أن يجدها ، بعض الأمتار فقط .. لم يعد هناك مكان فى المدينة لم يذهب إليه .. هل هناك أمكنة أخرى ؟

ما أجمل السير في المدينة ! حين تعثرت قدمه وسقط على الارض .. كان الليل قد بدأ يزحف على المبانى ، وبين الحين والآخر يلمع فانوس فى الشارع قال في نفسه : (( بدأت السهرة أليس كذلك ؟ ومن الأحسن أن أعود إلى المبيت فقد أجدها هناك )) !

اشترك في نشرتنا البريدية