الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الشجرتان

Share

انغمست يده فى جيبه يفتش عن منديل الحرير وتأوه انسحب الظل على نصف وسطيه البيت . . اجتاز دائرة الشمس . جلس على كرسى ومدد ساقيه يتلذذ برودة الهواء . نظر أمامه فأغمض عينيه . كان يريد ان تظل منى بينه وبين الأفق ، أن تحيل بينه وبين كل الاشياء . وجد فى اغماضة العين راحة فنسى المحيط والناس . ياه !! ما أجمل منى تقف وتقترب منه ، تأخذ يده فى يدها وينداحان فى الطريق الى البحر . ارتطم سطل على الارض امامه . . انسكب ماء كثير  .. كثير .. تأوهت زوجته .. وتأهبت تدفع الماء بعيدا عنه ، ولكنه تسرب فوصل ساقيه .. لم يفتح عينيه ، ولم يتحرك . امتزجت برودة الماء بالظل فأنس لطيف منى لا يبرح شاشة الخيال . . " أحب حتى                                  المساله رجل متزوج مثله ؟ "انفلت الظل وانحدرت الشمس الى الامام عاربه . . شعر كأن الظلام يغمره .. ما أجمل العيش على خطى منى ! اقتربت منه زوجته تمد يدا فيها فنجان قهوة ، فتح عينيه على مضض ولم يتكلم . زقزق الماء تحت قدميها . " أيمكن لرجل مثله أن يغمره عاصف من الحب ؟ كان يريد ان يهرب بمنى الى مكان لا يطوله أحد .. انغرزت فى رأسه وضعيته الساذة . تململ فى مكانه كأنما وخزته إبر .. "

ما له لو يخرج من جلده ! رجل متزوج !! ولكن قلبه يمتص الحب كل يوم هى اصبح على حافة الانفجار " قد يصارح زوجته وينتهي الامر " رآها تقترب منه وتجلس تأخذ بين يديها مهراسا فدق دقات متتالية سريعة .

انس للضجيج وارتفع فوقه . كان الصمت يخيم .." ما أجمل أيام الخريف الحارة !. . الناس عندما يحبون ينزلقون ، وهو قد انزلق فلم يتوقف وليس اقامة الا فراغ . الناس عندما يحبون ! تدحرجت يده على جانب الكرسي لامست زوجته فرفعها بسرعة .. لم تنته ضربات المهراس .

حين جلس الى مني أول مرة كان يعرف انه لن يفلت من قبضتها اختار الطريق وسار بكل حواسه فى البداية ثم انهرت قدماه ولم يعد يستطيع مواجهة حواسه " انزلقت حتى الثمالة "

فجأة اختنقت ضربات المهراس .. أدرك أن فى الامر سؤالا . فأغمض عينيه بقوة واستعد للمواجهة . فقالت :

الرجال يدخون ويخرجون وأعينهم مغمضه . أدار وجهه كأنه يتقى هجوما بالأيدى والعصى . - الشمس تحرق .. والتعب أزناس مدت ساقا ، واحتفظت بالاخرى تحت عجزها - أما النساء مساكن ما يعيوش !

ود لو يسكت .. ولكن لم الاستسلام ! - النساء .! مضغان اللوبان ما يتعبش أسقطت حبة اللوبان من فمها ورمت بها علي الاسفلت فأحدثت صوتا . - هذا اللى بيك ؟ تعدى النهار قاعد وتروح مغشش . ياخي البيروات تعب .

ضحك فى سريرته حتى كاد ينفجر وتنهمر دموعه . - آه .. يا مرا .. خلى الريح بايته مدت ساقها الاخرى ، وابتعدت برأسها تصوب نحوه نظرا ثاقبا .

- تعملوا كل شئ وزيادة الرجال كالارياح تطيح وتهد وما يراها حد . ما أخيب ما الدنيا . ثارت أريحته ، وهو يغوص فى الكرسى - والله الدنيا ما أخيبها يا مرا . كل شئ أعوج كذيل الكلب نهضت .. وكان المساء يزحف .. الشمس تنحسر . - هالعشة الكلبة .. ما ابهاك يا زمان كنت فى دار بابا .

تابعها بنظر مكدود .                                     _ الزمان خايب والمصايب ما يحملها حد .

عاد يغوص فى الكرسى . فى برودة الظل والماء ، وفى عيني من خلف غمامة راحله مسرعه .. أينقض حياته كلها ويلتفت ناحية مني ؟ لكن يدا غليظة ستهوى على رقبته وتجره فى ساحة السوق . . ويصيح الدلال " لقد نكس العادات الحسنة فنكسوه " .

تصول الايام عليه فيتحفز لها شاهرا كل حواسه .. ولكنه يسقط على ركبتية ويستسلم . الصقوا به زوجة فقبل كارها ، وركع للريح تمر على راسه ساحقه . كانت دائما حاضرة لديه يعاملها برطوبة اللسان أو بقسوة الظروف فتصمت أو تثور . ولكن ما حدث كان نشوة غريبة فى رؤوس العائلة . كل من حوله تناول ما يشبه الحشيش وقال له : تقدم .. هذه زوجتك .. اتغضب الله فتكفر ؟ تجرجر من أعلى يتحمل الحصى والشوك ينغرز في بدنه . كان رجلا صامتا متالما يتكلم . أودعوه السجن . حين أطلت مني كانت الارض قد شربت ماءها وبدأ النبات يعلو السطح . فكر فيها .. هى كل شئ فماذا يفعل وقد شربت الارض ماءها ؟ تسلطت عليه الحمى وهو ينتقل بين الدار ومكتب العمل . هكذا دفعوه فى غمرة النشوة فرفض في الباطن وقبل اجراءات الزواج .

صحبته منى خارج المدينة .. ولم يكن الطقس حارا ولا باردا . وكانت فى حارا ولا باردا . وكانت فى قلبه عواصف و كان غليان جلس اليها . متزوج يريد الاستيلاء على حب                                     اخر . ورغم قضبان الحديد كان يتصور ان كل شئ ممكن . يا حب تفعل بالناس اشياء كثيرة ! ادارت منى وجهها فانفلتت خصلة الشعر ودارت تخفى صفحة الوجه .

أشنيه الفائدة نتقابل احمر وجهه كالمذنب يدرك ذنبه ويتجاهله - أنت خايفه ؟ اعتدلت فى جلستها . - نسيت الناس ؟

تذكر ياجوج وماجوج يحوط به من كل زاوية ، يطارده من مكان الى اخ ومن تفلت من الدائرة ويظل هو وسطها . تنكمش الانفاس تنكمش .. يصفر الوجه ينسد الافق . . يسقط مغشبا عليه . لاشئ الا زوجته ترش عليه قطرات ماء من ابريق النحاس . كانت منى هى كل شئ رغم كل شىء لكنه حين يمد اليد لا يقبض الا على الريح . أحبك يا منى . . تذكر انها نجلس قريبة منه وانها وجهت اليه ما يشبه السؤال . قال كأنه يغالط نفسه :

- اللى تقال تقال . خلى يقولوا . طأطأت رأسها . - الناس ما تعياش من الكلام . وضع يده فى يدها . كلام فارغ ما يحيرش . قالت بكآبة :

- انت ما تحسوش ، أما أنا مرا . ثارت ثائرته فصرخ : - ما ثماش حب بلا ناس ، وما ثماش ناس بلاش مشاكل ، يا اتحب وتتحمل ويا ..

ضربه الصمت فسكت . كانت العواصف أقوى من بنيته . وبينه وبين منى ابعاد لا تحد . هي الارض حوله لا مخرج فيها ولا ثقب . يريد ان يتنفس الهواء الجاف ، لابرودة فيه ؛ ولا روائح . ورآها تجلس الى جانبه شامخه كالطود ، قوية كالربة . صامتة كالجدار . رآها ، وعيناها الخضراوان تنطلقان في فسحة الحلفاء باحثتين عن الخصب الذى لم تأو اليه الرحل . وكان هو بجانبها مكانا بلا رائحة ولا طعم . أيضر به الوهن حتى الركبتين فلا ينتقل فى خفة الغزال لا تشده الاخاديد ولا توقفه الكثبان ؟ انما هى ساعة واحدة يتخلص فيها من الوثن ، ويحمل مني في عينيه ويهرب وفي الارض مسالك لو أراد .

استمع اليها تقول وهو شارد : - اتخرف .

عادت السكينه تملأ خلايا صدره فيبرد الغليان ، وتمهد الثورة . وفي عينيها قرا اشياء لا يمكن أن تفهم ابدا - أتحبه ؟ أتكذب عليه ؟ وماذا يفيد ؟ كان يتارجح فى عينيها كالصغير فى الارجوحة يختلط عليه الشمال والجنوب فينسى موضعه . قال وهو يحاول اصطياد عينيها :

- العبد تحكم فيه الظروف . ارتسمت بسمة ساخرة على شفتيها . - الراجل اذا كان راجل ما تتحكمش فيه الظروف .

ابتلع ريقه . يا ويله من كذبة يطلقها فتعود اليه وتصفعه . لم يكن واقفا على ارض صلبة . . كل شئ يمور تحته ويتزحزح . تمنى لو تمرغ على اكداس الحلفاء ، ونام على حصير فلا يستيقظ .

تملكه الخوف من الطريق . . قد لا يصل إلى الطريق . . سيطر عليه الرعب أيظل مسافرا فى الحلم ؟ لقد كانت دائما يدها باردة تشعره بالمستحيلات . كانت معه وهى تفكر فى مستقبل الايام فى شئ آخر غير                                     كتلة الاحاسيس الملتهبة . هى ايضا لها انانيتها المفرطة . تريد أن تصبح امرأة رجل ثم تتحطم شوكته . . ولم يبدأ الطريق بعد . منى تتشبث بشبح آخر يوحي بالاطمئنان والدوام . هكذا تنسل يدها من يده ، تجذبها وهي باردة وفى عينيها برد التلال العالية فى الشتاء ، والطريق خضرة على خضرة لحقول الحلفاء .

- انحب انطلق  .. ما يكفيكش ! وقالت وبسمة ساخرة تراودها : - ممكن تطلقني انا من بعد . آش يكون يمن الرجال ؟

أصر فى يأس . - ياخى الرجال الكل كيف كيف ؟ وأصرت فى حدة. - الحقيقة هى الحقيقة.

اشترك في نشرتنا البريدية