الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

الشعب التونسي ومسالة التجنيس، فى الثلث الأول من القرن العشرين

Share

على ان الاستعمار لم يكن يتمثل فقط فى وجود جيش فرنسى وأعوان جندرمة ومراقبين مدنيين ومعمرين ، ولم يكن استعمارا اقتصاديا أو ماديا فحسب ، بل كان يرمي فوق ذلك وأكثر من ذلك الى مسخ الشعب التونسي ، والقضاء شيئا فشيئا على لغته وعلى دينه .

وحرى بالشباب ان يدرك أن أول معركة خاضها بورقيبة هي المعركة ضد التجنيس ، حينما كان تونسيون كثيرون لا يحرجهم اعتناق الجنسية الفرنسية طمعا فيما تدره عليهم من المغانم ، كالثلث الاستعماري وغيره . " ) * (

الذاتية التونسية والحفاظ على مقوماتها هدف كل وطني مخلص ، وكل مدافع عن كرامة هذا الشعب ، وعن وجوده وحقه فى الحياة الحرة العزيزة ؛ ولطالما . كان هذا المشكل محل مساومة من طرف الاستعمار الغازى ، ومن حين كان الاحتلال ، وإن الذين تصدوا له ، قاوموا ذاك الاتجاه واعتبروا كل مس بذاك المبدأ إنما هو مس بأعز ما يملكه الانسان فيجرد من أصله وجنسه ، ويصبح بالتبعية تابعا منقادا محكوما فيه ، وليس الفرد هو المقصود بل الامة بأكملها كعنصر مستهدف قصد الذوبان فى بوتقة الغير والانصهار فيه

وإذا ما رجعنا إلى الفترة التى عاشتها البلاد التونسية منذ سنة الاحتلال 1881 وأمعنا النظر فيما سبق من تحركات للاستعمار الفرنسى فى إفريقيا بصفة عامة ، كاحتلالها لبلاد الجزائر سنة 1830 ، أى قبل نصف قرن نلاحظ التيار الطاغي على التفكير الاستعمارى ، والممثل فى النزعة الصليبية المسيحية المطلقة قصد تركيز دعائمها فى الاوطان المحتلة ، وإيجاد الظروف السانحة والامكانيات الضخمة لشد أزر الكنيسة ، وتقوية عضدها سياسة لها كى تبث أفكارها وأغراضها ، وبالجملة تمحورت الحملات الدينية فى أشكال مختلفة فى الجبال والسهول ، والقرى والمدن ، متخذة ألوانا متعددة فى ظاهرها حسن المقصد وطيب الخاطر ، وفي باطنها النية لبيتة قصد التنصير والتفسخ وتذويب كيان من قصدوا فردا كان أو أمة ؛ لكن ولله الحمد كانت العقول الراجحة قد تفطنت الى ما هو فى طي الخفاء ، وكشفت عن نوايا اولئك النساء والرجال الذين اتخذوا حتى اللباس القومى وسيلة للخدعة والمراوغة ، وحاولوا بعث المؤسسات التى تخدم أغراضهم فكان ما منها للتعليم ، و كان ما منها للتمريض والاستشفاء ، الى غير ذلك من الوسائل المقنعة . . ولست مطيلا فى هذا الجانب الذي يتطلب دراسة مستفيضة ومستقلة بذاتها ، وإنما أريد ملحا منذ البدء فى هذا التمازج النظرى والعملى بين رجال الدين المسيحيين والسياسيين المستعمرين قصد تنفيذ خطة قصيرة المدى لجلب القوم لحضيرتهم طمعا في المادة والامكانيات التى توفر لهم ؛ لكن القوم إلا القليل من زاغ عن السبي السوى ، تفطنوا الى مثل تلك الترهات والأباطيل وقاوموا فكرة التجنيس مقاومة جد عنيفة ، وفي جميع الجبهات ، حتى لا تتحقق أهداف المستعمر وغاياته ومراميه ؛ وقد أبدى - أوائل العشرينات - الوطني الغيور الجيلاني الفلاح فى تقديمه لكتاب " الشعب التونسى والتجنس " ) 1 ( رأيه في هذه

المشكلة ملاحظا بأنه لا يغيب عن الاذهان ما وصلت اليه شخصية الأندلسيين بعد ندماج قسم عظيم منهم فى جنسية غالبهم ، وآل أمرهم الى فقد قوميتهم الأصلية ، والقضاء على كل مميزاتهم الملية من دين ولغة وأخلاق ، وذهبت مع ذلك نخوتهم الاقتصادية وترقياتهم الباهرة فى المضمار العام ، وأصبحت حضارة الاندلس اثرا بعد عين ، بل قد تجزأت مدنيتها ، وانقسمت طرائق قددا ، فكان اثرها لا يزل خالدا بغير بلاد كما هو مشاهد بأمهات مدن المغرب وبعض عواصم الشمال الافريقي ، وباقتباس صناعة الاندلسيين وأخذها من احفادهم المهاجرين ومثلها تجارتهم الفنية ، وفلاحتهم التطبيقية التى كانت اعجوبة العالم في تربية الحيوان وازدهار النبات ، على أن هذه المآثر أمست لا تنسب الى ناشريها لانقراض جنسيتهم ، بل الى أقوام آخرين لم يكونوا بالغين سالف التاريخ ذلك الشأو الكبير فى ميدان السباق العمرانى .

وبهذا وذاك نلاحظ بأن قضية التجنس قد شغلت بال المفكرين فى تلك الفترة الأليمة التى مرت بها البلاد التونسية وساهم العديد من الكتاب والشعراء والمفكرين فى بحثها من جميع الجوانب ، مقاومين فكرة تثبيتها فى الشعب ، مدافعين عن تاريخ هذه الأمة المجيد ، ووجوب استقرار ذاتيتها بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على تعميم التجنيس ، وجعل امكانية اجتيازه سهلة ، وبذلك يسهل على الاستعمار الفرنسى تركيز قدميه فى هذه الربوع وإلى الأبد ، وانبرى العديد لمقاومة هذا الخطر الداهم ، وهذه المعرة الشنيعة الممهدة للشر والخراب ، فكان من بين المتصدين لمقاومة هذا الداء " على كاهية " صاحب مجلة " الفجر " ) 2 ( ، والذي نشر مقاله بعنوان " التجنس " بجريدة الصواب " بتاريخ 18 محرم 1342 ه . - 1924 م . ، العدد 401 ، واعتبر المتجنس مرتدا خارجا عن دائرة الاسلام واعتبار أن هذا الدين جاء بمعتقدات وأعمال وأحكام ، ومن المقرر المعلوم أن الدين لا يتجزأ فالاعراض عن بعض ما ، جاء به الدين كالاعراض عن كله ، وقياسا يجب أن يحكم بردة المتجنس لرفضه الاحكام برمتها ، ويعضد هذا الاستنباط قوله جل من قائل : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما "

أما الاديب حسين الجزيرى فقد أورد فى جريدة " النديم " العدد 127 ، 26 محرم 1342 ه - 1924 م . قوله

حق التونسيين أن يمقتوا الفكرة ويقاوموها بكل قوة لديهم لما بين الجنسية والدين من الربط المتين ، بل لأن الجنسية هى الدين نفسه . إن مقاومتنا لفكرة التجنيس السوداء إنما هى دفاع عن كياننا ، وذود عن ديننا ، وحماية لمعنى وجى ودنا . إن لم تكترث الامة بطامة كهذه ، ولم تكن فى نظرها هي القضية الوحيدة التى لا يمكن الاغضاء عنها فما معنى الكيان والحياة ؟ . اخرجت لنا الحكومة مسألة التجنيس هذه من جراب عجائبها فى حين انتظار ما طلبنا ورغبنا من الضمانات الواقية لقوميتنا كنشر لغتنا والاهتمام بها ، فكان بدل ذلك ترغيب التونسيين فى الانفصال عن جنسيتهم "

وفي قصيده المعنون " ثعابين " ) 3 ( يرفض المكر والدهاء ويتحسر على الماضى التليد فى قوله :

لم يبق شئ بأيدينا                         إلا بقية دمع فى مأقينا

نبكى على ثقة نبكى على ورع      مضى واصبح أهلوه ثعابينا

إنا نكاد نجن اليوم من أسف         ماذا الذى عن ضروب المكر يسلينا

وحينما يصبح الجشع هو الغاية والهدف يكون الطامع فى نظر الجزيرى :

يبغي الألوف وإن جاءته طائعة   تراه من بعدها يبغي الملابينا

وعن اللغة العربية يقول فى قصيد " جاهلو لغتهم " :

وانت تدرى بانا عندنا لغة               إذا نطقت بها لا يذكر العسل

لها شهود من الأعجام قد شهدوا   بحسنها ولها فى الحكم قد عدلوا

ويتحسر الشاعر وينقم على من يحتقرها بقوله :

وبيننا من بنيها من يحقرها               بزعمه انها شئ به ثقل ( 4 )

وهذا الشاعر أبو الحسن بن شعبان ) 1897 ه - 11 ماى 1963 م . ( يشعر في قراره بمرارة الخيبة التى آل اليها أمر التونسيين فيخاطب بلاده قائلا :

ايا تونس ما لدهرك جارا        وجرد تاجك من دره

فخارك بين الورى قد توارى    وعيشك آل إلى مره

وابناء تربك أضحوا حيارى    وكل يفكر فى أمره

ويخشى على قومه من مرارة الواقع الذى انتشر فيه النفاق والتفرق والانقسام فيقول :

فما راج يا قوم غير النفاق       وحب التفرق والانقسام

وإنا على ما بنا من شقاق       يسير بنا نحو موت زؤام

ولكنه يأمل فى الغد الباسم بعد طرح داء الكسل وتوطيد طريق المعالي بالعمل الجدى المخلص :

لتصبح تونس ذات اعتناق       لعز ثوى اليوم تحت الرجام

وإذذاك ينكف دمع الماقي    وإذذاك نحيا حياة الكرام ) 5 )

وورد بجريدة " مرشد الأمة " الصادرة يوم 30 من ربيع الأول 1342 ه . ، العدد مائة ، قول المعلق بدون امضاء ) 6 ( : " كان وقع إباحة التجنيس للأمة التونسية شديدا عليها هو له ومصابه ، حيث انه تراه أمامها كفتح باب للانقراض ، فالداخل فيه لا يرجع ، وهكذا يتم الفناء عن قصر أمد أو عن طول فيه ، فتحركت بحذافرها تطالب بغلق ذلك الباب ، ورد هذا التيار الذى لا يقل فعلا بالأقوام عن طوفان قوم نوح وصرصر ثمود ، شأن الامم الحية التى ترى لجنسيتها رفعة ولدينها مكانة ، ولأخلاقها صفاء ، ولحقوقها السياسية والاجتماعية سلطانا على النفوس "

وما أروعها ملاحظات رشيقة ، وذكرا لحقائق صارخة شديدة الوقع في القلوب والمهج والارواح قول المعلق

. " وليس فيما قلنا من ذنب يستوجب غليان مراجل حقد هؤلاء الذين كانوا قبل اليوم يتباعدون عنا ، ولا يرضوننا الا خدمة ويترفعون عن الامتزاج بنا ، وقد طلبوا - بلا خجل - أن لا يخلط أبناؤنا وأبناؤهم فى صعيد

التعليم ، خوفا من العدوى الاخلاقية حتى قيل : إن أحد الجنرالات قال قبل اليوم فى هذا الصدد :

ان الفرنسي والعربي لو طبخا فى مرجل ما امتزجا قط ، وذلك لتباين مواد التركيب الفطرى فى المواهب والمزاج "

فما لهم اليوم لا ينصفوننا إذا عارضنا فى تلك الاباحة الاختيارية التجنيس ( وطلبنا نسخ ما مسنا من ذلك القانون ؟ وقد قلنا بعض ما قالو ، وان لنا دينا وشرفا وتاريخا ولغة ومجدا وحسبا ونسبا وذاتية لا نرضى بها بديلا مع شدة احترامنا لجنسية غيرنا احترام العاقل للحرية والحق "

ويكتب الطيب بن عيسى صاحب جريدة " الوزير " ) 7 ) تعليقا حول الاحتماء والتجنيس " والفرق بينهما وكان مقاله قبل صدور القانون رسميا واطلاعه عليه كما أشار إلى ذلك ملاحظا بأن التجنس فى الاصطلاح هو نكران جنس والاعتراف بجنس آخر والاندماج فى عنصر غير العنصر الذي ينتمي اليه الانسان بحسب مولده ، فاذا كان الخارج من جنس تونسى اسلامي داخلا فى جنس تركى اسلامي - مثلا - فان دخوله وخروجه لا يؤثر شيئا على ديانته ما دام النظام سائرا فى البلادين وبين الوطنين طبق أنظمة وأحكام اسلامية واحدة ، وعلى العكس ، إذا كان الخارج من جنس جزائرى اسلامى داخلا فى جنس أمريكى مسيحى - افتراضا - فان دخوله وخروجه يؤثر على ديانته لان الاحكام الاسلامية ليست جارية بأمريكا فى الاحوال الشخصية الدينية بل بالعكس فكلها منافية لديانته ومطابقة للديانة المسيحية . وجاء على لسان المصلح الطاهر الحداد ) 1899 ه - 1935 م . ( قوله بجريدة " الأمة " ) 8 ( العدد 50 , 4 ربيع الثاني 1342 ه . - 1924 م .

" فتح باب التجنيس للتونسيين أقل ما فيه أن فرنسا تتمنى أن يصير التونسيون في يوم ما فرنسيين . وبعد أن يقاوم فكرة اعتبار مشروع قانون التجنيس اختياريا كوضع المحاكم التونسية عدلية أو شرعية حيث لا يلاقى التونسي غير اضاعة الوقت والمال واشتباه الحق وضياعه بسبب نقص القانون واختلال النظام ، يلاحظ الكاتب بأن مسألة التجنيس لم تكن فجأة فى سير

السياسة ) الفرنسية فهي تسير على مبدأ ثابت هو الالحاق التام ، غير أن سيرها فى الماضي اليه كان خفيا وبطيئا بقدر الامكان - وما كان ذلك خوفا من التونسيين الذين أخذتهم اذ ذاك غفوة النوم ، فان ذلك لا يقع فى ذهنها الا كخاطرة بسيطة بل لتحققها مقاومة الدول الاوربية لها يوم تعلن فجأة الالحاق الذي يقضي على امتيازاتهم ويغير مركز فرنسا الاستعمارى بالنسبة اليهم . كان هذافى الماضي ، أما اليوم فقد انتبه التونسيون على صواعق الحرب الكبرى ) 9 ( وعاودتهم اليقظة التى دبت في الشرقيين جميعا ، وخصوصا المسلمين ، وشجعتهم فى صدورهم وانتشر على وجوههم الشعور القومى ، ذلك الشعور العظيم والهائل ذلك الشعور الذى يبشر المستضعفين ويهدد المتغلبين

التجنيس - كما قلنا - نكث للعهد بدون شك ، وقد علمتنا السياسة العملية لأوربا أن المعاهدات حبر على ورق تحترم عند تكافؤ القوى وتداس عند اختلال التوازن بينها . لقد اغتاظت صحافة الاستعمار على الصحافة التونسية لانها دافعت بشرف عن ملتها المقدسة التى سيحدث فيها مشروع التجنيس ثغرة هائلة وخطرا ماحقا من جيش متجنس يكون اليهود فى مقدمته ؛ غير أن الصحافة الفرنسية المغرضة لم يرق لها ذلك ، فأخذت تهدد الصحافة التونسية بقوة الاحتلال الفرنسى ، وأخيرا نشرت جريدة " لا دبيش تونزيان " بلاغا كله تهديد للصحافة التونسية وزهو بما لهم من القوة والسلطة .

ليس لنا اليوم أمام هذه الاخطار وما ندافع به غير ألسنتنا وصحفنا واحساسنا وهي لا تكفى وحدها لرد هذا التيار الاستعمارى لذلك أرى أنهم سيمرون على هذه الضجة غير مكترثين وهكذا شأنهم فى كل ما يهمنا - إن الكلمة الجامعة التى نختم بها مقالنا هي : " إن سياسة الاحتلال المادية والمجردة من استعمال العقل لئن كانت تسلب المادة منا ، وتحاول فصلنا عن خصائصنا الادبية والتاريخية ، فانها أيقظت بقدر ذلك عواطفنا وشعورنا القومى يقظة ستظهر الايام قيمتها ولو بعد حين " ا . ه

وانظر معي قوله شعرا يخاطب شعبه ويحذره من مغبة الوقوع فى فخ التجنيس :

افق ايها الشعب المهان فقد أتوا     إليك بتجنيس لعلك تخدع

وأيد لهم بالحس انك ماجد              وإن كنت فى بؤس فجنسك ارفع

ولا ترهبن فالخوف موت محقق   يعم بنينا شره المتطلع ( 15 )

وقوله فى قصيد آخر :

قوم لقد انكرونا فى كرامتنا           وجاهرونا بنجوى الأمس فى الحجب

قالوا : خليط بلا جنس مواطنهم     أرض محللة مبتورة النسب

قالوا : حمايتنا أضحت مفوقة         لديهمو عن حمى الاسلام واعجبي

لقد اهانوا وليس المسلمين فقط   بل الحقيقة والتاريخ بالكذب 11

وكثيرة هي تلك المواقف العديدة التى وقفها دفاعا عن كيان هذا الشعب وذاتيته وأصالته .

ويقول الشاعر محمد الشاذلى خزنة دار ) 12 ( فى قصيد " تونسي وحسبي "

امتي التونسيه            فى نهوض بنوها

نخوتى العربيه             كلكم عارفوها

هى فينا سجيه             ناسبتها ذووها

تونسى وحسبي            أننى تونسي

لا ابدل جنسى ( 13 (       لا ولا أتردد

ان يحب الفرنسي           لا يحب محمد

المجنس قالوا :                 كافر باتفاق

والسكوك ضلال              ويح أهل النفاق

ما عساه ينال                  ما عساه يلاقي

تونسى وحسبي            اننى تونسى

خاسر من تفرنس         أين حل مهين

ان يقولوا : تجنس        قل لهم : لى دين

مسلم اتحمس             فى اعتقادى مكين

تونسي وحسبي             اننى تونسى

جاوزوها حدودا              بيننا دون حد

ناقضوها عهودا            دون أخذ ورد

وكفانا جمودا               وكفاهم تعدى ( 14 )

وفى قصيد التجنس يقول

لست المبدل جنسي                            كلا ولا اتردد

ان كان يرضى الفرنسي                        فليس يرضى محمد

قالوا : التجنس كفر                            فقلت : أقبح كفر

قلب المجنس قفر                             بل حالك اللون أسود

من منكمو جنسوه                            ماذا استفاد لعمرى

فى جنسهم الحقوه                          كالواو ظلما بعمرو

مذبذبا صيروه                                  به الفريقان يزري

ضاعت عليه ذووه                           فشمله متبدد

ما للشيوخ سكوتا                ولم تناضل علينا ؟

ملازمين البيوتا                     اين الديانة أينا ؟

فلنتركوهم صموتا               إنا قد استفتينا

ويختم القصيد بقوله :

من كان منكم يحب            مما الم التوقى

يصدع بما قال : رب           له الأوامر تصمد ) 15 (

ويتحسر الشيخ سالم بن حميدة الأكودى ) 16 ( على الوضع الذي تردى فيه الاسلام والمسلمون نتيجة محنة التجنيس فيقول فى قصيد بعنوان " واها "

فهذا كتاب الله صار انتشاره                 به من سهام المصلحين فتور

وهذا لسان الدين ينهض للفنا             به فى مرائى المصلحين قصور

وذاك نظام الشرع ينهد صرحه            بهذا نظام الجنس ظل يخور

كفى امة الاسلام تيها وغفلة              وراقب خداع البرق فهو غرور ) 17 (

ويدعو دعوة حارة مخلصة الى الجهاد والوقوف فى وجه الماكرين داعين للعز والعيش فى ظله

فهل من مسلمين يعز عنهم                ضياع مفاخر السلف العظام

فيلقون النفوس الى جهاد                  يصان بفضلها دين التهامي

ويفنون البنين وكل مال                      ليحيوا مجد آباء عظام

فخير للفتى موت بعز              من الموت المجدد والسقام

فما عاش الذليل بفضل ذل     ولا مات العزيز من الصدام ) 18 (

إن الحديث يطول عن هذه المعركة معركة الذات والكيان واثبات الأصالة وتعميق جذور الشعب بايمانه الحق ولغته الأصيلة وتراثه المجيد الخالد لكن حسبنا أن نسرع في البسط قدر الامكان حتى تتبلور المشكلة فى اطارها التاريخي العام وربطها بالجو السائد سواء بتونس أو بشمال افريقيا عموما

وما حادثة 5 أفريل الشهيرة سنة 9221 م . - 9 شعبان 1340 ه . إلا دليل على ما ذكرنا فقد أبرق الوطني الغيور الحبيب بورقيبة الى المقيم العام الفرنسي " لوسيان سان " محتجا على تصرفاته المشينة القاتلة للفكر وحرية الرأى والتعبير بتعطيله جريدة " لصواب " لمناصرتها مطالب الشعب التونسى فى الحرية والانعتاق ، فكانت جرأة وشجاعة المجاهد الاكبر فى ذاك الحين مبعث اندهاش في إدارة معهد " الليسي كارنو " حيث كان تلميذا فعوقب على صنيعه ومبادرته الرائدة

إن سلوك سياسة تعمير البلاد التونسية وفرنستها وصدور قانون فرنسى فى ديسمبر 1923 يسرا اعتناق الجنسية الفرنسية ، وقد وقع إقرار وصلوحبة تنفيذه من طرف المقيم العام الفرنسي فى جانفى 1924 .

ثم كانت رغبة سلطات الحماية في نصب تمثال للكاردينال لافيجرى فى مدخل المدينة العتيقة بتونس بالمكان المواجه لباب البحر والتمثال يمثله واقفا بيد حاملا كتاب الانجيل ، وبالاخرى الصليب المعقف ، وقد كان لهذا الصنيع صداه البعيد فى نفوس الاحرار من الوطنيين ، فغضبوا للامر وثاروا عليه ، واعتبروه تحديا لمشاعرهم فخرجوا متظاهرين محتجين ، وحاولوا تحطيمه لكن تصدت لهم سلطات الحماية وزجت بالكثير منهم فى السجون والمنافى وفى الأثناء التأم اجتماع بأحرار بلدة السرس للاحتجاج على صدور أوامر التجنيس وتم ارسال برقية باسم أحمد الدرعى والطيب الى الباى محمد الحببب حوت ما يلى :

" سكان السرس مجمعون على خطورة قرار التجنيس ويطلبون بتوقيفه لأنه يجعل ملككم :

القاب سلطنة فى غير مملكة       كالهر يحكى انتفاخا صوله الأسد ،

فحوكما من أجل تلك البرقية لدى الدائرة الجنائية بتونس وصدر ضدهما حكم بالسجن مدة ستة أشهر مع تأجيل التنفيذ

وفي الأثناء كانت هناك حركة من الشبان وفي مقدمتهم الحبيب بورقيبة تناهض ذاك المسعى للتفرنس والذوبان وتقاوم مثل تلك الترهات الباطنة والأكاذيب الملفقة وانبرت تحرر فى صحيحة " حركة صوت التونسى باللسان الفرنسي فكثر الاقبال عليها وأصبحت اكثر مقالاتها تعرب وتنشر بالعربية وكان صدورها سابقا بسنة عن " المؤتمر الافخارستى " الذى التام بقرطاج فيما بين 7 و 11 ماى 1930 ، واعتبره المستعمرون حملة صليبية متجددة ، فتألم الشعب لهذا الصنيع واحتج على وقوعه ، وخرجت المظاهرات فى الشوارع منددة بالمستعمر وأذنابه ، ناقمة عليه وساخطة ، وفي الاخير وكالعادة كان الانتقام والتشفى من العناصر الوطنية بالتنكيل والسجن

وفي الأثناء وبالتحديد بالمغرب الاقصى كان صدور الظهير البربري المؤرخ فى 16 ماي 1930 حيث وقع بمقتضاه إخراج البرابرة المسلمين من قوانين إخوانهم المغاربة ومن حدود النظم والقوانين الاسلامية ، فكانت هناك حوادث دامية تناقلت أخبارها الصحف وتألمت لها كل لبلدان الاسلامية قاطبة ، وفي تونس بدأت سلطات الحماية في الاستعداد للاحتفال فى سنة 1931 بمرور خمسين سنة على احتلالها للبلاد إلا أن تحركات الوطنيين الاحرار ونشاطهم المتواصل وفي مقدمتهم الرئيس الحبيب بورفيبة حال دون نجاح الخطة فعدلت سلطات الحماية عن القيام بمثل هذا المهرجان المزري وتم الاقتصار على قيام رئيس الجمهورية الفرنسية بأداء زيارة لتونس فى شهر أفريل من السنة ذاتها .

وبقيت سلطات الحماية تتحين الفرص كى تخلق تعلات وأعذارا ووسائل للمزيد من الضغط على المشاعر والنفوس وخلق روح التذبذب والانشقاق والتفرق وما كانت سنة 1350 ه . - 1932 م . حتى ظهرت الرغبة فى إقامة مؤتمر أطلق عليه اسم ) مؤتمر اللغة العربية ( خصص له البرلمان الفرنسي ما قدره مليونا من الفرنكات كل هذا بسعى من المستشرق الفرنسى " ويليام مرساى " والهدف والغاية من انعقاده فصل شمال افريقيا أو بالاحرى المغرب العربى عن بقية البلاد العربية الاخرى وقد أشرف على جلسته الافتتاحية المقيم العام الفرنسي " منصرون " وكان ذلك بقصر الجمعيات بتونس وقد شارك فيه بعض من تعتمد عليهم فرنسا بالمغرب الاقصى والجزائر ، وفي احدى

الجلسات هاجم المستشرق المذكور اللغة العربية واعتبرها قاصرة لان تكون لغة علم وحضارة واقترح فكرة استعمال اللغة العامية كوسيلة للتخاطب والتعامل بشمال افريقيا قاطبة ، وبوقوف الشيخ أحمد بيرم فى وجهه ورد كيده الى نحره ودفاعه المستميت عن العربية انتهى الامر الى اخفاق ذلك المؤتمر حيث لم يصدر أى قرار بات ، ونتيجة لهذا الفشل الذريع تم وضع العراقيل فى سبيل أحمد بيرم الى درجة اعفائه من منصبه بصفته مباشرا لخطة شيخ الاسلام ) 19 ( .

ويقف في الاثناء الشاعر الاديب صالح السويسي القيروانى ) 20 ( مخاطبا بني قومه ملاحظا ما نال هذه اللغة العزيزة من ضعف ووهن وقد زهد فيها ابناؤها مشيرا الى وجوب العناية بها فى إطار النهضة الشاملة :

درست معالم مجدها وتجردت         عن رونق ومحاسن نضرات

عظم السقام بها وطال انينها          وتململت من شدة العثرات

وبدت بأسوا حالة بين الورى            حيث البنون بأربع الغفلات

إلى أن يقول

لغة الكتاب هي الحياة لكل من           يبغى الحياة ومن لنا بحياة ؟ ) 21 (

وفى قصيد آخر يعاتب رجال الدين الذين لم يهتموا بالشعب واصلاحه لا تعنيهم إلا مصالحهم الخاصة قائلا

يا من سموا بشريعة المختار             وبهم تنار حنادس الأفكار

كم تلتهون بأصفر الدينار                 والمسلمون بأربع الخسران 22

وهكذا وفي ذات السنة أعنى فى نوفمبر 1932 أسس المجاهد الاكبر جريدة " العمل التونسي " باللسان الفرنسى فكان للمقالات التى حررها صداها

البعيد في نفوس الأحرار وتحركت سواكن الشعب وازدادت نقمته على الغاصب المحتل يوما بعد يوم الى أن تم إيقافها عن الصدور في موفى ماي 1933 وعمت البلاد موجة من السخط والكراهية ضد المستعمر وأذنابه وانطلقت من مدينة بنزرت حيث توفى متجنس وطفل ابن متجنس ، فكان الرفض التام الجازم لدفنهما بالمقبرة الاسلامية ، وقد أفتى مفتى المدينة آنذاك الشيخ ادريس الشريف بدفن الطفل بالمقبرة الاسلامية ومنع دفن الرجل بها وتم الامر كذلك ، وشاع الخبر فى أنحاء البلاد التونسية وقامت اضطرابات ومصادمات دامية مع الجند الفرنسي بلنستير فخرج الأحرار نساء ورجالا فى سخط عارم لمنع دفن المتجنس بالمقبرة الاسلامية هناك فكانت المواجهة والتصادم مع الجيش الفرنسى المدجج بمختلف الأسلحة وسالت الدماء الزكية حتى انتهى الأمر فى النهاية من الملحمة إلى إذعان سلطات الحماية بالأمر الواقع وترك المتجنس المتوفى يوارى فى مقبرة خاصة بالمتجنسين وكان المحرك والداعى للثورة على هذا التعدى الزعيم الشاب الحبيب بورفيبة الذى أعلنها صريحة مدوية بالامكان للخونة فوق وتحت أديم أرض تونس الطاهرة وانتشرت شرارات العصيان بتونس العاصمة فكان القمع والكبت وعمت الفوضى البلاد من أقصاها الى أقصاها . وفي ذى الحجة 1351 ه . - أفريل 1933 م .

تدخلت حكومة الحماية بواسطة الوزارة الكبرى باستفتاء المجلس الشرعي الأعلى بتونس وكان على قسمه الحنفي شيخ الاسلام محمد بن يوسف وعلى رأس قسمه المالكى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذى كان يتولى فى نفس الحين خطة مدير للجامع الاعظم وفروعه وأفتت أغلبية أعضاء القسمين بأن التجنس لا يخرج المسلم عن دينه واعتبار أن توبة المتجنس تقبل . فكانت تلك الفتوى منطلق الثورة على مثل هذا التصرف والسخط على المتجنسين والتنديد بمن ييسر لهم سبل الحياة فى المجموعة القومية ، وآل الامر فى النهاية الى احداث مقابر خاصة بهم وإعفاء الشيخ الطاهر بن عاشور من خطته كمدير للجامع الاعظم وبانتهاء تلك السنة المذكورة الحافلة بالاحداث المؤلمة والتذبذب وبالانهزامية كان فى بداية السنة الموالية وبالضبط فى حدود يوم 2 مارس 1934 انبعاث الحزب الدستورى الجديد بقيادة الرئيس الحبيب بورفيبة قصد وضع منهاج واضح المعالم للسير فى مرحلة جديدة من الكفاح الوطني عميقة الجذور بينة الغايات والاهداف

وفي الجزائر كان المصلح عبد الحميد بن باديس يشع بفكره الثاقب وايمانه الصحيح ويتجول فى انحاء البلاد مجاهدا بالليل والنهار قصد مقاومة التفسخ والذوبان صارخا بقوله :

شعب الجزائر مسلم          والى العروبة ينتسب

من قال : حاد عن اصله      أو قال : مات فقد كذب

أو رام إدماجا له                 رام المحال من الطلب ) 23 (

وقد سارت هذه الابيات على الالسن ورددتها وما زالت أجيال الجزائر الصاعدة فى حمية وحماس شديدين ورغبة فى تحقيق آمال ذاك الرجل الفذ والعالم المخلص لله ولدينه ووطنه

وما أروعه تضامنا من أقصى بلاد الهند حينما بلغ صدى مسألة التجنيس تلك الربوع واهتمت الصحافة هناك بالمشكلة من جميع الوجوه الدينية والقومية والاجتماعية والسياسية واعتبار هذا الباب ماسا بكيان البلاد السياسي وقاضيا على القومية التونسية بالموت والفناء فاهتمت بالموضوع صحيفة " نجات " التى كانت تصدر ببنجور من أعمال الهند وكذلك كتبت جريدة " الخلافة الكبرى " الصادرة ببمباى بعدد 14 من الجزء الثالث المؤرخ فى 11 جمادى الآخر وفي 18 جانفى 1342 ه . - 1924 م . مقالا ضافيا مع الملاحط أن الصحيفة المذكورة نددت بشدة عن سكوت رجال الدين التونسيين حول هذه المسألة الخطيرة وقامت مع صحيفة " نجات " باستفتاء علماء الهند فى حكم التجنيس دينا وكان جواب أحد فطاحل علماء الهند الامام تاج الدين بن عبد العزيز الحيدر أبادى الهندى فى منع التجنيس وانه كفر مذيلا فتواه بنقل عن الزيلعي والدر المختار ومشيرا الى فتوى قديمة كانت صدرت من علماء تونسيين فى كفر المتجنس بجنسية المخالفين له فى الدين وقد ذكر أسماءهم وهم من يأتى :

أحمد بن الخوجة : شيخ الاسلام - حسن عباس : مفتى - محمد بيرم : مفتى - الشاذلى بن القاضى : مفتى - مصطفى رضوان : مدرس ( 24 (

وقد كان تعليق جريدة " مرشد الأمة " الصادرة بتاريخ 12 رجب 1342 ه ( عدد 103 ( حول هذا الموقف بما يلى :

لا نعلم من أين اتصل هذا العالم الجليل بنص هذه الفتوى التى بخل بها علماء تونس الحاضرون عن الامة حتى اتخذ سكوتهم حجة على أن المسألة ! تمس بالدين " ) 25 ( .

وأوردت الصحيفة المذكورة نص احتجاج ضد مشروع التجنيس وجهته جريدة " الخلافة " الى الشعب الفرنسي على لسان مسلمي الهند وفحواه كما يلى :

إن مشروع التجنيس بتونس أغضب العالم الاسلامى وخصوصا مسلمي الهند الذين يواصلون الاحتجاج ضد إجرائه للرابطة الاسلامية بينها وبين الأمة التونسية وتعجب بافراط شذوذ الحكومة الفرنسية بهذا القانون عن بقية الدول الاستعمارية كدولة بريطانيا التى لها فى الهند ثلاثة قرون ولم تلتفت لمحاولة اجراء عمل كهذا " ا . ه

أخيرا وبعد هذه البسطة لا يسعنا في الآخر إلا أن نقف إجلالا لكل من قاوم الطغمة الحاكمة وتحدى نواياها الخسيسة الرامية الى طمس الشخصية التونسية وكيان الشعب الأبى المعتز بدينه وأصالته فى العروبة والايمان الحق القويم ، وهكذا وفي النهاية انبلج الصبح الوضاء وتم البعث فكان النصر للأمة والاندحار للمستبد الظالم الساخر بأنات الشعب المستضعف الذي آل الامر له فى خاتمة الملحمة وكما قيل :

هى سنة المحتل فى         كل العصور وما تعد

فشأنه ان يستبد               وشأننا ان نستعد

اشترك في نشرتنا البريدية