لا يمكن ضبط منزلة الشعر التونسي وتحديد مكانته من التيارات الشعرية الحديثة ما لم يتم الاتفاق على تعريف اساسي للشعر جوهرا واسلوبا . - الشعر ، ما هو ؟ - ان الشبه الكبير بين الشعر وبين آله موسيقية وترية ، فبديهى ان القيثارة مثلا قد ظهرت في بادىء الامر بوتر واحد ثم تزايدت واكتملت اوتارها بمرور الزمن وبانتقالها من يد الى اخرى ، وكذلك الشعر فقد تزايدت وتعددت عروضه واوزانه ، اغراضه واساليبه وأصبح من الصعب ضبط قواعده ومفاهيمه . فكلمة شعر التى كانت لا تعدو لدى ارسطو كونها أسلوبا فى التعبير عن الاشياء عن طريق التأويل والاستعارة ، توسعت فى العصور الحديثة مدلولاتها ، فبالاضافة الى القصيد يدخل ضمن مفهوم الشعر الموضة والملاهى ، وعلى كل فإن الشعر هو النظر الى الاشياء للاستمتاع بجمالها بدون أية فكرة استغلالية ، وهو كذلك عقدة الاتصال بين الواقع والخيال ولعله يسمح لنا دون سواه من الفنون بالاقتراب من حل هذا اللغز الغامض ، الا وهو وجود الانسان المتركب من جانب واقعى يقابله جانب وهمى . ولقد قال Joseph JOUBET : " الشعراء يفوقون الفلاسفة فى سلامة الذوق والاحساس مائة مرة ، فمن خلال بحثهم عن الجمال يجدون من الحقائق ما لا يجده الفلاسفة فى بحثهم عن الحق " .
وبالرغم من تعدد فروع الشعر مازال القصيد خير ممثل له ، القصيد الذي وصفه Valery بكونه ترددا متواصلا بين النغم والاحساس . ونستخلص من كل هذا ان الشعر بحث عن الجمال وان القصيد صدى محاولات ذلك البحث .
يقول الدكتور طه حسين : النثر لغة العقل والشعر لغة القلب ، ونستطيع ان نضيف الى ذلك أن الشعر لغة العقل الباطن ايضا ، وحقائق العقل الباطن التى يقرها علم النفس التحليلى تتطلب تعبيرا ملائما وتصويرا جديدا لعوالمها التى لا تحد . واذا تم الاقرار بأن
مهمة القصيد ليست تعليمية او اخبارية بل هي ايحائية ، تأكد لدينا ان كل مبالغة فى التشبث بما يسمى بالوحدة الفنية او تماسك أجزاء القصيد تؤدى بنا حتما الى السهولة والتقليد ولا تجعل من القصيد سوى حكاية او وصية . فى حين يجب ان يكون مرآة داخلية يهم القارىء ان يجد فيها صورة الشاعر بقدر ما يهمه ان يجد صورت هو ، ولذلك يتعمد الشاعر المحدث تشويش المعانى او التلميح اليها ويكتفى غالبا بتوليدها ثم لا يتكفل برضاعتها تاركا ذلك للقارئ الذي يتولى احتضانها فإذا هى تنمو عنده وكأنها كائن حى ، وانها لكذلك ، اذ ما الفرق بين مقال نثرى وبين قصيدة لم يراع فيها سوى احكام البناء وتعاقب الاحداث تعاقبا منطقيا
لو تأملنا من الشعر على مر العصور وجدناه يرمي دائما الى الغايات التي ذكرناها وما التغييرات الحاصلة في مناهجه واغراضه سوى نتيجة حتمية لتعدد المحاولات والانتفاع بالتجارب السابقة .
ولئن قيل عمن ينشر ديوانا من الشعر انه يكون كمن القى زهرة في اخدود ووقف ينتظر الصدى ، ومهما تزايد اعراض القراء عن الشعر ، فإن شر الاخطار ما جاء من الداخل ، والخطر الداخلي بالنسبة للشعر هو الشيخوخة التى تعتريه من جراء الابتذال والتقليد . فعندما نمتدح شاعرا بقولنا انه خليفة الشابى مثلا يكون ذلك منا مدحا خير منه الشتم بالنسبة للشعر على الاقل اذ يعنى أنه قد ظل يخبط في مكانه يحرك قدميه وهو لا يتقدم . ابتذال وتقليد فى اللغة الشعرية على الاخص فلا تلبث أن تفقد موسيقاها وجدتها ، ولا يتم اعادة الشعر الى الشباب الا بتغيير الصيغ واعادة النظر باستمرار في القوالب والنغم .
وعلى ضوء هذه الاعتبارات تندلع الثورات الادبية التي تطيح بالقواعد البالية وتقر أنظمة جديدة ، ولكم تغيرت ملامح الشعر عبر السنين وخاصة منذ الثورة الرومانطيكية ، ولكن اهم حدث طرأ على حياة الشعر هو ما استوجبه نشوب حربين عالميتين ، والخوف المستمر من امكانية حدوث حرب ثالثة أشد هولا . وشهدت هكذا سني نصف القرن الحالي قلب وضعية الشعر ، فبينما كان الواقع يلاحق الشعر ويطمح اليه ، أصبح الشعر هو الذى يلاحق الواقع ومن هنا ظهر أدب الالتزام ، ادب الواقع السياسي وشعر اللا شعر .
ورغم محاولات بعض الشعراء التونسيين اقتفاء أثر الشعراء الشرقيين الذين اعتنقوا الالتزام فإن الشاعر التونسي لم يزل يؤمن بأن المدرسة الوحيدة الضامنة لنجاح كل مشروع هي الحرية ، حرية الاديب في الخلق والابداع . واى شاعر لم يقل في حياته قصيدا واحدا على الاقل يمكن ان نسميه ملتزما فالخطر ليس في الالتزام من حين لاخر ، بل فى سنه قانونا واقراره نظاما .
ولقد شاهدنا الفشل الذريع الذى منى به الادب الموجه في كل مكان وخاصة فى الاتحاد السوفياتي حيث أصبح الادباء والشعراء ذوو الاثر العالمى قلة تعد على الاصابع امثال مياكوفسكى وايفتو تشنكو و " باسترناك " (1) الذي ما كان ليبرز لولا تحرره بعض الشيء من قيود الالتزام التي كانت تلجم عبقريته .
يريد جماعة الالتزام فى الشرق ان يحددوا للشعر رسالة اجتماعية اشتراكية فألحقوا بالشعر العربي كثيرا من الضرر اذ هو يتأخر عن
اللحاق بقافلة الشعر العالمى . انهم يهاجمون " الذاتية ، ومبدأ الفن للفن على اعتبار أنهما برعجية عقيمة . هل أن القيمة الجماعية لا تتم الا بامحاء الفرد ؟ هل من البرعجية ، "هذه الذاتية" ، التى تتحدث عن مشاكل الانسان ، هذه الذاتية التى يجد فيها كل انسان بعض نفسه ، كيف نتنكر لهذا الغرض من اغراض الشعر ونحن في عصر علم النفس ، وقد تغيرت نظرتنا الى مواضيع الشعر الثلاثة الخالدة : الحب والشباب والموت ، على ضوء الاكتشافات الحديثة . ان ما يسمي بالشعر الذاتى ليس فى الحقيقة سوى الشعر السيكولوجي الذي تمتد جذوره الى أعمق اعماقنا ويستمد من عقلنا الباطن رؤاه العجيبة التي عرف كيف يعبر عنها بلغة جديدة ، لغة بلاغتها تنسف قواعد البلاغة .
ان دعاة الالتزام يتجاهلون أويجهلون ان الشعر لم يخلق لحل مشاكل المجتمع او ليكون ميدانا للمزايدات الرخيصة ، بل تنحصر مهمته في المحافظة على وجه الانسان الحقيقي ، ان البلاد العربية في حاجة أكيدة الى الاسهام فى بعث ثقافة عالمية وليس الادب الملتزم بضاعة يمكن تصديرها . واخيرا انتخب الشعراء الفرنسيون Jean Cocteau قبيل وفاته أميرا لهم وهو لم ينظم قصيدا واحدا ملتزما .
ان الشاعر يستطيع ان يعالج اى مشكلة يتفاعل معها على شرط ان يحتفظ بحريته لا حرية الاختيار فحسب ، بل وحرية تجاوز المشكلة نفسها . يقول الفيلسوف الوجودى : Heidegger " تتهدد الفيلسوف أخطار ثلاثة : مشاكله الخاصة ، واستاذ الفلسفة ومصاحبة الشعراء " ولكن يضيف الى ذلك قائلا بأن هذا الخطر الاخير حبيب الى نفس الفلسوف فالشاعر والفلسوف يلتقيان في نقطة هامة هي التأمل من الظواهر الطبيعية ثم عرف Heidegger ما سماه بالشاعر الجوهرى فقال : هو من ينظر الى الشىء فينفذ الى اعماقه ويرى ما وراءه . وعمر الخيام خير مثال للشاعر الجوهرى فهو عندما يقف أمام زهرة ، يراها منبثقة من قلب غادة محبة تنام تحت التراب ، وعندما يقف امام خزاف يلطم الطين ليعطيه الشكل الذى يريده ، يسمع صوت الطين يطلب من الخزاف ان يرفق برفات الاسلاف فغدا يعود مثلهم طينا .
وأمام جميع المذاهب والمدارس الشعرية من رومانطيكية
ورمزية وواقعية والتزامية وسريالية ، يقف الشعر التونسى فى ملتقى هذه الطرق ، وفى وقفته شىء من الحيرة تتجلى فى الالوان الخافتة التى يصطبغ بها من هنا وهناك . ورغم استمرار بعض شعرائنا على التشبث بالاساليب العتيقة ومحاولة البعض الآخر الأنسياق مع الموضات الجديدة ، فإن النخبة من الشعراء التونسيين الشبان تفضل البقاء في ملتقى الطرق مصبا لروافد المناهل الشعرية المختلفة ، وفي قصائدهم تتآلف وتنسجم ألوان وثقافات ويتواصل بحث عن الجمال وحقيقة الانسان ، بحث تنيره تجارب الآخرين .
فى الجملة فهناك صنفان من الشعر المعاصر ، المعاصر فى مفهومه اللغوي اى الذى يواكب أحداث الساعة ، والمعاصر في مفهومه الفلسفى اى الذى يبقى على مر الاجيال ويواكب العصور . وفى اعتقادى ان النخبة التونسية ترمي الى ايجاد شعر معاصر في مفهوميه .
يقول نيتشه : " يقود الشاعر عادة افكاره مظفرا على عربة النغم ، وذلك لانها لا تستطيع ان تسير راجلة " ولا يخلو هذا القول من وجاهة ، اذ ماذا يساوى الشعر لو جردناه من النغم ؟ وهنا يتدرج بنا الحديث الى الاساليب الشعرية او على اصح تعبير الى التجربة اللغوية ، وهذا يجرنا حتما الى بيان موقف الشعر التونسي من القصيد التقليدى العمودى والقصيد الحر الذي اصبح فى الشرق عنوانا للتجديد والتقدم .
كلما فكرت فى لغة الشعر تذكرت نكتة الفتاة الحضرية التى تعلقت بشاب ريفي لا صلة له بالثقافة وقد سألته ان يقول لها كلمات حلوة فقال : " سكر ، عسل . . " قالت : " لا ، انى اريد أن تحدثني عن اشياء من شأنها ان تربط وتؤلف بيننا . . " فقال : " خيط ، حبل ... " فصاحت به " لا بل اشياء من شأنها ان تنفذ الى الاعماق ... " فابتسم ابتسامة الظفر وقال " لقد عرفت ، خنجر ، سكين . . " وفى زعمى اننا ماكنا لنبعد كثيرا عن مستوى هذا الشاب لولا الشعر ، لقد وهبنا الكلام لا لنبتذله في التعبير عن حاجياتنا اليومية بل لنكون شعراء ، فالانسان الاول كان يستطيع التعبير وربط الصلة بينه وبين بنى جنسه عن طريق الاشارة والرسم ، اما الكلام فهو حضارة وفن وجمال ، انه الشعر . .، ولكن اذ كانت الكلمات عاجزة عن حمل الفكرة كاملة وعن اداء جميع معانيها من جهة ،
واذ هى من جهة اخرى معرضة لمفعول الاستهلاك ، وجب على الشعراء ان يراجعوا دائما وسائل التعبير من كلام وصور ، وهذا مما يؤكد أن الشعر صناعة قبل كل شئ ، لها قواعدها وهندستها ، ولكن أحدا لا يستطيع ضبط الهندسة الشعرية التى يرتكز عليها هذا الفن المعمارى الذي لا يشيد البيوت ولكنه يشيد الابيات ، وتشييد الابيات أعسر من تشييد البيوت ، فالشاعر في صراع حقيقي مع القصيد الذي يعتزم نظمه ، وهو يعترف اذا كان أمينا ، بشكه وتردده وبحثه المادى الشاق احيانا قصد استبدال كلمة بأخرى او نغم بآخر ، وهكذا نحصر صناعة الشعر فى دواعي اختيار الكلمة او التركيب او الصيغة ، ويستند الشاعر في ذلك على البلاغة لاستعمالها او للتخلى عنها عند اللزوم وعلى العروض والاوزان لتقدير ألحانها او تكلفها المضجر وعلى دوام التيقظ لتدارك الاعوجاج بالاصلاح .
لقد ذكرت ضمن عناصر صناعة الشعر الاساسية العروض والاوزان ، فهل يعنى ذلك انى من معارض الشعر الحر ؟ انى اؤيد انصار التجديد وتحرير الشعر على اعتبار ان كل عملية فكرية تخضع لقاعدة اوقانون تكون اقرب الى العلم منها الى الفن ، ولكننى طالما استسخفت هذا النثر المتحذلق الذى تطلع علينا به الصحافة من حين الى آخر ومن مختلف بلاد العالم . فهو ملاذ المتشاعرين الذين استعصت عليهم القوافي والتفاعيل . بيد انه يجب الاعتراف بأن عددا كبيرا من فرسان الشعر يلجؤون هم أيضا الى القصيد الحر ، فهناك مواضيع تأبى الدخول تحت طائلة التفاعل وهنا تكون مهمة الشاعر دقيقة للغاية اذ يجد نفسه فاقدا لعنصر أساسى لضمان النغم ، ولذلك فإنه يجهد نفسه اكثر مما لو كان القصيد تقليديا ، اذ لا يعتمد الا على موسيقى الكلمات وطرافة الصور .
وبإزاء الصناعة الشعرية تقف نخبة الشعراء التونسيين في ملتقى الطرق ايضا لا حبا في الاعتدال ولا عملا بقاعدة خير الامور الوسط ، ( رغم المحاولات الجدية التى قام بها بعض شعرائنا فى ميدان التجديد ) ولكن لان جميع محاولات التجديد ما هي الا مراحل يأتي عليها الزمن ، والشاعر الحق هو الذى لا يفتا يجدد دون ان ينسى قواعد النغم الاساسية ، ولذلك نرى رسولا من رسل التجديد في الشعر الفرنسى مثل Aragon يعود الى " الارجل " والقافية . ومهما
يكن من أمر فإن الشعراء التونسيين قد تخلوا في معظمهم عن القصيد العمودى الرتيب ذى القافية الموحدة لادراكهم انه يخضع للقافية لا للمعانى وفي هذا اتلاف للمضمون لفائدة الشكل بل وفيه اتلاف للشكل أيضا . فإذا كان القصيد ذا قافية حائية مثلا نعرف سلفا انه سيذكر : رياح ، جراح ، صباح ، نواح ... ويخلو هكذا من كل سحر . ولذلك تجهد نخبة شعرائنا في توليد أنغام جديدة عن النغم الاصل .
وعلى هذا الاساس يجب ان نفهم من عبارة "الشعر التونسي في ملتقى الطرق" لا معنى التردد فى اختيار الطريق ، بل معنى التجاوب مع جميع الاصداء وملتقى اسمى ما يصدر عن الانسان .
ولكن يجب الاعتراف بأن الشعر التونسي يعاني ازمة مادية خاصة هي أزمة النشر التى تقف حائلا دون ذيوعه وتوسعه ودون نموه ايضا . ان الشرق يكاد لا يعرف من شعرائنا سوى ابى القاسم الشابى في حين ان لنا كثيرا من المجيدين غيره .
ان الشاعر التونسي ينتج ويستدر قريحته الكريمة وخياله الخصيب ، وامله في نشر ديوانه يكاد يكون منعدما ، ففى استمراره على الانتاج ما يفوق المثابرة والاخلاص للفن ان فيه لضربا من ضروب البطولة .
ولكن صديقنا الشاعر الناثر مصطفى الفارسي الذي اولته كتابة الدولة للشؤون الثقافية والارشاد الاشراف على حظوظ النشر في تونس شاعر بمدى هذه الازمة وقد وعد بأن يسخر جميع الامكانيات لنشر التراث التونسى والتعريف به فى انحاء العالم ، واذ ذاك تتبلور التيارات الثقافية والاتجاهات الادبية في بلادنا ويتمكن اخواننا الشرقيون من اعادة النظر فى احكامهم على شعرنا تلك الاحكام التى تنقصها الحجة او التى تستند الى حجج واهية مثل تلك المجموع الشعرية التى ضمت قصائد كانت لا تفصلها في الغالب عن التفاهة حدود عريضة ، وهى التى اعتمدها الاستاذ انيس مقدسى عندما قال في اذاعة صوت امريكا ان الشعراء التونسيين متوسطو الخيال . والواقع فإن عددا من الشعراء الموميء اليهم ممن حشروا في تلك المجموعة لم يكن لهم علينا سوى فضل واحد : هو أنهم كانوا يمثلون في نظرنا ونحن في عهد الطفولة ، وجود شئ يسمى الشعر . وبدون ان نشك في نزاهة الاستاذ مقدسى وامثاله من ادباء العربية الكبار ، نأمل منهم زيادة الاطلاع على آثارنا وأنا متأكد من انهم سيراجعون احكامهم ويلمسون مدى ما نساهم به لاثراء الادب العربى ورفعه الى القمة التى هو بها جديره

