الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الشعر التونسى بين المحافظة والتجديد (*)

Share

-2-

التيار الرومنسى :

وقد نجمت بتونس احداث جسام ، مهدت لظهور تيار شعرى آخر ، تطور معه الشعر التونسى ، وخطا بذلك خطوات تجديدية قيمة بحق ، تمثلت فى تغير صورته فى كثير من أجزائها ؛ وفى إدخال تعديلات متنوعة ، بل وجوهرية أحيانا ، فى طبيعة المضمون ، بالقياس الى ما عرفناه فى شعر السابقين من شعرائنا ، ونريد به التيار الرومنسى ، الذى تعمقت جداول حركته ، فى اغلب الشعراء التونسيين ، الذين ظهروا فى الثلاثينات من هذا القرن ، وامتدوا الى نفس فترتنا الراهنة ، رغم ما طرأ على الحياة ، من تغير وانقلاب ، فى الفكر والواقع ، وتلك الاحداث الممهدة ، هى ما طرأ على مجتمعنا التونسى ، من ظروف قاسية وعنيفة ، عقب فشل الحركة النقابية الاولى ، وعقب المحاكمات الشهيرة ، طوال الاربعينات ، بما فى ذلك حوادث 9 افريل الرهيبة ، ثم مقدم الحرب الكونية الثانية ، وما حملته فى ثناياها ، من رعب فاجع ، ومن فقر وفوضى ، انتشرت فى كل مكان ، وما يعنيه كل ذلك من سيادة القوانين العرفية العسكرية ، التى تعطلت بها حركة الناس ، واجبروا على لون معين من الحياة ، يخلو من ابسط الحقوق الطبيعية والانسانية .

وقد صاحب هذه الظروف الداخلية ، سيادة هذا المذهب فى الشرق العربى ، وفى المهجر الامريكى ، نتيجة حملات العقاد النقدية الشهيرة ، على شوقى ، ومن ينهج نهجه من الكلاسيكيين ، ونتيجة قيام جماعة - أبوللو - بزعامة الدكتور أحمد زكى أبو شادى ، والتى جمعت تحت لوائها ، عناصر متنوعة ، من الشعراء المتوزعين فى كل بقاع البلاد العربيه ، ومن بينهم الشابى والحليوى ، وايضا نتيجة عمل المهجريين ، بزعامة جبران ونعيمة ، الذين اخذوا يجهدون انفسهم ، لارساء قواعد هذا المذهب والدعوة اليه بكل سبيل .

ولم تكن استجابة الشعراء التونسيين لهذا المذهب واحدة ، بل تلقاه كل واحد منهم ، بما يلائم مزاجه وثقافته الخاصة ، وما يتصل بذلك من احوال معينة فى البيئة والمجتمع ، غير اننا نستطيع ان نتلمس خطين واضحين ، اعتمادا على ما نعرف من اشعار منشورة :

اولهما الخط الرومنسى الواقعى ، الذى تتجلى ابرز خصائصه ، فى الحساسية المفرطة لتلقى الاحداث ، وعدم الرضا بالواقع ، والتعلق بالمثال فى كل شئ ، ويتزعم هذا الخط ويعبر عنه بكل استيعاب أبو القاسم الشابى ، ولا أحب أن أتوقف عند الشابى لانه قتل بحث بحثا ودرسا ، وانما اريد ان اشير الى شاعر آخر ، سار هو ايضا فى هذا الخط ، انه منور صمادح ، لقد بدأ بتقليد الشابى ، كأغلب شعراء عصره ، ولكنه ما عتم ان استقل بنظرته الى الاحداث والناس ، بل اصبح فى فترة من فترات كفاحنا الصوت الاول ، الذى يعلن احتجاج الشعب ، على ما كان يسلط عليه من قمع ، والمنادى عاليا بمطالب العدل والحرية ، ولقد كان يدرك حقيقة مهمته بوضوح فينشد :

انى خلقت لكى احس بما يحس الآخرون

فهم أنا وأنا هم وجميعنا ماء وطين

من منبع الالهام والايحاء استوحى النشيد

واصوغه للناس والايام فى خلق جديد

للبؤس والحرمان والجوع المرير المستطير

للفقر والاسمال للآلام فى قلب الفقير (I)

وثانيهما الخط الرومنسى الذاتى : الذى يجد فى الرومنسية ملاذا يحتمى به من قسوة الواقع ، وألم مجابهته ، ويجد فى الصور الخيالية ، والمعانى الذاتية ، وما يتجسد فى عالم الحلم ، من شفافية محببة ، وغموض هادئ حزين ، ما يساعد على تقبل الحياة ، والسير فى دروبها الى حيث تريد ، والحق انه ليس من السهل ضبط الاسماء التى تلتزم بهذا الخط ، لكثرة من سار فيه ، ونظم وفق اصوله ، ولكن لا بد من ذكر جعفر ماجد وعبد العزيز قاسم وجمال الدين حمدى ونور الدين صمود وزبيدة بشير ، فانهم جميعا عكسوا فى اشعارهم ، كل ما نعرف للرومنسية ، من معانى التحليق الشعرى ، والهتاف للمرأة فى صورها المتقلبة ، والشكوى من عنف الحياة ، وما يترصدها من مصير مجهول ، وبطبيعة الحال فانهم يختلفون فى اشياء كثيرة ، فاذا كان

عبد العزيز قاسم يميل الى التأمل الباطنى ، حتى يكسب شعره مسحة من الهدوء والعمق ، فان جمال الدين حمدى ، يتغلف بسوداوية قائمة ، لا يمل من ترديدها فى كل قصائده ، واذا كان هناك شاعر ، يعيش تجربته بكل ما فيها من تفجع وقسوة فهو جمال حمدى ، اما جعفر ماجد فهو اقلهم انينا ، واكثرهم ميلا ، الى اناقة اللفظ ، والسعى الجدى ، لتحقيق أوفر ما يمكن من جمال النغم ، بما يختار لقصائده ، من اوزان مناسبة خفيفة ، وقواف هادئة ، ويعتبر اقلهم انغلاقا على الذات ، اذ نجده مرات كثيرة ، يكتب فى موضوعات ، هى من صميم القضايا الاجتماعية والانسانية ، كقصيدة - نهر الميكونج - التى نشرها بمجلة " الفكر " (I) ، وسواها من القصائد ، ودل بذلك على عمق تجربته ، واستعدادها العظيم ، لان تستوعب ، مشكلات مجتمعه وعصره كذلك .

ولا ينبغى ان نغفل عن ألوان التجديد والتطور ، التى ادخلت على شكل القصيدة ، فقد تخلت عن القافية الواحدة ، وما تشيعه فى بعض الاحيان من ملال ورتابة ، وحل محلها تساوق بين قواف مختلفة ، تنتهى بها مقطعات الواحدة ، ونظم فى الاوزان القصيرة ، او مجزوءاتها او مشطوراتها ، لقدرتها على النقل - بطريقة افضل - احاسيس النفس الفياضة ، واستقبال صور الخيال البعيدة ، والتقاط ما توزع من انغام ، فى حنايا التجربة .

والصورة لا تكتمل - فى اعتقادى - الا بالالماع الى جماعة اخرى ، من شعرائنا الرومنسيين ، نشأوا فى فترة متقدمة ، ولكنهم قدموا اعمالا شعرية ، تستحق التنويه والاعجاب ، واثروا بدون شك ، فيما تلاهم من اجيال ، وهم محمود بورقيبة وعبد الرزاق كرباكه ومحمد المرزوقى وأحمد المختار الوزير وأحمد اللغمانى ، انهم خرجوا بالشعر - والشابى يتزعمهم - من التجارب الشكلية ، القائمة على ما تتيحه المناسبات المختلفة من فرص ، الى عالم النفس الرحيب ، وما يغمرها من صخب بالفكر والحياة والناس ، واستطاعوا ان يعبروا بصدق ، عن تمزقهم بين الواقع والمثال ، وان يصوروا ما يرقد فى اطواء مجتمعهم من تناقض ، وما يعوق حركته عن الانطلاق الى حيث ينبغى ان يكون .

شعر الطليعة :

غير ان سير الحركة الاجتماعية ، وتطور الواقع التونسى ، بما جد فيه من

مشكلات ، وما اعترضه من عديد الحالات ، التى تمليها مقتضيات الكفاح الوطنى والكفاح الاجتماعى ، والتقدم الفكرى بصفة خاصة ، ضاق بالرومنسية ، كتعبير عن نزوع الواقع إلى التحرر مما يكبله من قيود ، أو هو إن شئت الدقه ، لم يقبل بها فنا وحيدا ، يعبر عن معطيات جديدة ، تعجز امكانياته الفنية ، عن استيعاب آفاق وابعاد ، غائرة فى صميم الكيان الاجتماعى ، تقتضى بطبيعتها نمطا جديدا من التعبير ، واسلوبا مغايرا ، يستجيب لمرحلة التطور الراهنة ،

فظهر هذا الفن الشعرى الجديد ، الذى دعى بالحر ، وقد ظهر هذا الفن فى تونس اواخر الخمسينات ، اى بعد ظهوره فى العراق ، على يد السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتى ببضع سنوات قليلة ، وعرفت صحافتنا اليومية وقتها ، محاولات عديدة ، لبعض شبابنا الذين ادركوا ، ما ينبغى ان يدخل على اساليبنا الشعرية من تغيير ، وما ينبغى ان يدخل على الرؤية الفنية والشعرية نفسها من تعديل ، حتى تنسجم مع سمفونية الاصوات المطالبة بالاستقلال ، وبالعدالة الاجتماعية ، والقضاء على التخلف الحضارى ، واذكر من بينهم محمد العربى صمادح ، الذى اصدر مجموعة صغيرة بعنوان - افق- والشاذلى زوكار ، الذى نشر محاولات عديدة ، من بينها قصيدة بعنوان - لسنا العبيد - (I) نشرتها له مجلة الآداب البيروتية ، ومحمد العروسى المطوى ، الذى نشر العديد من القصائد الجديدة ، المعبرة عن ظروف الكفاح والبسالة الوطنية ، كقصيدة - عيد ابن السجين - التى قيلت فى ظروف جد خطيرة وحاسمة ، والمعبرة عما ينادى به الشعب من استرجاع لكرامته وارضه :

ارضى أنا

منها اتيت الى الوجود

وعلى ثراها ينعت زهرات اجداد الكرام

أفلا أقوم بردها ؟

أفلا أجدد مجدها

انى لها

مهما أدعاها الغاصبون

وتطاولت بهم السنون

والحق ان المطوى ، خطا بهذا الفن الجديد - وقتئذ - خطوات موفقة ، واستطاع بنماذجه الناجحة التى قدمها ، ان يقنع المترددين ، من الذين ادمنوا

قراءة الشعر العربى القديم ، بان الشعر الحر حتمية فنية ، اقتضتها طبيعة الشعر العربى نفسه ، الذى يحتاج لكى يساير ركب الحضارة الزاحف ، ان ينفتح على المحاولات الجادة ، وان يخضع لضروب من التعديل ، تقتضيها اذواق الناس المتطورة ، وما تلقته من ثقافة متنوعة ، فى الشعر الاوروبى وغير الاوروبى ، ان الذوق المعاصر بات لا يبتهج كثيرا بلون واحد ، يسيطر على القصيدة من اولها الى آخرها ، ولا يقبل ان تكون القصيدة ، مجموعة دوائر مقفلة ، لا يسلم بعضها الى بعض ، بل لا بد من ان تكون القصيدة وحدة واحدة ، وجسما حيا ، لا يحيا الا بما يؤديه سائر اعضائه من وظائف ايجابية ، ولا بد كذلك من ان يخضع الايقاع الموسيقى للقصيدة ، لما فى النفس الشاعرة ، من ايقاع باطنى ، ومن هنا اعتمدت التفعيلة الواحدة كأساس ، تبنى عليه القصيدة الجديدة .

ثم ان مهمة الشاعر نفسه تعدت ، فقد اصبح مطالبا ، بان يؤمن بشئ ، وان يرتبط بمذهب وقضية ، وان تكون تلك القضية اساس وحدة الجماهير ، وجماع مطالبها فى دنيا الواقع ، ولذلك رأينا الشاعر التونسى الطليعى ، ارتبط بالقضية الوطنية فيما قبل الاستقلال ، على نحو ما رأينا المطوى وزوكار والمرحوم الطيب الشريف ، وغيرهم ، وارتبط بقضية العدل الاجتماعى والكفاح فى سبيل الرفاهية ، فيما بعد الاستقلال ، على نحو ما رأينا الميدانى بن صالح ومحسن بن حميدة وجعفر ماجد ونور الدين صمود فى بعض اعمالهما الاخيرة ، وأحمد القديدى ، وجماعة من شباب الطليعة والتجديد ، امثال محمد المنصف الوهائبى والطيب الرياحى وعبد الله الكحلاوى وخالد التومى .

ان الشاعر الجديد بمفهومه الطليعى الحق ، تخلى عن مهمته السابقة فى رصد الاحداث ، وتجاوزها الى تبنى قضية الكادحين من اجل غد افضل :

انا ان مت وافنانى احتراقى

يا رفاقى

فاعلموا ان احتراقى

هو بدء لانعتاقى

وانطلاقى

لا كون

بسمة الفجر واشعاع النهار

وردة بيضاء فى ايدى الصغار

مزنة تروى القفار

تملا الاكواخ خبزا وبقولا وثمار

لأكون

ذلك النور الذى يهمى اذا غاب القمر

للمسيرات التى أتعبها طول السفر

فى متاهات الضجر (I)

ان الشعر التونسى ، دخل حلبة التجديد الحق ، ويستطيع ان يمضى فيه الى ابعد غاياته ، إذا هو أدرك جيدا ، معنى الابتكار والخلق الفنى ، ومعنى العمل الطليعى فى الفن ، كما ينبغى ان يفهم على خير وجوهه ، واذا هو أدرك ان الفن ظاهرة اجتماعية يخضع لما تخضع له سائر الظواهر الاجتماعية الاخرى ، من قوانين موجبة للتطور ، ومتصلة بصميم الارادة الانسانية الخيرة .

اشترك في نشرتنا البريدية