عرف الشعر التونسي الحديث عدة هزات وكان ولا يزال محور نقاش وتقييم على مستوى الشكل والمضمون حيث مر بمراحل مختلفة ظهر خلالها الشعراء التقليديون والشعراء المجددون منهم من تمسك بالبحور الخليلية ومنهم من دعا الى عدم التقيد بها وخلق اشكالا جديدة ولقد كثر الجدل فى هذا الصدد وتعالت الاصوات بعضها مندد والبعض الآخر مساند ومع ذلك لم تتحقق اية نتيجة نهائية تحدد الموقف
ان المطلع على أحوال تونس الثقافية والفكرية لا ينسى أنها البلاد التى كان لها بعد القرن الثاني للهجرة أعلام من علماء الاسلام أمثال الامام سحنون - وأسد بن الفرات - تدوى بأصواتهم أركان جامع القيروان وانها أغنت الثقافة العربية - على طول العصور بمثل مؤلفات ابن رشيق وابن شرف . وأبى القاسم الشابي وانها كان لها طوال قرون أحد معاقل العلم الاسلامي الثلاثة الكبرى الا وهي جامع الزيتونة بتونس ، والازهر بالقاهرة ، والقرويين بفاس ، ثم انها فوق ذلك كله أنجبت للعالم بأسره أحد عمالقة الفكر الانسانى : ابن خلدون .
فالمطلع أيضا على كتاب الشعر التونسي المعاصر " للاخ محمد الصالح الجابرى الصادر عن الشركة التونسية للتوزيع يتناول بالدرس قضية أساسية من قضايا أدبنا المعاصر هي " الشعر التونسي خلال قرن " أى من سنة 1870 - الى سنة 1970 ولئن كان ادبنا المعاصر ككل محتاجا شديد الاحتياج إلى الدراسات النقدية العميقة المختصة فان شعرنا على الاخص احوج الى مثل هذه الدراسات لان الشعر كما يقول الاخ محمد الصالح الجابرى فى
كتابه الشعر التونسي المعاصر " كان وسيظل الشعر الاول من اسفار ! التراث الادبي لهذه الامة العربية من مغربها حتى مشرقها .
ثم يأتى كتابه الثاني " ديوان الشعر التونسى الحديث " تراجم ومختارات الذي صدر عن نفس الشركة بامكانه الوقوف على نماذج من الانماط الشعرية وهي مختارات يدعم بها المؤلف كتابه الاول " الشعر التوسي المعاصرخلال قرن - 1870 - / 1970 ويقول فى مقدمته التى جاءت تحت عنوان من الشعر أول المعرفة وآخرها " والتي تحدث فيها عن النماذج الشعرية المضمنة للكتاب " وهي مختارات تمسح واقع تجربة من الابداع والعمل الشعري تمتد الى اكثر من قرن من الزمان سوف تختلف بالطبع الأذواق والميول فى اصطفاء النماذج الجيدة فيه ، نظرا للفوارق البينه بين الاجيال الثلاثة التى عاشت تعاقب هذا القرن وتنوعت ثقافتها ومكوناتها " لكن في هذا كله فان الشابي ، والبشروش ، والحليوى ، ومحمود بيرم التونسي وغيره من الاعلام الذين ما زال انتاجهم مجهولا او يكاد يتطلب من نقاديا العناية والبذل مع الرجوع لجمع التراث الشعرى المشتت بين عشرات الصحف والمجلات والدواوين فنمهد به الطريق لدارسي المستقبل بالتعريف للخطوط العريضه والاساسيه لشعرنا التونسي المعاصر مع تسليط بعض الاضواء الجديده على الانتاج المختلف الاتجاهات
كما عرف الشعر التونسي حالة تصدع كادت تذهب بأهم مقوماته إذ غلب على الشعراء القدامى حب النجومية والكوكبية رافضين كل التجارب الجديدة غالقين الباب أمام المواهب .
أما الشعراء الجدد فانهم امام رفض القدامى لانتاجهم والحوار معهم شمروا عن سواعدهم وأخذوا يعملون بحثا عن مقومات شخصيتهم ، وبما ان الجهود في دية لانعدام الارضية الواحدة التى هى المنطلق لكل التجارب ، فقد جاء أغلبها فاشلا . ونتج عن ذلك انعدام ملامح الابداع الفنى فى الحركة الشعرية .
ومهما صلف القدمي ، فالجدد رغم تشتتهم أوجدوا عدة ملامح فنية لا نشبه من سبقهم نتيجة رفضهم للآخرين ، واثبتوا انهم لا يشبهون فى شئ من تكبروا عليهم وبذلك حدثت القطيعة كنتيجة معقولة ومنتظرة - وهدا ما تعرض اليه الاخ محمد مصمولى بمقال نقدى نشر بمجلة الهلال صفحه معارك ادبية
حيث يقول فيه : " اننى قد لا اسمى ما كتبه الشاعر نزار قبانى (قصيدة نثر) وانما شعر منثورا " على أساس أن الشعر المنثور تمهيد " لقصيدة النثر وعلى أساس ان هذه الاخيرة تمهيد لما يسمى " بالكتابه " الرافضه للشعر وللنثر معا ، والتي هي ( كتابة - فن ) وتفجير دائم للقوالب الجاهزة وللابنية الموروثة وللهياكل الخارجية التى تعكسها الهياكل الموروثه والابنية الجاهزة فى الفن " ( 1 ) رغم المصاعب التى تعترض الحركه التشابه فى الشعر ، فقد علت - من حين لآخر - أصوات وان كانت متقطعة فهى تنبئ باستمرارية نضالها وبحثها الفعلى عن شخصيتها المرجوة ، وظل النقد الموضوعي فى إجازة طويلة لا يستطيع الكشف عن مكنونات ومخبات مضامينها الشعرية وكان هو وحده الكفيل بذلك . نرجو المزيد من المتابعة والعناية من طرف النقاد والدارسين

