الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الشعر التونسي بين القديم والحديث، أو، الشعر كما يراه الشعراء الافريقيون التونسيون، القدامى وكما يتصوره الشعراء المحدثون من، التونسيين فى مستهل العصر الحديث

Share

الشعر تجليات روحانية وجدانية تعبر عن نوازع نفسية متنوعة يفيض من آفاق الملهمين صوبه فيتدفق من الروح تدفق السيل الظامى الغامر فى توقيع رنان وانسجام فتان وفيض العارض الهتان فلا يكاد يقلع مزنه حتى يتلوه عارض فعارض بلا انقطاع ، وانى لصوب العقول النيرة والافكار الشعاعة المتالقة الجياشة الزاخرة ان ينقطع كلا بل إذا انبرت منه سحائب أعقبت بسحاب .

تخيل الانسان هذا الشعر قديماً وشداً به طربا وترنم به مغردا وحلق به فى آفاق الخيال ثملا فافتخر ببطولته واشاد بمكارمه وما أن سما شعوره واتسع نطاقه حتى شعر لغيره فعرف له الناس حقه قديماً عندما شعر لاجلهم فاحتفوا به واقبلوا عليه ومنحوه عطفهم وتباروا فى اكرامه واقاموا الولائم والافراح لنبوغ الشعراء حماة القبيلة وألسنة الدفاع عنها ، انبثق هذا منذ الوف السنين فى افاق الحياة العربية الصميمة السباقة الى المكارم ، ولدينا اكبر وثيقة تونسية تثبت لنا هذا فى وضوح ، قال ابن رشيق فى كتاب العمدة :

كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهناتها وصنعت الاطعمة واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون فى الاعراس ويتباشر الرجال والولدان لانه حماية لاعراضهم وذب عن احسابهم وتخليد لمائرهم وإشادة بذكرهم الخ . .

وجدير بشاعر أمة هذا شعورها نحو الشعر والشعراء ان يسمو بشعره وان يتوقل أعلى القنن فى الحياة الاجتماعية وان يكون لبيانه ولدفاعه عن قومه اعمق الاثر فى الاذهان . ولغضبته خطرها ووزنها فى الحياة سواء كان ذلك فى العصر الجاهلى أو فى شرخ الحياة الاسلامية الأولى وريعان الديمقراطية الاسلامية عندما كان الشاعر يدخل على الخليفة معاوية بن ابي سفيان ويقول له فى جرأة واقدام :

معاوى اننا بشر فاسجح

                فلسنا بالجبال ولا الحديد

فهبنا أمة ذهبت ضياعا

                يزيد أميرها وأبو يزيد

أكلتم أرضنا فجردتموها

                 فهل من قائم أو من حصيد

أتطمع في الخلود اذا هلكنا

                   وليس لنا ولا لك من خلود

ذروا خون الخلافة واستقيموا

                     وتأمير الاراذل والعبيد

وأعطونا السوية لا تزركم

                      جنود مردفات بالجنود

ويرفع الشاعر الاخر عقيرته قائلا :

فان تنصفونا يا آل مروان نقترب

                     اليكم والا فاذنوا ببعاد

فان لنا عنكم مزاحا ونزحة

                    الى ريح الفلاة صوادى

ويقول معاوية للشاعر الاول ما جراك على فيجيبه بكل صراحة : نصحتك اذ غشوك وصدقتك اذ كذبوك فقال له ما اظنك الا صادقا ولهذا نظائر كثيرة فى تاريخ الادب العربى لا حصر لها يضيق المجال عن ايرادها .

كان الشاعر العربى القديم يقدر هذه الموهبة البيانية وهذا التجلى الروحانى حق قدره فيحتقر المادة من اجله ويانف ان يعيش متكسبا بالشعر وان يذلل شعوره او يسخر شعره للحطام وسعى ان يكون ملاكا لسحر البيان يغرد به فوق قنن الحرية لا يغره الطمع ولا يغريه الجشع ولا يحول وجهته النهم اختار فى اول الامر ان يكون مدافعا عن قبيلته وحاميا لشعبه وحاديا لقومه الى المعالي ، وقد اسرف بعض الهواة فعاشوا للعاطفة وشعروا لها كعمر بن ابي ربيعة المخزومي وكالعباس بن الاحنف الذى شعر للعاطفة حتى اضطر الخلفاء العباسيين الى صلته على روعة البيان والتفنن فى الغزل والرقة فى التشبيب بالنساء ولطف المقاصد فى الشعر فاجازوه تشجيعا لهوابته ولم يكلفوه مدحا ولا ذما .

ووصل الشعر العربى الى بلادنا افريقية التونسية فبهر الاذكياء وترنح له الفهماء فى العصرين عصر الولاة وعصر الاغالبة فتنافسوا فى تقليد ناقليه من العرب واتجهوا بشعورهم نحو شعراء العرب فحاكوا المقطوع والقصيد على اساليب العرب ومعانيهم وقلدوهم فى سائر فنون الشعر طيلة العصر الاغلبى الى ان حل العصر الصنهاجى وتضخم الانتاج الشعرى ببلادنا وزخر الادب فجادت تربة هذه البلاد بالنقاد الذين وقفوا في وجوه المقلدين ودعوا الشاعر الافريقى التونسى ان يستمد وحيه الشعرى من اعماق روح متأثرة بما حولها من مظاهر ومناظر فى هذه البيئة . وفي طليعة أولئك النقاد الشاعر المجيد عبد الكريم بن ابراهيم النهشلي الذي قال : مقالته المعروفة وفحواها قد تختلف المقامات واللازمنة والبلاد فيحسن فى وقت ما لا يحسن فى آخر ويستحسن عند اهل بلد ما لا يستحسن عند اهل غيره قال : ونجد

الشعراء الحذاق تقابل كل زمان بما استجيد فيه وكثر استعماله عند اهله بعد الا تخرج من حسن الاستواء وحد الاعتدال وجودة الصنعة الخ . .

كان لهذا الراى الاصيل الحصيف والتوجيه السديد الحكيم اثره فى نفوس الشعراء فشعروا لانفسهم ولغيرهم فى نطاق البيئة بسائر ضروب الشعر التقليدية من مديح وهجاء ورثاء ونسيب وفخر وتلقوا شعرهم من شعورهم بانفسهم ومن محيطهم وبذلك اصبح للشعر فى العصر الصنهاجى مكانته وشخصيته وتفرق الشعراء بهذه البلاد فالهواة شعروا للعاطفة والحكمة وانفوا من استخدام الشعر للاكتساب وفى طليعتهم ابو الحسن على بن ابي الرجال الشيبانى كاتب المعز بن باديس وهو القائل:

وجدت طريق اليأس أسهل مسلكا

                   وإحرى بنجح من طريق المطامع

فلست بمطر ما حبيت أخاندى

                  ولا أنا فى عرض البخيل بواقع

وشعر آخرون للمديح فنالوا بالشعر اسمى الميزات واعلى الدرجات قال القفطي : عن الحسن بن رشيق ما نصه ولما تحقق ابن باديس مكانته من الادب ومحله من قول الشعر قربه فامتدحه بقصيدة صار بها فى جملته ونسب لاجلها الى خدمته ولزم ديوانه واخذ الصلة منه وحمل على مركب يميز به الخ . . . هذا ويمكن لنا فى اطمئنان وسهولة ان نرى راي شعرائنا القدامى فى الشعر بتونس من خلال المقطوع الاتى الذى تركه لنا شاعرنا ابن رشيق الذي اشرنا اليه آنفا قال ابن رشيق :

الشعر شئ حسن

           ليس به من حرج

أقل ما فيه ذها

           ب الهم عن نفس الشجى

يحكم فى لطافة

         حل عقود الحجج

كم نظرة حسنها

            فى وجه عذر سمج

وحرقة بردها

          عن قلب صب منضج

ورحمة أوقعها

         فى قلب قاس حرج

وحاجة يسرها

          عند غزال غنج

وشاعر مطرح

           مغلق باب الفرج

قربه لسانه

          من ملك متوج

فعلموا أولادكم

           عقار طب المهج

ومعنى هذا ان الشعر فى نظر شعرائنا القدامى مسلاة رائعة يرفه عن نفس الشجى ويزيل اكدارها على الاقل - وفى آن واحد قوة سحرية غامرة وطاقة بيانية قادرة على حل العقد بروعتها وطلاوتها على حد قولهم :

فى زخرف القول تزيين لباطله

                      والحق قد يعتريه سوء تعيير

تقول هذا مجاج النحل تمدحه

                       وأن ذممت تقل قئ الزنابير

مدحا وذما وما جاوزت وصفهما

                     حسن البيان يرى الظلماء كالنور

فالشاعر حسب هذ البيان لعوب ساحر وخداع ماكر ومقتدر بارع عبوث بالحقائق كما شاء له هواه مستأسد بشعره هذا علاوة عن ان للشعر اشعة خارقة تفتح قلاع القلوب وتستنزل الرحمة من قساة القلوب وغلاظ الاكباد  وتقود العصى وتروض الجموح الشموس وبالتالى فهو رأس مال المقاييس عندهم يمكن الشاعر الصعلوك من عطف الملوك وهذه الاهداف كافية فى نظرهم للاقبال عليه وترويض الشباب على صوغه وحياكته وبهذه النظرة الخاطئة فقد الشعر الكثير من خصائصه الروحية والاجتماعية التى رفعت  مكانة الشاعر فى المجتمع العربى القديم وصيرت الناس يعطفون عليه ويفخرون به بل فقد الشعر حماسه ، واصبح رقية يرقى بها الملوك وتمسح به اعطافهم ولا حرج على الشاعر فى ذلك ما دام الناس قد اصبحوا ينظرون الى شعره نظرة ابن رشيق الذي يقول عن الشاعر فى عصره انما هو طالب فضل فلم يضيع رأس ماله لا سيما وانما هو رأسه الخ . .

ولم يفت ابن رشيق صاحب هذا الراى الاطوار التى مر بها الشعر والادوار التى مثلها الشعراء فقد قال نقلا عن الاقدمين ما يلى وقالوا كان الشاعر فى مبتدا الامر أرفع منزلة من الخطيب لحاجتهم الى الشعر فى تخليد المآثر وشدة العارضة وحماية العشيرة وتهيبهم عند شاعر غيرهم من القبائل فلا يقدم عليهم خوفا من شاعرهم على نفسه وقبيلته فلما تكسبوا به وجعلوه طعمة وتولوا به الاعراض وتناولوها صارت الخطابة فوقه وعلى هذا المنهاج كانوا حتى فشت فيهم الضراعة وتطعموا اموال الناس وجشعوا فخشعوا واطمأنت بهم دار الذلة الا من وقر نفسه وقارها وعرف لها مقدارها حتى قبض نقى العرض مصون الوجه ما لم يكن به اضطرار تحل به الميتة فاما من وجد البلغة والكفاف فلا وجه لسؤاله بالشعر.

وهذا فى الواقع يناقض راى ابن رشيق المشار اليه آنفاً بل لا يتفق معه فى قليل ولا كثير لكن ينبغي لنا الا ننسى ابدا ان رأى ابن رشيق المتقدم ما هو الا تعبير صادق عن واقع حياة وترجمة صحيحة عن حقيقة ثابتة ذلكم هو واقع الملوكية الصنهاجية التى كان يخضع لها الشعر ويواكبها فحسب ؟ وانى لطالب الفضل ان يكون خادما للحياة البشرية او حاديا للمجتمعات الانسانية كلا ولا يمكن لنا بحال ان نعتقد ان الشعر آنذاك له نجاعة في الحياة وان زعم الشاعر ذلك هو مجنون ، او بمثل مديحه للمعز بن باديس بقوله :

يا ابن الاعزة من أكابر حمير

                  وسلالة الاملاك من قحطان

من كل أبلج آمر بلسانه

                  يضع السيوف مواضع التيجان

بخدم هدفا شريفا او منهجا من مناهج الحياة منيفا كلا والله نعم استطاع لشعراء فى اثناء العصر الصنهاجى وفى آخره ان يخطوا الاسلوب العقيم فوصفوا ما وقع نظرهم عليه من حيوانات وبناءات وسجلوا الاحداث الجسام التى وقعت اثناء العهد الصنهاجى وبكوا القيروان عند نكبتها بالاعراب وتألموا للمهدية عند مصابها بالنرمان واسفوا لسوسة عندما عبث بها الخوارج فى ثورة صاحب الحمار واستغاثوا لصقلية ورثوها عندما اطرد النرمان المسلمين منها ، والمجال يضيق عن ايراد اشعارهم فى هذا الصدد ، ودخلت افريقية التونسية اثر انقضاء العهد الصنهاجى فى النصف الثاني من القرن السادس الهجرى فى فوضى ثورة ابن غانية اضطربت البلاد طويلا وخفت صوت الشعر فيها الى ان رسخت دعائم الحكم الحفصى او الموحدى بتونس فانبعث الشعر من جديد لكن فى غير تجديد لا فى المعاني ولا الاساليب وغاية ما حدث فى الطور الاول من حياة الدولة الحفصية بتونس انتشار الشعر الاندلسي الذي وصل الى تونس يحمل الالام والاحزان والنكبات قد غادره المرح . وفارقته النكتة وكأننا نصغى الى ابن الابار وهو واقف امام أبى زكرياء يحيى الحفصى بتونس يستصرخه ويستغيث به ويقول له فى حرقة والم وبكاء وعويل :

أدرك بخيلك خيل الله أندلسا

                      إن السبيل الى منحاتها درسا

وهب لنا من عزيز النصر ما التمست

                     فلم يزل عز النصر منك ملتمسا

اروع قصيدة اطال اندلسي انشادها وابرز فيها اللواعج واشادها ونصغي لغيره وغيره وكلهم يشعرون على ذلك المنوال وقد استغل الحفصيون الشعر والشعراء لفائدتهم الشخصية لا لانجازاتهم الدولية التى كانت ضئيلة بالنسبة لغيرهم وانشأ حازم القرطاجني وما أدراك ما حازم ابرز شعراء الاندلس المتوفى بتونس سنة 684 ه . مقصورته الطويلة المشهورة لمدح محمد المستنصر بالله الحفصى ابن ابى زكرياء يحيى ارتكز فيها على بكاء الاندلس ووصف مصابها الفادح واكثر فيها من الاستغاثة بالمستنصر في فك الحصار عن البقية الباقية منها فكانت صيحة فى واد لان الحالة لا تقتضى ذلك وان اعان والده ابو زكرياء الاندلسيين اعانة مادية لم تفدهم ومما جاء فى المقصورة عن الاندلس :

أضحت لسان الحال تملى شجوها

                      فى كل حفل وعلى كل ملا

فقد بكت انهارها بمدمع

                  هام من الوجد لهام ما ارتوى

فالنهر الابيض يبكى شجوه

                   بكل دمع مستفيض ما رقي

وقد بكى النهر الكبير صفوه

                اذ لم يطق يروى صدى هام زقا

ولو سما خليفة الله لها

                لافتكها بالسيف منهم وافتدى

ففي ضمان سعده من فتحها

                     دين باطراف العوالى يقتضى

فقد أشادت السن الحال به

                     حي على استفتاحها حي على

وما الى ذلك من الشعراء التونسيين والوافدين . ذلكم هو الشعر الاندلسي الذى غمر تونس فى الطور الاول من حياة الدولة الحفصية اى فى النصف الاول من القرن السابع الهجرى مجموعة بكاء وانين واحزان وحنين واستغاثة واستنجاد وتفنن فى وصف البلاء الذي حل بتكلم البلاد واقض مضاجع بقايا المسلمين ورمى اخيرا بالاندلسيين فى اتون الهموم والانكاد والتشرد في كل البلاد فكان تاثير ذلك الشعر الاندلسي محدودا وان حمل الينا شعراء الاندلس ما احدثوه من الموشحات المعروفة وما ابتكروه فيها من اوزان جديدة الا انهم لم يخرجوا به فى معانيه عن النسبح فكان تجديدا فى القالب لا فى الروح والهدف وقلدهم شعراؤنا بتونس ولكن التقليد لن يخلق العبقرية ابدا فوقفوا به حيث انتهى غيرهم ولم يشتهر بيننا موشح كاشتهار الوشاحين الاندلسيين المجددين للقوالب وعالج ابن خلدون التونسى قضية الشعر فى مقدمته ونظم هو الشعر بدوره فلم يأت فى ذلك بجديد الا المبالغة فى التقليد وطوت الايام كعادتها العصر الحفصى على طوله وبما حوى من خير وشر واتت الاحداث الفادحة تترى والعمر للافراد وللمجتمعات البشرية يرسب فى اواخره القذى فاصبحت تونس مرة اخرى مسرح حروب ومجال فتن وبؤرة اضطراب بهجومات الاسبان ومقاومة الاتراك وغادرها بقايا شعرائها وعلى بعد الوف الاميال يقف الشاعر التونسي ابو الفتح بن عبد السلام نزيل الشام كئيبا حزينا آسفا يقول قصيدته النونية فى طول واسهاب يبكى بها تونس بلغة الشعر المعتادة مطلعها :

سلو البارق النجدى عن سحب أجفانى

                      وعما بقلبى من لواعج نيران

ولا تسألوا غير الصبا عن صبابتى

                      وشدة أشواقى اليكم وأشجاني

واسترسل فى لهفة وارتماض يشيد بتونس وماضيها المجيد ويندب مصيرها انذاك . وبعد الاضطراب الطويل والكفاح المرير تغلب الاتراك على مقاومة الاسبان فى اواخر القرن العاشر للهجرة وبتغلبهم واستقرارهم اضمحل الشعر العربى وتلبد الشعور وقديما قال ابن الدهان : .

أأمدح الترك أبغي الفضل عندهم

                   والشعر ما زال عند الترك متروكا

وقد حاول صلاح الدين الايوبى عند سماع هذا البيت أن ينفى التهمة عن الترك فامر باجازة الشاعر وصلته لئلا يعود الى هذا الاعتقاد الحق وقال للشاعر اعطيتك حتى لا تقول انه متروك وقبل ابن الدهان قال أبو تمام لاحمد ابن أبي دؤاد :

اذا أنت ضيعت القريض وأهله

                    فلا عجب أن ضيعته الاعاجم

وما كل وال تركى كصلاح الدين الايوبى فالاتراك الاولون الذين نزلوا ببلادنا حاولوا لاول مرة تتريك لساننا فضلا عن ان يشجعوا شعراءنا او بفهموا ما يقولون واستمرت ايام الترك حقبة من الزمن نشأت اثناءها دويلات كالدوله المرادية والدولة الحسينية واخلد فى اثناء هذا الحكم البغيض اصحاب المواهب الى السكون وربما وجهوا مدحهم الى الاقطاب والاغواث والدراويش فى لغه سخيفة مهلهله وشعور ساذج لا يؤبه له اصبح به الشعر العربى التونسى ببلادنا اثرا بعد عين من ذلك لبعض الشعراء يمدح سيدي على عزوز فى لغة " ددروشه " فوعة للدراويش لم يبق فيها من اثر للعربية وروعتها الاطللا دارساً أو معنى فالساً أو رسماً بالياً هامساً :

مع في رضاء النفس لا تبخل بها

                      والاهل والاولاد والأوطانا

الله أكبر فاض نور أبي الحسن

                      فغشى القلوب فزادها هيمانا

دم راقيا فلك الهنا ولك المنا

                      يا ساكنا علم الهدى زغوانا

وها هو شاعر تونسي آخر يستغيث باحمد التيجانى ويبث اليه شكواه من الوزير مصطفى خزنه دار ويقول مخاطبا لذلك القطب على حد تعبيرهم :

إنا اليك نبث ما قد نالنا

                    من مكر ذى شر شديد البأس

درب على فعل الفتائح قائم

                   بالجور ناء عن مدى القسطاس

نشبت مخاطب كبده فى قطرنا

                   وبدت مضرته على اجناس

ومراده والله يمحو رسمه

                   الحاقه بالاربع الادراس

وظل الشعر راكدا ببلادنا هكذا كغيره من المعنويات العربية الاسلامية التى تراكمت عليها الانقاض والادران الى أن انبلج صبح المدنية الانسانية الزاحفة وهددنا خطرها وغمرنا فيما بعد فالتجأ الرعيل الاول من اسلافنا في مستهل العصر الحديث الى المبادرة بالتخلص من هذا الركود : وانبثقت فكرة المناداة بالاصلاح التى كان هدفها الوحيد التجديد وخدمة الجانب الاجتماعى الذى أهمله الناس قبلنا وظهر أثره واضحا فى الحياة وتقدمت به أمم وفتحت به في آفاق الكون فتوحات كان لها أبعد الاثر فى البعث والتجديد وشملت الدعوة الاصلاحية كل شئ فى وجودنا من شأنه أن يعين على الانقاذ والتقدم و يبث الحياة من جديد بأسلوبها الحديث خصوصا الانسان المتخلف عن القافلة النائم فى ميدان الجلاد والجهاد وشمل الاصلاح فيما شمل الشعر فتجدد فى القرن العشرين فى روحه واهدافه وان تعثر فى صيغه الجديدة واضطرب جانب منه ولم يستقر الا ان الكثير منه تحول بلا ريب الى خدمة الشعب والمثل العليا وتفوق على الشعر القديم فى التوعية والدفاع والحماية والأغراء بكل ما من شأنه أن يعين على الانقاذ والتقدم وواكب قافلة المصلحين وحدا لها وجابه المستعمر الغشوم أعظم مجابهة وأرانى لا أنسى صرخة الشابي في وجه المستعمر اذ يقول منذرا وحانقا وثائرا :

الا أيها الظالم المستبد

               حبيب الفناء عدو الحياه

سخرت بأنات شعب ضعيف

                   وكفك مخضوبة من دماه

وعشت تدنس سحر الوجود

                  وتبذر شوك الاسى فى رباه

الى اخر المقطوع الذي كان الشاعر يتقد عند القائه غضبا ويكاد يتميز غيضا وحردا ومتحمسا فى جرأة أشد بكثير من جرأة وشعر شاعر معاوية بن أبي سفيان وغيره ولم يقف شاعرنا عند هذا الحد بل تجاوزه الى الاهاية بالشعب والهاب حماسه قائلاً له :

خلقت طليقا كطيف النسيم

                   وحرا كنور الضحى فى سماه

تغرد أنى اندفعت وتشدو بما شاء وحي الاله

فمالك ترضى بذل القيود

                      وتحنى لمن كبلوك الجباه

وتقنع بالعيش بين الكهوف

                    فأين النشيد وأين الاباه

ألا انهض وسر فى سبيل الحياة

                       فمن نام لم تنتظره الحياة

ذلكم هو المفهوم الجديد الصحيح للشعر العربى الذى حث عليه سعيد أبو بكر فى قوله :

دعونا من الاطناب في وصف غادة

                دعونا من الاطناب في وصف سيد

وكيف بدت سلمي وكيف تكللت

                  بكف خضيب أو بحلى وعسجد

وهذى تفوق الغصن قدا وقامة

                      وهذا شقيق للسها والفراقد

خذوا تلكم الاقلام حطوا رحالكم

                       لديها وقوموا للهناء المخلد

وصيحوا بأقوام حيارى وقوموا

                  فسادا ومدوا للبلاد بساعد

حرام عليكم ان تعيشوا بظلها

                 ولا تسمعوها وهي مغلولة اليد

الى نهضة بالشعب قبل مماته

               الى قطع أسباب الهلاك المهدد

الى بث روح الالتحام لعلنا

                  بها في هناء النفس والعيش نغتدى

ذلكم هو الشعر الذي عناه وتخيل الشاذلى خزنه دار وعبر عنه بقوله :

وما الاشعار إن جاشت بصدرى

                      سوى قضب مسددة حداد

أذود بها عن الوطن المفدى

                       وأحمى تونس الخضرا بلادى

وتخيله وفهمه شعراؤنا الآخرون المحدثون الذين لم نات على ذكراهم وعلى دراسة اثارهم لان ذلك يحتاج الى دراسة اخرى شاملة على حده تلقي في هذا المهرجان الشعرى فى دورة اخرى فى هذا الحفل الذى يعتبر بدوره من اروع ضروب العناية والتجديد بالنسبة لطارفنا وتالدنا الميد ولئن كان الشعراء قبلا لا يعنون الا بالممدوحين ففي هذه الاحتفالات المبتكرة روحا القديمة

مظهرا نشد ازر الحياة الشعرية الجديدة منوهين بالشاعر ما اتخذ الاشتراكية مذهبا وخدم الاوطان . وبالقيروان منبع الادب الاصيل وناشرة لسان العرب الجميل وحافظة الامجاد طول الاماد سنرى الشاعر المجدد المواكب الحادى للحياة الشعبية يتبوأ مكانته الممتازة فى مجتمع يشعر بقيمة من يشعر له فى اكبار وتشجيع وانعطاف واعتراف وما هذا المهرجان وما هذه الاشعة المتألقة فى هذا النادى الا قبس وضاء وقاد بعثت به روح اشتراكية صادقة رفع اعلامها واشاد بنيانها رافع راية الجهاد بهذه البلاد المجاهد الاكبر الذى تفوق بعبقريته الفذة على الرؤساء المتقدمين فى العناية بالشعر والشعراء الذين كانوا ولا زالوا حدة الرعيل الى المعالي ونافثوا الشعور امسامى بشعرهم فنفث الرئيس الجليل فى شعورهم من روحه فيغردون ويضرب لهم الامثال فيهتدون ويهتدون فرجال الدولة الناس على ذلك المنوال الحريصون على احياء تراث الاجيال فى عناية وتجديد وابتكار لا سيما وزير الثقافة والاخبار ونائبه فى هذا المهرجان النابغ الضليع رافع راية الفكر ومفخرة الجيل المثقف فى هذا العصر الاستاذ سيدى محمد مزالي مدير الاذاعة والتلفزة فوالى هذا المكان وزهرة القيروان الذى أعاد للقيروان شبابها وانعش زهرتها التى تفتحت فى روض ولايته فاصبحت وارثة لاشبيلية الاندلسية مدينة الشعر بالاندلس الاخ الكريم الاستاذ سيدى المنجى الفقيه فالاخ الكريم الحازم المكد فى تواضع والعامل فى صمت الكاتب العام للجنة التنسيق الحزبي بالقيروان صالح القابسي المجاهد في سبيل الثقافة والوطن فى تضحية نادرة واخلاص والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً والعود أحمد والايام ضامنة عقبى النجاح وتأييد الله منتظر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اشترك في نشرتنا البريدية