كان الشعر وما يزال ، الاداة الفنية الاولى ، التى يلجأ اليها الاديب التونسى ، ليعبر بها عن همومه واشواقه النفسية ، وليشرح بها ما يضطرب فى بيئته ومجتمعه ، من شائك الملابسات والقضايا ، وما يمتلىء به من عديد القيم الفكرية وغير الفكرية ، التى تثيرها ظروف عالم ، لا ينى عن التغير والتقلب ، والذى تسوده حضارة قاهرة ، تحفل بالصراع ، وتخضع فيه لفنون القوة المعلنة والخفية ، وقد تداس من اجل ذلك ، قيم انسانية ، كانت على مدى التاريخ حلم الاجيال والشعوب ، ذلك لان الشعر يملك من ادوات التاثير ، ما يستطيع به ان ينفذ الى قلب الانسان فى يسر ، وان يحمله على الاستجابة الى دواعى الخير والصدق والمحبة ، وكل الاهداف الممتازة ، التى يسمو اليها كل شعر قوى ، يتوفر على مقومات الفن الحقيقية ، وعناصر البقاء والخلود فيه ، وايضا لما يسند ذلك الشعر عن تراث ضخم ، يمتد عبر التاريخ قرونا وقرونا ، ولما اكتسبته الجماهير القارئة من عادة التذوق ، وما تجده فيه ، من براعة القدرة على التعبير عن احوالها الخاصة فى الفكر والشعور ، واحوالها العامة ، فى الاجتماع وملابسة الحياة ، وستمضى مدة - تطول او تقصر - قبل ان تزحم الشعر فنون اخرى ، اصطلح عليها بالفنون الموضوعية ، من مثل القصةوالمسرحية وما اليها ، وتحتل مكانته فى قلوبنا ، التى ظلت تخفق منتشية بلحون قيثارته العجيبة وهى تنفث الالهام والسحر .
وليس من السهل على الباحث المنصف ان ينكر اهمية الشعر التونسى ، فى حياتنا الادبية ، ومواكبته لكثير من القضايا الاجتماعية والسياسيةوالفكرية التى تمخض عنها وجودنا الاجتماعى ، منذ ان اخذت حركة النهضة الحديثة ، فى بداية هذا القرن ، تلم باوجه الحياة التونسية القديمة ، وتتغلغل فى انسجة المجتمع ، وتعمل على ان تغير من صورته العامة والخاصة ، وما يكمن تحتها ، من زائف التصورات وسلبى القيم ، حتى تستطيع ابنيته ان تتلاءم ، مع الوضع الجديد لحضارة العصر ، وما جاءت به من فتوحات عظمى ، فى الفكر والعلم والثقافة ، وفى المادة وادوات القوة والغلبة ، وسائر مقومات المدنية الحديثة
الاخرى . ومن هنا احس الاولون من الشعراء التونسيين ، بان عليهم مهمة ثقيلة ، يجب ان ينهضوا بها ، تتمثل فى اخراج الشعر من الوهددة التى تردى فيها قرونا طويلة ، وهو مكبل باصباغ التكلف والسطحية ، وما تدعو اليه بعامة ، فنون البديع ، كالتشطير والتخميس والجناس والطباق وسواها من القشور والطلاء ، وسهل لهم من مهمتهم تلك ، ان وجدوا فى الشعر العربى القديم ، نماذج رائعة ، تتوفر على كل خصائص الفن الجميل ، من صحة فى المعنى ، وصدق فى العاطفة ، ودقة فى الصورة ، وبراعة فى الصياغة اللفظية ؛ وجمال فى النغم والايقاع ، عند كثير من شعراء الجاهلية ، وفى شعر اعلام العصر العباسى ،، عند الحسن بن هانى والبحترى وابى تمام والمتنبى والشريف الرضى وابى العلاء المعرى ، وغيرهم من شعراء تلك الفترة ، الزاهية العظيمة ، التى حققتها الحضارة العربية .
واستطاعوا بتمثلهم الجيد لتلك النماذج ، واحتذائهم الدقيق لها،واستعارتهم لكثير من خصائصها الجمالية والمعنوية ، ان يتوفقوا الى الوان مختلفة من النجاح بحسب ما كانوا عليه ، من تباين فى الاستعداد والقدرة ، والتكوين والثقافة . والرجوع الى الينابيع الصافية لحضارتنا الادبية ، لم يختص به شعراء تونس وحدهم ، وانما كان ظاهرة ، من ظواهر النهضة الشاملة ، التى اهتز لها الكيان العربى ، على امتداد الرقعة العربية ، مشرقا ومغربا ، عند اصطدامه بالروح الغربى للحضارة الاوروبية ، بكل ما يملك من خصائص القوة العلمية الحديثة ، واسرار القوة الآلية العجيبة ، التى استطاعت ان تفزع النفوس الهاجعة ، بسلب الثقة منها ، وان تحمل اصحابها على التفكير الجدى بان واقعهم فى الحضارة ، وما يطمئنون اليه من قيم ، بات غير قادر على مجابهة تحديات العصر وعلى ان يثبت ولو للحظة واحدة ، امام هذا الغزو الشامل فى الفكر والحياة معا ، ومن اجل ذلك رأوا ان السبيل الاقوم للنهضة بالمجتمع ، والخروج به من نكبة السقوط والانحدار ، انما يكمن فى استلهام روح القوة فى الحضارة العربية الاسلامية ، كما عرفتها فتراتها الذهبية ، وان يجعلوا ذلك اساسا لمنطلق من النهضة جديد ، وقاعدة صلبه ، ينصرفون منها الى معالجة اوضاعهم الطارئة ، المتفجرة بالخطر ، وان يتخذ المبدعون منهم ذلك فلسفة ، يصدرون عنها فيما ينتجون من فن وشعر ، ونتيجة لكل ذلك ظهر الاحيائيون من الشعراء فى كل البلاد العربية ، تقريبا تقريبا فى فترة واحدة او متقاربة .
التيار الاحيائى
فعرفت تونس محمود قبادو ، ومصر محمود سامى الباودى ، والعراق
معروف الرصافى وجميل صدقى الزهاوى ، وغير ذلك من الاسماء التى تظهر هنا وهناك من الارض العربية .
ومن الواضح ان هؤلاء الشعراء لم يكن لهم من مطمح ، الا ان يعيدوا للشعر العربى ، بعض روائه ، الذى فقده فى عصور الظلام ، وان مثلهم الاعلى فى الفن ، يتمثل فى الاقتراب من المستويات الرفيعة ، التى بلغها القدماء من الشعراء ، بل انهم ليعتزون بان يقتبسوا شيئا من صور الفاظهم ، وبعضا من المعانى التى طرقوها ، ولو كانت فى احيان كثيرة ، لا تنسجم مع واقع البيئة الجديدة ، ولا مع ما تمليه متطلبات اللحظة الراهنة .
وهكذا انعكست فى قصائد تلك الفترة ، اغلب خصائص القصيدة العربية،من تقديم للموضوع الاصلى ، بشئ من الغزل والنسيب ، ومن تصوير للمناخ الطبيعى ، والاعتماد فى الاغلب الاعم ، على معجمها الشعرى ، بكل ما يمثله ؛ من توعر فى اللفظ احيانا ، نتيجة بداوة الحياة ، او سهولة واضحة ، نتيجة رقيها وتقدمها فى العمران ، ودارت موضوعاتهم ، فى كثير من جوانبها على موضوعات الاصلاح ، وما يبغى ان تقوم عليه النهضة الجديدة ، من اعتماد على التراث ، وما يمثل من نظرة الى الكون والحياة ، وبالجملة دعوا الى سلفية الفكر والروح ، باعتبارها وسيلة الاصلاح الاولى ، التى لها القدرة وحدها ، على الوقوف فى وجه الغزو الجديد ، ولكن شعراء تلك الفترة ، لم يستطيعوا ان يحققوا تقدما كبيرا ، ينهض بالشعر التونسى ، ويعيد له عزته ، التى عرفها فى عهود سابقة ، بل ظلوا مقلدين ، مسرفين فى التقليد ، ملتزمين بالسير فى الدروب السابقة ، التى عرفها شعراؤنا القدامى ، فهذا صالح السويسى ينظر الى المتنبى فى قصيدة من قصائده :
مالى اراك قد استبشرت بالعيد وانت بين الورى فى سوء تنكيد
مهلا رويدك ان الخلف اوقعنا فى عظم معظلة حفت بتهديد
وهذا سالم بن حميدة ، يستعيد بعض صور امرئ القيس ، حين أنشأ قصيدة فى حرب طرابلس :
وليل حالك الجلباب ارخى سدولا داجيات من ظلام
خرجت به وقد قصفت رعود مزمجرة تبشر بالحمام
يكاد البرق يخطف نور عينى وتنذر فى الصواعق بالزؤام
بل انظر إلى امير شعراء تونس نفسه ، محمد الشاذلى خزندار ، وهو من كبار اعلام تلك المرحلة الادبية ، كيف اعتمد فى احدى قصائده ، التى انشأها فى حرب - الدردنيل - على الفاظ البداوة ، التى ترددت كثيرا فى الشعر القديم من مثل الآساد والآجام والعرين والليوث وغيرها ، دون ان يتفطن الى ان الموضوع غير الموضوع وان العصر غير العصر :
اقلع بقشك ايها الاسطول أن التى هاجمت اسلامبول
اتهاجم الآساد فى آجامها وعرينها بليوثها ما هول
ابحرت نحو الدردنيل لفتحه فرايت ان الدردنيل مهول
يتفاخرون جهالة بعديدهم فليكثروا - ان الكرام قليل -
ولكنه راض بما يفعل ، وبما يفعل معاصروه ، لان مطالبهم الاساسية فى الشعر ، لا تتعدى النسج على منوال القدماء ، والاحتذاء بصنيعهم ، وبالاسلوب الذى تبنى به القصائد عندهم .
وما صح من القول ، عن هؤلاء الشعراء الثلاثة ، يصح ايضا بالنسبة للهادى المدنى والطاهر القصار وابو الحسن بن شعبان والصادق مازيغ والشاذلى عطاء الله وجلال الدين النقاش ، ومن اليهم من الشعراء الذين ينهجون نهجهم ويلتزمون بخطهم فى صنع القريض ، ولو كانوا يشاركوننا فى المعاصرة ، ويقاسموننا خبز الحياة .
الكلاسيكية الجديدة :
غير ان الحياة الثقافية تطورت ، واعتمدت فيها عوامل ، ادت الى شئ من الازدهار والنضج ، بشيوع الصحف والمجلات ، ومختلف النشريات الاخرى ، وانبعاث النوادى الادبية وغير الادبية ، وقيام بعض معاهدناكالزيتونة والصادقية والخلدونية ، ببعض مهمتها ، فى تحبيب العربية الى نشئنا الصاعد ، ودرس الادب العربى ، بشئ من الجدة والتعمق ، مما ادى الى ظهور جيل من الشعراء، استفاد كثيرا من تجربة السابقين عليه ، ومن محاولتهم فى التمكين لشعر تونسى ، يتخلص من ضعف الاسلوب ، وجمود المعنى ، وانقطاعه عن مسايرة واقع الحياة ، المتطورة ابدا ، ولكنه فى نفس الوقت ، يرتبط وثيق الارتباط ، بالاصول القوية للشعر العربى القديم،وبما ابدعته قائح المجيدين فيه،ويتصل
كذلك بالحركة الشعرية التى جدت فى المشرق العربى ، ووصلت الى قمة النضج ، على يد شوقى وحافظ ومطران ، ومن فى منزلتهم واتجاههم ، من الذين بجمعون بين القديم والحديث ، ويؤثرون الموسيقى الصاخبة فى الاوزان ، والجلجلة العالية فى القوافى ، على غيرها من انواع الموسيقى ، ويقدمون الموضوعات العامة ، والتى لها مساس باحداث السياسة الرسمية ، بصفة خاصة وما يتصل بها من موضوعات ، تمليها المناسبات الاجتماعية وغير الاجتماعية ، على ما عداها من الخصوصيات ، وباختصار يمكن ان يقال ، ان جملة من الظروف الموضوعية العامة ، تتصل بالحياة الاجتماعية والسياسية ، التى اخذت تستيقظ وتشتد ، بتأسيس المنظمات السياسية القوية ، وبالمحاولات الايجابية ، لتأسيس نقابات العمال التونسيين على يد الدكتور محمد على ، وسوى ذلك من الحركات الصغرى والكبرى ، وكذلك جملة اخرى من العوامل الفردية ، والعناصر الصغيرة ، المتصلة بنفسية وثقافة وبيئة كل واحد من شعراء هذا الجيل ، جميع ذلك ادى الى قيام تيار شعرى آخر ، يتميز بميزات معينة ، تجعل له شخصية يستقل بها عن التيار السابق ، وتمكن من ان نطلق عليه اسم الكلاسيكية الجديدة ، لما نجده فيها من اعتماد على التراث ، وبخاصة نواحى القوة فيه ، شان كل حركة كلاسيكية ظهرت فى التاريخ ، ولما يبرز من اتجاه الى تحكيم العقل فى كل تجربة شعرية ، للحد من اندفاع العاطفة وجموح الخيال ، وايضا لهذه العناية الفائقة التى تصرف لتجميل الاسلوب ، بانتخاب اللفظ المناسب ، والتشبيه القريب ، والموسيقى ذات الرنين الخاص ، التى ترتفع مرة حتى تضج بها الاسماع ، وتهدأ أخرى فتلين لها القلوب والاسماع معا . الا انه من الحق ان نذكر ، ان شعراء هذا التيار الكلاسيكى الجديد . استطاعوا ان يمضوا فى التجديد درجات ، وان يحققوا مقادير من النجاح الفنى ، فى الشكل والمضمون ، ضمنت للشعر التونسى، تطورا مهما، واستعدادا طيبا، لاستيعاب ما استجد بعد ذلك من ألوان الفن والواقع ، وهكذا بدأنا نقرأ قصائد ، تكاد تخلو من عيوب القصيدة العربية القديمة ، فتقل الفجوات بين أبياتها ، بما تدور عليه من موضوع واحد ، وتوضع العناوين ، لتكون لها استقلاليتها وشخصيتها المتميزة ، وترتبط فى الغالب بواقعها المتعين ، سواء فى نفس صاحبها ، أو بما ينجم في ثنايا الواقع من أحداث ، وهى أشياء لم يبلغها الجيل الاول ، لاحتياجها الى مقدار معين ، من الوعى بحقيقة الفن ، وأسلوب البناء الشعرى ، التى أخذت بعض النظريات النقدية ، تبشر بها على ايدى العقاد واصحابه من جماعة الديوان ، وتمكنوا كذلك من أن يدخلوا على شكل القصيدة بعض التنويع فى القوافى ، التى أخذوا يزاوجون بينها ، كصنيع سعيد
أبو بكر ، فى قصيد يتألم فيه لغفوة الشعب وقعوده عن المطالبه بحقوقه
غن يا شحرور لا تنحب معى انت لم تخلق معى للانتحاب
خل دمعى ساكبا من مدمعى واحتفل للطل من دمع السحاب
خلنى واحفل باوراق الربيع منشدا فوق الغصون المورقة
حيث تكسوها من الوشى البديع حلة المعشوق شمس مشرقة
غن فوق الدوح بالصوت الرفيع يسمع المحزون تلك الزقزقة
علها تشفى عليل الاضلع حين تنسيه هموما وعذاب
ويمكن ان يعد مصطفى خريف زععيما لهذا التيار الشعرى ، لما له من قوة فى الطبع والسليقة ، ولوثيق صلته بالتراث الشعرى ، فى مختلف عصور العربية، الذى ظل وفيا له الى أخريات أيامه ، وقد حقق بالفعل فى أشعاره ، كل خصائص المرحلة الجديدة ، بل وأن تصبح أشعاره وثيقة خطيرة ، تؤرخ للاجيال ، حقيقة القيم الفكرية والاجتماعية التى سادت فى عصره ، فان شاعرنا أسهم فى اغلب القضايا التى تمخضت عنها الاحداث ، وسجل فى شعره بكل صدق ، حقيقة انفعاله وانفعال مواطنيه ، بوقع الظروف والحياة على النفس والقلب ، وليس من الهين نسيان صوره البديعة ، واخيلته المبتكرة ، وجمال نسيجه المحكم ، كما تجلت فى كثير من قصائده ، وبخاصة فى معارضته الشهيرة للحصرى فى قصيدته - يا ليل الصب - وفى حورية البحر ، ولعل الشابى كان ينظر الى كل ذلك حين آعتبر أن : (( مقاييس الشعر التى هام بها وسار عليها اكثر ما تتحقق فى شعر خريف ، حين اعتبره اول شاعر تونسى ، فى جوابه عن الاستفتاء الذى اجرته مجلة العالم الادبى سنة 1932 )) (1) .
الا انه لا بد من ذكر أن مصطفى خريف كان حذرا فى تجديده ، دقيقا فى حركاته التى يحدثها فى شعره ، انه يقيسها بمقياس لم يتغير فى يده ابدا ، هو مقياس الاسلوب الجيد ، الذى يرقى الى أساليب البحترى وأبى نواس واضرابهما من النابغين ، والمعنى المبتكر الذي يتمثل فى طرافة النظرة الى الموضوع ، وصدق العاطفة التى يتغلف بها .
ولعله تحسن الاشارة إلى ان هذا التيار ، اتسع اتساعا كبيرا ، وشملت مفاهيمه فى الفن ، مجموعة عريضة من الشعراء ، منهم من توفى كالطاهر الحداد ومحمد الفائز القيروانى ومحمد بوشربية ، ومنهم من يحيا حياة الشباب والكهولة كالهادى نعمان ومحمد مزهود ومحمد الشعبونى وحمادى الباجى ،
وعدد آخر من الشعراء . الذين يضيق حصرهم ، ولكنهم مازالوا متمسكين بطريقتهم وبأسلوبهم فى الصياغة والابداع الشعريين ، غير عابئين بما حدث من تطورات ، فى سير الحركة الشعرية الحديثة ، ولا بد من الاشارة كذلك الى ان هؤلاء الشعراء وان اتفقوا فى الخط العام ، وفى المنحى الذى يصدرون عن الا انهم يختلفون عن بعضهم بعضا ، فى كثير من قضايا الحياة والمجتمع ، فضلا عن قضايا العاطفة والفكر والشعور . فلنأخذ الهادى نعمان مثلا وهو يتجاوز الاربعين بقليل - انه يحافظ محافظة شديدة ، على قوالب التعبير ، التى آرآتها مدرسته ، التى ينتسب اليها ، بل يوغل فى المحافظة الى درجة أنك لن تجد له قصيدا واحدا ، على كثرة ما نظم ، يتحرر فيه - نوعا ما - من القافية الواحدة ، مهما كان طول القصيدة ، وهي فى الغالب طويلة ، ولا يحب ان بسمح لنفسه بشئ من التحرر فى الوزن ، فينظم فى مشطورات البحور أو مجزوءاتها ، ولا أن يبنى قصائده على أسلوب المربعات او المخمسات ، او ما شاكل ذلك من اساليب ، شاعت قديما وحديثا ، ولكنه مع ذلك مقتدر فى فنه عميق فى صدق تجربته الشعرية ، يكاد يصل بها حدود الاستبطان الذاتى ، واقرأ هذه الآبيات :
طار الحمام على الليالى حانقا يا شرها انى لهن مودع
تلك الليالى كم شققت شعابها وفؤادى المسكين ظلما يصرع
يا فجر اين الفجر ايان السنا يحيا به القلب الحطيم ويسجع
انى ارى الامل الضحوك مداعبا هذا الحمام فليته لا يرجع
وكذا الحياة معارج ومزالق والحر يحيا ليلها لا يهجع (1)
فانك واجد فيها ان الشاعر ، يعانى من وقع الحياة عليه ، ومن القيود التى تحده عن الانطلاق والابداع فى الفن ، ومن ثم فانه يرسل زفرة عالية ، تنبض بالحيرة والالم ، وهو لعمرى موضوع عصرى ، نلمسه ونحن نباشر الحياة ، ونشتبك بصعابها ، ولكنك من جهة اخرى تجد الشاعر قد صاغ تجربته ، فى قالب تقليدى ، محافظ شديد المحافظة ، وان هذا القالب التقليدى مع ذلك ، لم يصده عن ان يصل بتجربته الى مستوى ، يكفل للقارى قدرا من المشاركة والامتاع ، وهو أمر قد نجد غيره من شعراء مدرسته ، يتصرفون فيه على غير هذا الوجه ، حينما يوفرون لتجاربهم الجديدة ، ما ينبغى ان يكون لها من شكل فنى يلائمها ، كما يفعل مصطفى خريف مثلا فى عدد من قصائده .
( للبحث صلة )

