نريد ان نرجع اليوم الى ما قيل من الشعر السياسي قبل عهد الاستقلال . اى منذ انبثاق الحركة الوطنية عقب الحرب العالمية الاولى لنرى ان شعراءنا رغم ما كان يكبلهم من قيود وما كان يوضع على اقلامهم من حجر - لم يكونوا ساكتين عما يحيط بقومهم من هوان ومذلة فكانوا ينددون بسياسة الحماية ويتذمرون من الاوضاع الفاسدة ويناقشون اصحاب السلطان . وكانوا كثيرا ما يهيبون بالشعب يوقظون همته ، ويبعثون وعيه ويدفعونه للمطالبة بالحريات وبالحقوق السليبة
واول شاعر نراه يتجه بشعره اتجاها سياسيا واضحا هو المرحوم الشاذلى خزنه دار . فقد كان - رحمه الله - شاعرا وطنيا بحق - وكان يغذى النفوس بأناشيده القومية وقصائده الحماسية منذ حوادث 5 افريل 1922 .
واني لاذكر كيف كانت المظاهرات فى أول الحركة الوطنية تسير فى شوارع العاصمة وهى تنشد قول خزنه دار .
تونسى وحسبى انني تونسي
حزبها الحر حزبي حزبها الوطني
وهو القائل فى نشيد التجنيس
لست المبدل جنسي كلا ولا أتردد
ان كان يرضى الفرنسي فليس يرضى محمد
وهو فيما أظن اول من اعلن غضب الشعب بعد ان عمدت الحكومة الحامية الى سجن وابعاد منظمى حركة الاعتصاب ضد شركة الترام الكهربائى والتى كان المرحوم على باش حانبه أحد المبعدين فيها . فقال خزنه دار
٥ - سر ٥ -
أبكى لفرقتهم وهم احياء سبعا بكتهم تونس الخضرا
ما كان في كفى الحسام وانما من تحت فكرى حية رقطاء
سأهز من قومي الذين بلوتهم ما ترتضيه الهمة القعساء
وفيها يقول
دعهم يريقوا ، يزهقما يستنزفوا ينفوا يبيدوا يفعلوا ما شاءوا
واسترسلوا في الامر دون تراجع فالحبل منه انشقت الصماء
ومن شعره المشهور قوله فى قصيد " ذكرى الزعيمين
الحر من لا يستكين لمرهق فعليك خصمك مم ويحك تتقي
واصدع فى الاباة ولا تقل ان البلاء موكل بالمنطق
فالام تستخذي وحقك بين شلت يد تمتد للمتصدق
تبا لمن ألف الخنوع لغاشم ما تلك الا شيمة المتملق
فيم احتمالك - والكوارث جمة ممن يراك بنظرة المتفوق
لا تشكهم ان الشكاة مذلة والى مراقى العز وحدك فارتق
مستضعف من بات يرقب منة من اهله او من عدو اخرق
وممن اشتهر بنظم الشعر السياسى من شعرائنا الراحلين المرحوم سعيد ابو بكر . فقد نظم الى جانب قصائده وموشحاته فى الاغراض الوطنية والدعوة لليقظة والنهوض تلك المثنيات اللطيفة التى كان ينشرها في جريدة " النديم " بعنوان " زهرة بعد زهرة " والتي كان يضمنها مقاصد اجتماعية وسياسية ذات صدى محبب للنفوس لذلك لقيت رواجا عند الادباء ورضى من كافة الاوساط . وهاك مثالا من هاته المثنيات قوله عن اضطهاد السلط الاستعمارية للمفكرين .
زعموا النفي والتتبع والعسف تميت الشعور فى الإنسان غلطوا - انها هداية من مد يديه لخدمة الاوطان
وقوله ساخرا
اياك تكتب ما تفكر اذ بذا تسعى لحتفك أيها الحر الابي
قد حرموا عنك التبسم والبكا لم يبق إلا أن تصلي على النبي
وقوله فى اخرى :
يجد الناس فى ارتياحى الى الظلم وميلى لنشره الغازا لست اهوى الظلوم إلا كما اهوى لايقاظ تونس المهمازا
وقوله أيضا
خل اليراع محطما وامسك بكفك ان أردت تشاغلا مزمارا
واترك سياسة تونس واركن الى بعض الزوايا كرر الاذكارا
هذا دواء حكومة امست ترى في القول نارا والكتابة نارا .
ومن الشعر السياسي الذي كان له دوى وصدى قصيد الشيخ الهادى المدني في حادثة المرسي . وهي حادثة تتلخصا في ان احد الاجانب كان يحترف الجزارة فأراد ان يتلهي ذات يوم فعلق آلة ميزان في سلك كهربائى وطلب من احد حرفائه التونسيين ان يناوله تلك الالة فتعلق المسكين بذلك السلك وذهب ضحية الرعونة والاستخفاف بارواح
الاهلين . ومما احفظ النفوس وحرك الاحقاد ان هذا الجاني الاثيم ظل طليقا لا تناله يد العدالة وقيل عن الضحية انه مات بسكتة القلب . وقد ذكر الشاعر هاته القصة مفصلة فى شعره الذي استهله بهاته الابيات :
ألا يا ايها الوطني شمر . فإن بلادك الخضرا تعاني
كفى ما قد مضى فانهض وكسر قيود الذل عنها والهوان
ألا خل البكاء فليس يجدى بكاؤك فلتدعه الى الغواني
ودع عنك التأسف في الزوايا فذاك لدى احرى بالجبان
لقد اصبحت عبدا مستذلا تطأطئ للأجانب بامتهان
تذل وانت في بلد أتته جدودك قبل بالسيف اليماني
هلم فزعزع الدنيا بصوت يخر له جبابرة الزمان
على ان المجلي في ما اسميناه " بالشعر السياسى " هو بلا نزاع شاعرنا الكبير أبو القاسم الشابى . ولما كانت معظم اشعاره في هذا الباب معروفة مدروسة - وهي على كل لسان - وقد كنا تعرضنا الى بعضها فى دراساتنا الماضية ، فإننا لانورد منها شيئا فى هذا المجال
وللاستاذ الصادق مازيغ قصائد يمكن ان نسلكها فى الشعر السياسي فهو فى احداها يناقش زعم القائلين ان الشعب التونسي لم يتأهل بعد للاستقلال نظرا لعدم نضجه وعجزه عن ادارة شؤون بلاده بنفسه وهي نغمة طالما سمعناها من بعض الساسة المضللين . يقول الشاعر مازيغ متحدثا عن الشعب
أو كلما طلب الدواء لدائه يبغى انفكاك الغل من جثمانه
امسى نذير السوء يكبح صوته ويقول " طبك سابق لاوانه "
ويقول عن حركة الشباب المطالب بالحريات :
ان الشباب الى الحقيقة ناظر لا ينثنى عن قصده ولبانه
يبغى الحياة ، ولا حياة اذا انضوى معنى الكرامة مشعرا بهوانه
ان الكرامة وحدها معشوقة عند الاريب العدل فى ميزانه
للنشء قلب خافق متدفق حبا عميقا فاض من وجدانه
للنشء روح دائب فى خطوه متيقظ للدهر فى حدثانه
مستعذب لمرارة من حظه متفكه بالحلو من ايمانه
وله قصيدة اخرى يرد فيها على من ادعى من المقيمين الفرنسيين ان الذى يصلح الشعوب ليس هو الاستقلال ، وانما هو اقامة اقتصادياتها والعمل على ازدهار عمرانها فيقول فى الرد عليه :
تجاهل أنات المكبل وانبرى يغالط بالافك المنسق والزور
وقال اقتصاد واتحاد وسائل لتشييد بنيان وسقي وتعمير
كأن صراخ الويل مادق سمعه ولم يك بغي في البلاد بمذكور
ولم تأته الاخبار عن موت أمة تداس وتقصى عن هواء وعن نور
وعن ضجة فى الكون تصرخ حطموا قيودا فما جند البغاة بمنصور
ثم يخاطب مواطنيه محذرا اياهم من الاغترار بأباطيل المضللين بل ربما لام من وقع فى آحابيلهم وتغاضى عن بهتانهم
تعاميت عن شخص الحقيقة مائلا واغضيت طرفا عن رجاجة تدبير
واغرتك من جنس الذئاب عصابة تفوه داعيها بحمق وتغرير
ألا فاستمع للختل والزور وارتقب ثمارا ستجني يوم فحص وتقدير
ستكتب أقوال أذعت الى الملا وتثبت فى سفر على الدهر منشور
ستهدم أطواد الضلال معاول وتبعث اموات وينفخ فى الصور
وتطوى من العهد اللعين صحائف مشوهة بالاثم فى شر تحبير
وقد صدقت نبوءة الشاعر فبعث الاموات ونفخ فى الصور وطويت من العهد اللعين صحائف مشوهة بالاثم والشنار .
وللشاعر مازيغ قصيد ثالث بناه على هاته الفكرة : تمنى دائما للمستعمر ان يعصف ويجور ويتنكب طريق الحق والعدل لان ذلك يعجل نهايته .
فكلما ازداد الظالم ظلما ازدادت كراهية الناس له وضاعف دواعي الثورة عليه وفى ذلك الخير للمظلوم
كم ذا تقيم على السفاه مصمما ماذا عليك إذا العدو تحطما
ماذا يهمك أن يضيع مصالحا ويضل عن طرق الصواب تغشما
إن اهمل النذر التى تترى فما أحراه أن يردى ويسقي علقما
أو ما تحول عن سلوك جائر فلذاك أحرى أن يجر المغنما
أتحب ان يرضى الانام يعدله في حكمه فيقال مولى أنعما
أتريد أن ترضيك شيمة سيد فتعود تلثم كفه مسترحما
كف عليها من نجيعك شارة لا تمحى أو تلمس الارض السما
ويتابع الشاعر هاته الفكرة فيقول
ونراك تلهف آسفا من تركه أخذا بحزم واحتياط أبرما
إن كان خصمك مهملا لشؤونه متقاعسا عن أمره متلعثما
مترددا فى رأيه متحيرا فلذاك أحرى أن يداس ويكلما
يا حبذا الطوفان يجرف طاغيا في حمأة النسيان والجهل ارتمى
وهاته فكرة طريفة . ولكن الشاعر كساها حلة خشنة من الالفاظ الجافة والمنطق الصارم .
ومن الشعر السياسي الشديد اللهجة قول منور صمادح
قالوا التوحش زالا : فأجبتهم من قالا ؟
من ذا الذى بقر البطون وقطع الاوصالا ؛
من ذا الذى سفك الدماء وقتل الاطفالا ؟
وسطا على أرواحنا فاستعجل الاجالا ؟
وانقض بالنيران يحرق نسوة ورجلا ؟
من أنشب الاظفار فى اكبادنا وانهالا ؟
وأتى فزلزلت الحياة بأهلها زلزالا
هذه امثلة خاطفة من الشعر السياسي الوطني الذي كان يستهدف ايقاظ الهمم وبعث الحماس فى النفوس لمقاومة المحتلين . وهو فن بلغ القمة مع شعراء الشرق الذين أبلو البلاء الحسن فى مقارعة الاستعمار البريطانى او الفرنسي . واذا استثنينا شعر الشابي فإن سائر الشعراء التونسيين لم يكونوا فى مستوى شعراء الشرق فى ذلك المجال امثال الرصافي والزهاوى فى العراق وخليل مردم وخير الدين الزركلى فى الشام وحافظ وشوقي فى مصر ولعل تسامح السياسية البريطانية فى ميدان الصحافة والنشر كان له اثر فى انتشار وازدهار هذا الفن من الفنون الشعرية الحديثة .
