قدديما ايام كعب بن زهير والنابغة الذبياني وزهير بن سلمي وغيرهم من الشعراء القدامى اصحاب المعلقات سواء كانوا من شعراء الجاهلية او من المخضرمين كان الشاعر منهم تقاس شاعريته ومدى تمكنه من البلاغة والفصاحة والنضج الفكرى والشعري ، تقاس فى قيمة المعلقة التى يطلع بها الى الناس فيفتن سمعهم ويأسر البابهم لما يقدمه لهم من تلك الابيات العديدة المتراصة كأسنان المشط . يبههرهم بتعقد اللغة اولا بالألفاظ المنمقة السحيقة العمق ، هذا مع بعض زخرفات لا تخلو منها المعلقة حتى تغدو مثل جدار جميل من الفسيفساء رصت أحجاره رصا متينا
وعادة وفي جل القصائد التى قرأناها لهؤلاء الشعراء القدامى ، عادة ما تتجزأ القصيدة الى عدة أقسام ، أهمها :
1) البدء فى التغزل بالحبيبة ، ووقفة امام ديار الاحبة ٥ ) النزول إلى وصلت الناقة او الفرس ومكانة هذه الحيوانات فى نفس الشاعر ومقدار حاجته اليها تمثل جزءا هاما من حياته .
3 ) التفرغ الى تناول الموضوع الذى عزم الشاعر أن يتناوله بالبحث سواء فى مدح خليفة ما ، أو أى موضوع آخر
ولست فى ما أقول نحن ضد المعلقات أو ضد أصحابها الفحول ، فبدسامة أقلامهم قد بنوا مجد تراثنا العربى ، وبفصاحة لغتهم التى رغم طلاسمها وغموضها الغنى بأعظم المعانى ، قد أسسوا صرح حضارة العرب ولغة العرب التى بقيت منارة تستنير بها العقول المتعطشة الى العلم والتراث الثقافي بقيت سلاحا يشهره العرب فى وجه الزحف الاوربى والحضارة الثقافية التى
عمت الغرب وبدأت تكتسح المشرق العربى محاولة طمس معالم ثقافية التي تضاهيه تمدنا ، وتعمقا
واذا كنا قد بدانا فى التمرد على القدير منذ عهد بعيد واستطعنا ان ننطلق من الحصار الذى فرضه علينا التراث ، واستطعنا ان نبنى للشعر العربى المعاصر صرحا جديدا يكاد يكون مستقلا عما سبقه من التيارات الفكر التى كان يقيدها الزمن من جهة واللغة من جهة اخرى ، فاننا لم نتخل كليا عن منهج الشعر القديم ولم نتملص من اوزانه وبحوره التى خطها الخليل بن أحمد ، وحتى لما جاءت ثورة الشعر الحر ومحاولة الخروج عن نظم الاوزان القديمة الموروثة ، والتحلق بالشعر الحر فى اجواء اكثر حرية وأكثر تملصا من القيود الشعرية العربية ، فالشعر بقى كما هو يمتاز باصالته ورونقه وقوة لغته وان اختلفت شكليا عن لغة المعلقات ، وبقيت نغمة القافية التى هى بالنسبة للقصيدة ايقاع منغم لسمفونية عذبة التلحين تدغدغ الحواس وتطربها . إنما الموجه الجديدة التى طغت فى السنوات الاخيرة واكتسحت السوق الشعرية بتحد سافر هي النزعة التى تسمى " بالشعر الطلائعى " لا هو بالشعر العمودى الاصيل المعتمد على وزن وقافية وبحر معين ، ولا هو بالشعر الحر الخافق هو الآخر لتفعيلة وموسيقة ما
واذا كان للشعر الطلائعي بعض كتاب موهوبين فيوحد كذلك وهم حشر لا باس به من المتطفلين لا على الشعر الطلائعي فحسب بل على الشعر وعلى الكتابة أصلا
- فالنزعه التى انقاد اليها بعض الشباب اليوم . لا هي نزعة تحررية من أصنام عنيفة لا بد من الكف عن البكاء على أطلالها
- ولا هي نزعة تقدمية ترفض الماضي وتراثه لتكون وتشيد صروحا متينة للمستقبل الذى هو مدخره والمعتمد الاول عليه لما يمكن ان نقدمه له من فن ثم يرتكز لا على الثقاقه والتطور فحسب ، بل على التجربة والمعاناة التى يلاقيها الشاعر فى حياته ، أو فى دروب المجتمع الذي هو قطعة حساسة فية . فيواكب بذلك التطور الفكرى ، والقياسى . والاجتماعي والفلسفى فى كل تقلباته وتطوراته
نحن على ما يبدو فلقد اختلط الحابل بالنابل ، وكثرت الاقاويل والنزعات والقفزات البهلوانية من هنا وهناك ، واختلطت الآراء . وامتلأت سوق
الطلائعية بعشوائية لم يعد فى امكان احد تتبع مناهجها ( ان كانت لها مناهج ) ولا فهم دعائمها وعلى أى أساس تتركز ( ان بقيت لها أسس تتركز عليها ) لم يعد لهذه النزعة التجديدية بعض رواد برعوا ونجحوا فى فرض هذا اللون الشعرى كفن قائم الذات ، معترف به دى الاوساط الادبية ، فقد كثر اللغط وازداد عدد المتطفلين الذين تسلطوا على منهج الادب الحق ، مما بدأ فى زعزعة أركانه المتينة .
السؤال الآن وقبل كل شئ : ماذا قدم لنا هؤلاء الشبان ؟ وماذا كنا ننتظر من نزعة الشعر الطلائعي وهذه التجربة الجديدة ؛
- أهو مجرد صراع ثقافى بين القديم والجديد أو تضارب أفكار تقدمية ثورية مع ملتزمات قديمة لا تحديد عن طريقها المرسوم ؟
- أهو تجديد فى الشعر ؟ أو فى اللغة ؟ فى الافكار الفلسفية ؟ أهى ثورة جريئة ضد ماض كبل خطانا وعرقل زحف تطلعاتنا الادبية نحو عوالم أوسع وأرحب تتسع لجميع الاتجاهات والاساليب الشعرية ، وترحب بكل المفاهيم الفكرية ؟
- هل تخضع هذه النزعة التقدمية لعوامل اجتماعية سياسية او فكرية ، أم هي مجرد اندفاع وثورة عقيمة تسيرها الهمجية ، بعيدة عن التبصر والتروى ؟
- ما هى نتائج هذا التحول الذي فرض نفسه على السلة الشعرية ؟ ما هى ابعاده ؟ أهى الينا أم علينا ؟
1 ) أول ما كنا نرجوه من هذا اللون الجديد من الشعر هو التحرر من عدة عوامل كانت تكتم أنفاس الشاعر . أولها الاوزان الثقيلة القافية المحبوكة التى لا تجوز محاداتها الزحافات الصغيرة العملاقة التى ان لم يراعها الشاعر قضت على قصيدته بالعدم
2 ) مواكبة سير رحلة التطور الذى تسير نحوه الامة جمعاء . وسبر أغوار جميع المواضيع التى يتيحها للشاعر التحرر الشعرى والفكرى واللغوى . والزمنى .
3 ) رغم التحرر الذى نهفو اليه ، والتطلع الفكرى الجديد الذي نرقب بزوغ فجره كنا نرجو ولو بعض التزام لمبادىء الشعر ، والسيطرة على الافكار والآراء المتعصبة ، والعواطف المشاكسة التى لا تخدم الشاعر ، انما هى تفقد الشعر قيمته وأصالته
التهور الملحوظ الذى نلاحظه فى كتابة بعض الشبان الذين يظنون انهم بعشوائيتهم وغوغائيتهم وهم يتحدون لا التراث الشعرى السليم وقوائمه المتينة الاصيلة فحسب ، بل يتحدون الشعراء المعاصرين المحافظين على جوهر الشعر العربى ( وهذا ما لاحظناه مع الاسف فى الامسية الشعرية التى انتطمت فى اليوم الثاني لملتقى الشعر فى دار الثقافة ابن رشيق) .
وقد اعتقدوا انهم انتصروا فى معركة القديم والجديد ، وهزموا الاسماء اللامعة كما سموها ، وشلوا قيمها وتحفظها المتركز على أسس فكرية ، وثقافية وحضارية سليمة وايديولوجية خالية من كل نزق ، أو فلسفة ثورية عقيمة تجر مضرة على صاحبها اكثر مما تخدمه . اذن أصبحت هذه الموجة الشعرية الحديثة مجرد عقد ومركبات نفسية تغلغلت من نفوس الشباب لتحدى شعراء سبقوهم واعتلوا عرش الشعر التونسى المعاصر ولمعت أسماؤها حتى كست سماء الادب ولم تترك كما تتوهم فئة من هؤلاء الشعراء الطلائعين ؛ لم تترك لهم المجال للتقدم ولا فرصة للظهور . وهذا غير صحيح ، اذ لم يقف أحد في وجه هؤلاء الشبان ولا من حاول عرقلة سيرهم ، أو شل أفكارهم التقدمية
وقد احتضنت اغلب المجلات التونسية هذه الظاهرة وساعدتها على المسير ، لتمكينها من التبلور واكتساب مكانة ما من الساحة الادبية وأول هذه المجلات هى مجلة الفكر اذ شجعت من رأت فيهم الكفاءة المطلوبة ، والموهبة المرجوه لتقدم للشعر المكاسب المنتظرة والابعاد التى يرمى اليها مجتمعنا التقدمي المتحضر الزاحف دوما نحو تطلعات جديدة ، وآفاق متحررة نزيهة تمجد حضارتنا ، ولا تشين الى صرح ثقافتنا التى كافح العرب من اجل اكتسابها بحد القلم وبسنان الكلمة
نعود الى السؤال الاول : ماذا قدم لنا هؤلاء الشبان ؟ ماذا جنينا من هذه النزعة التجديدية ؟
ما عدا فئه قليله جدا ومنحصرة فى بعض الاسماء ، يكاد يكون المحصول لا شئ . لا من الناحية الموضوعية ، او الشكلية ، ولا الفلسفية . ولا حتى
الابعاد الفكرية والاجتماعية . أما النغمة الموسيقية للقصيد فهى تكاد تكون مفقودة ، غدا القصيد مجرد كلام خال من كل رسم ، ومن كل وقع يراقص الروح ويطربها وتلك ميزة الشعر الاولى وقبل كل شئ .
فهي تكاد تكون زوبعة من فنجان . كلمات ملتقطة من هنا وهناك . ألفاظ زانة كدقات بلا وزن على طبل أجوف . شعارات فوضوية ، بعيدة كل البعد عن المنطق ، ان لم تكن سلبية او انتهازية خاضعة لعوامل شتى ، ثم يروح كل احد منهم يطلق عليها صبغة او صفة ما . الشعر المنجمي ، الشعر الثورى الشعر المالي ثم يندثر الكل في هوة التمزق وعدم التركز المنطقى وفى الافكار المحدبة الجرداء والشعارات العقيمة التى تسد باب كل خلق جديد نظيف يقوم على أسس متنة ، ومفاهيم صحيحة ولا تضيع خطاه بين منعرجات التيارات الكلامية المتصارعة بدون حكمة أو ذوق . فلا هو بشعر سليم صحيح ، ولا هو نثر معافى رصين ، ولا هو ببحث يرتكز على ايديولوجيه واضحة المعنى الاهداف ، انما هي شعوذة لشبان متطفلين على الشعر يحاولون التصدى لا للشعر القديم ونوامسه وموازينه من أجل ثقافة شعرية مثمرة ، انما هو تحد لشعراء معينين ، وتخذير الافكار بثورة فكرية لا أساس لها ولا منطق
إذن أصبحت المسألة عقدة نفسية ، بين القديم والجديد . شبه صراع بين الشعراء القدامى واشباه المجددين . واذا كنت قد قلت فى أول حديثي عن الشعر ، لا بد من الانعتاق من الماضى ، ونسيان عهد المعلقات ومواكبة تطور العصر الحديث ، فلا يعنى أننا ندوس روح تراثنا المجيد بين عشية وضحاها بنعل متهور ما كان يوما واعيا ولا متفهما لمبادىء الشعر وأسسه
ولا يعنى ذلك أننا نخلع أثوابنا ، ونمزق قشورنا ونخرج عراة حفاة الا من أجساد ممزقة دامية ملفوفة بشعارات واهية هم أنفسهم لا يؤمنون بها ، انما يدفعهم التحدى والتصدى للآخرين الى الغوص فى يمها العكر
اذن إذا غربلنا حصيلة الشعراء الذين ينتمون الى هذا اللون الجديد لا نجد الا العدد القليل الذي يعمل بكل حزم ونشاط محاولا أن يثبت وجوده ، وان يبث أفكاره عبر اشعار مشحونة بمعان سليمة معافاة من جرثومة التحدى للغير أو الغرور المفرط فيه الى حد النرجسية كأن بمدار ريشتهم ستبنى أسس العالم الجديد
ولا اريد أن أقول كما قيل سابقا ان الشعر الطلائعي ما هو الا ظاهرة فى صدد الاندثار والجفاف ولن يستطيع ان يتماسك ويشد نفسه طويلا ، ربما كان هذا صحيحا ولو بقى الشعراء الشبان على تهورهم والهستيرية الحالية التي تسيطر على عقولهم ، انما لو توقف الكاتب منهم أمام نفسه عارية الا من حقيقتها وحاسبها على كل كلمة قيلت ، وكل اتجاه اتخذ ، ببصيرة متفتحة وعقل واع متفهم لتقنيات الشعر واستراتيجيته لاكتسب الشاعر منهم النضج الفكرى المرجو ، والشكل الشعرى المطلوب والنزعة التحررية البناءة ولارتقى بنزاهة كتاباته سلم المجد والبقاء ليفرض وجوده فرضا فى متاهات الشعر الفسيحة المتسعة لكل التيارات وكل الاتجاهات ، وكل ايديولوجية قائمة على أسس سليمة ، أصيلة معافاة من التوتر الذهنى والتفكك المنطقي
هذه كلمه بسيطة أقولها لا لانى أريد أن أهاجم من خلالها النزعة الشعرية الجديدة فانا لست بناقدة ولا أريد أن اكون
ولست بصدد دراسة لاى نوع من الشعر ، لا ، انما هي كلمة أقولها دفاعا عن الشعر الجميل الجيد من التمزق بين أيد عابثة

