للريح لسع كالسياط
وللدجي زار مخيف
والشهب تلتحف الغيوم
فضوؤها حذر كسيف
وخلا الطريق فليس
من همس بخاطره يطوف
وعلى الفضاء غمامة
تهمي فيرتعد الرصيف
ويغيب فيها الشارع الوه
اج والقصر المنيف
يا للظلام كانما
للجن فى فمه عزيف
ومضيت تزدحم الرؤى
حولى وتصطرع الطيوف
لقد مضى الشاعر العربى الفذ ) سليمان العيسى ( صاحب هذا الصوت المجلجل والهدير مضي وزحام الرؤى بين عينيه واصطراع الطيوف بين جنبيه . رؤى المشردين من اوطانهم المسلوبة وطيوف البؤساء فى حياتهم
الكئيبة من ابناء قومه ) اسكندرونة و ) فلسطين (
وهذه القطعة الشعرية النابضة بالحياة والحرارة هي قصيدة عنوانها ) على الرصيف ( نقدمها بين يدى هذه الكلمة الحزينة لا لأنها النموذج الرائع من شعر ) سليمان ( او الطراز الرفيع منه . ولكنها الشاهد القوى على نفس الشاعر الحرة وطبيعته الثائرة التى حملت سلاح الشعر فى معركة البعث القومى والانطلاقة العربية . وهي فى مدها الزاخر وزحفها المقدس وسناها الوهاج فكانت النفير المدوى والجرس الرنان . وكان قائلها بحق شاعر القومية العربية بكل ما تحمله من معان وصور
رحم الله سليمانا لكأنما كانت اللغة العربية في قلمه ) الصاروخي ( وشاعريته ) الذرية ( ) قاعدة ( فنية تنطلق منها الألفاط الباسلة والمعاني المكافحة والاسلوب ) المحارب ( قذائف وقنابل تفجر فى النفس
العربية طاقات عليا من الشمم والاباء فتشعل الحمم اللاهبة على ركام الهوان ورواسب الاستخدام لتحيلها هشيما تذروه الرياح .
يطرح الدكتور وهيب الغانم في مقدمة ديوان " الدم والنجوم الخضر ، لسليمان العيسى هذا السؤال :
هل ثمة شعر غير قومي ؟ ويجيب قائلا ) لئن كان الفن تعبيرا عن الحياة منذ أول مظاهره العفوية حتى ادق مراحل الصنع البديهى ان ياتي الجواب بالنفى . فكما تتدخل الفعاليات النفسية العليا فان من البديهى ان يتاتى الجواب بالنفي . فكما ان الانسان لا يستطيع تجاوز حدود جلده فى المكان فهو لا يستطيع ايضا ان يتجاوز حدود البيئة الطبيعية والانسانية ) التى يتأثر بها تأثرا مشتركا مع جميع بني قومه "
وكذلك كان سليمان شاعرا قوميا اصيلا عايش القضايا العربية واحسها احساسا عميقا وعبر عنها تعبيرا صادقا . فما ترن اوتاره ولا يصدح قيثاره الا على اصدائها المدمدمة من الخليج الى المحيط غنى " للعروبة " وهتف " للحرية " وصدح " للقومية " واعطى من قلبه الحر ودمه الزكى واعصابه الحساسية اناشيد صافية . . والحانا رقراقة لم تفسد فنيتها الاصيلة ) المضامين ( السياسية ولم تشوهها المناسبات الاجتماعية فكان وهو الشاعر القومى اكثر التزاما لقواعد الفن وأصوله من وزن وقافية وموسيقى من كل من حاول الخروج عن هذه القواعد
بدعوى الحرية فى التعبير والانطلاق من القيود .
رحم الله سليمانا لكأنما كانت قضية الشعر العربى تبحث عمن يحملها فى محكمة التاريخ الادبي . حتى إذا نطق سليمان قالت - اللغة العربية - ومن ورائها جمهور حاشد من الاساليب والتراكيب والصيغ والمعاني والالفاظ ) وفهمناها سليمان (
وبعد فليست هذه الكلمة دراسة أو تحليلا أو نقدا ولكنها نبضة قلب أحب هذا الشاعر واعجب به فكان من حق قلبه عليه ان ينفس عن اساه البالغ وحزنه العميق لوفاته بقطرة من دمعة يسكبها على قبره تحية ودعاء .
الانتقام
سأل رجل احد الفلاسفة عن احسن وسيلة ينتقم بها لنفسه من اعدائه ، فأجاب : لا تعطهم فرصة يحقدون فيها عليك

