الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "الفكر"

الشعر الغزالى في الميزان

Share

ان المتصفح للاعداد الاخيرة من مجلة الفكر وخاصة منها العدد الثانى والثالث سرعان ما يلاحظ فى تلك الندوات النزاع الموجود بين اتجاهين مختلفين .

الاول : يتمثل فى التحمس للشعر النضالى الملتزم

والثانى : فى الرد على هذا التحمس

وسرعان ما يلفت نظره مثل هذه الاقوال :

" الشاعر الاصيل عندى من يشعر بأن له رسالة فى حياته من غير أن نهمس بذلك فى أذنه .

" الشاعر الاصيل فى عصرنا قوة تبنى وتشيد للغد الافضل "  (1)

أو هذا القول : " وما من شك فى أن هذا الشعر ( يعنى الشعر الغزلى ) جميل ومرغوب فيه مع الإسف الشديد [ . . . . ] . . ولكن المهم عندى هو أن لا يكون الشعر مثيرا وجميلا بل أن يؤدى وظيفة انسانية . . " (2)

أو هذا القول أيضا : " فأمرك الشعراء ( الخطاب موجه الى الطيب الرياحى ) سلوك مسلكك ضرب من الغرور وحمى التيه . . . اذ فى أمرك تحد وافراط فى اجبار الغير على ما لا طاقة له عليه فى ميدان هو للاجبار كالاضافة للتنوين " (3) .

لهذا تعلقت رغبتى فى النظر عن كثب فى الآراء  وفى اعطاء وجهة نظر

يرى الاخر الطيب الرياحى أن أصالة الشاعر تتمثل فى شعوره بالرسالة فى وجوب كونه " صوت نضال ضد الظلم والجوع والفقر " وبصفة أعم بنادى بضرورة تأدية الشاعر لوظيفة انسانية ولهذا السبب ينبغى طرح بعض الفنون الشعرية مثل الشعر الغزلى " لانه عديم الفائدة " ولانه لا يؤدى الرسالة ان لم نقل انه يخل بها .

يقول فى قصيد : " أغنية الفقر . . والخجل " (1)

"ولكني فقير لا أحب الجنس لا أهوى

وأمقت لفظة الحب

دعينى ارسل النجوى

وأحمل طى اعماقى لهيب الثأر والشكوى

ملايين من الايتام فى قلبى

تعيش جميعها تحيا على هدبى "

وفى هذه الابيات القليلة يتجلى بوضوح اتجاهه الملتزم .

وأمام هذه النداء الصريح بضرورة التخلى عن الشعر الغزلى ينهض عدد من الناقدين للرد على تحديه الشعر والشعور معا ومن بينهم الاخ على الطرابلسى فى القولة التى أوردناها سابقا .

ويحتد هذا النزاع كل يدافع عن اتجاهه دون محاولة ارجاع هذه القضية الى طبيعة الادب والشعر العالمى بصفة عامة والادب والشعر العربى بصفة خاصة ومحاولة فهم هذا النزاع على ضوء هذه الطبيعة .

يقول رجاء النقاش فى مقال له تحت عنوان : هل للشعر العربى الجديد فلسفة ؟ (2) مبينا الطابع الذى يتميز به واقعنا العربى :

العلم والتغير الاجتماعى الكبير الذى يطرأ على حياتنا وانتقالنا الحتمى من بيئة زراعية إلى بيئة صناعية وبزوغ الفكرة الاشتراكية فى مجتمعاتنا مهما تفاوت الايمان بها . . كل هذا قد أعطى المرحلة التى نعيش فيها " طابعا واقعيا " فلم نعد نعتمد على الخيال أو الخرافة أو التسليم الغيبى فى تصورنا للحياة فى

مختلف مجالاتها واتجاهاتها ، لم تعد المرأة سحرا ووهما ولم يعد الريف جنة من البساطة والسذاجة والنعيم ولم يعد الفقر والغنى حكمين مطلقين ثابتين لا يمكن التحكم فيهما أو تغييرهما [....] فالمزاج العام لهذه المرحلة هو المزاج الواقعى - ومن هنا كان الاتجاه العميق الى الارتباط بالحياة فى الشعر الجديد "

وفى هذه الفترة الواقعية التى يعيش فيها شعرنا ويترعرع ويتفاعل مع بيئته لم يكن الالتفات الى القضايا الاجتماعية جديدا بالنسبة الينا فقد لاحظناه منذ بداية القرن التاسع عشر ولم يخل منه حتى الشعر الرومانطيقى نخص بالذكر منه فى شعرنا التونسى النزعة الاجتماعية النضالية فى شعر أبى القاسم الشابى .

وقد كان الاتجاه الاجتماعى فى الشعر العربى الحديث من بين الاتجاهات التى تميز بها فكانت اجتماعيات حافظ ابراهيم والرصافى . وقد تطور هذا الاتجاه تحت تأثير الفلسفات الاجتماعية الحديثة ولا يجهل أحد الدور الذى تلعبه الاشتراكية فى حاضرنا لا على الصعيد السياسى والمذهبى فقط بل وفى الميدان الادبى كذلك .

وان الراجع الى تاريخ الشعر العربى قديما وحديثا لواجد شعراء اتخذوا شعرهم وسيلة للتعبير عن مشاعرهم حينا وعن الدفاع عن عصبيتهم القبلية أو السياسية والمذهبية حينا آخر . فمن التعبير عن المشاعر ومن الدفاع عن القبيلة أو الحزب السياسى المذهبى كان الشعر الغزلى وكان الشعر السياسى المذهبى وكان الشاعر العربى القديم لا يستنكف من ذكر مشاعره وتتبعه للجمال بجانب نضاله فى الميدان السياسى أو المذهبى .

وقد تجلت هذه الظاهرة خاصة فى الشعر أيام بنى أمية حيث كثرت الاحزاب السياسية المعارضة للحزب الاموى فازدهر الشعر السياسى خاصة عند الاخطل وعبد الله بن قيس الرقيات وقد كان زبيريا يكره الامويين وكثيرا ما كان يهجوهم لكن تحزبه للزبيريين لم يمنعه من أن يكون من أشعر الغزليين فازدهار الشعر السياسى المذهبى اذن لم يعق ازدهار الشعر الغزلى - والمدارس الغزلية معروفة فى الشعر العربى

واذا نحن رجعنا الى الشعر العالمى فسنجد نفس هذه الظاهرة فارقون Aragon الفرنسى مثلا قد ألف ديوانا بأكمله فى الغزل . . أسماه " الزا " باسم صاحبته فلم تثنه مشاركته فى حروب المقاومة الفرنسية ضد ألمانيا عن التغنى بحبه ولم يثنه تمذهبه للحزب الشيوعى عن ذلك أيضا وعلى من يريد التحقق من ذلك أن يرجع الى شعره .

اذا فدعوة الاخ الرياحى الى الادب النضالى عامة والى الشعر الذى يخدم القضية خاصة لم تكن جديدة بل هى طبيعية اذا نحن وضعناها فى اطارها العام من التاريخ الادبى خاصة والتاريخ الفكرى عامة .

ولا ألوم الاخ لانتسابه الى هذه المدرسة أو تلك بل الذى يلام عليه هو هذا التحمس الذى يؤدى به فى أغلب الاحيان الى الغلو والى عدم تجاوز المدارس الادبية والى اغفال النظر الى حقيقة الادب .

ويمكننا الرد على الاخ الرياحى بأن نقول ان الادب اتجاه وليس توجيها فلنترك التوجيه للميدان السياسى ولا ننس أن الادب هو بحث عن الاعماق ونظرة للوجود وأن الشعر تجربة وخلق أو لا يكون ! وأعتقد أن هذه هى الغلطة الكبرى التى ارتكبتها المدرسة الواقعية سواء كان ذاك فى النثر أم فى الشعر وهى جعل الادب وسيلة لتصوير الواقع حسب مبادئ والعمل على تطوير الواقع حسب مبادئ والى تقييم الجمال والخلق الفنى حسب مبادئ والدعوة الى جهل أو تجاهل بعض القضايا تناستها هذه المبادئ . وهكذا اصبح الشعر وسيلة تخدم بها القضية وأصبح بطريقة لا مباشرة يخدم السياسه ويعتبر الاسس الفنية فيه من نيه الخيال والاساطير والخرافات وهكذا أصبح المعيار الاساسى الذى يقاس به الشعر بصفة خاصة والادب بصفة عامه هو المعيار السياسى الايديولوجى .

ولا يظنن الاخ الرياحى أننى أتهجم على الشعر الذى يخدم القضية فاننى احترمه بل أدعو اليه لنيل مقصده ولتلك الارادة الفعالة فى تحريك المياه الساكنة وفى تفجير السيول العارمة التى تحطم الاشجار الخرافية لتلقى البذرة الحبلى فى اعماق الارض . . وليعلم الاخ أننى احترم بل اؤمن بتلك الثورية وذلك الشعر الثائر الحق تلك الثورية التى تبتعد عن الغلو الناتج عن اندفاع سطحى ونظرة سطحية لطبيعة الادب ومكانه فى التاريخ .

لكن الشئ الذى دفعنى الى اعطاء وجهة نظرى هذه هو ارادة الرد على الغلو فى المناداة بهذا الشعر النضالى ثم مناداتك بضرورة التخلى عن الشعر الغزل لا لشئ الا لانه لا يخدم القضية ! كيف : أيحصر الشعر فى خدمة القضية ؟ أيحصر الشعر فى اعطاء الخبز للجياع والايتام فلنترك هذه المهمة للاقتصاد السياسى !! ولنحاول فى الشعر ان نترجم فى صدق عن تجاربنا سواء أكانت فنية أم فلسفية أم وجدانية أم ما ورائية . أنسيت أخى الرياحى وأنت القائل : ولكنى فقير لا أحب الجنس لا أهوى وأمقت لفظة " الحب " (1)

أنسيت أن هذا الحب هو من أكبر القضايا التى تعترض الضمير الفلسفى المعاصر ؟ بل انه ما انفك يعترض الفكر البشرى خلال التاريخ اذ لولاه لانقطعت الحياة على الصعيد الفردى والجماعى . . والفكرى ولولاه لما عاد أى معنى لقولك .

" ملايين من الايتام فى قلبى

تعيش جميعها ، تحيا على هدبى " (1)

فان قلت لكن حبى للايتام ليس هو حبى للمرأة قلت : أو تعتقد أن علاقة الرجل أو الشاعر بالمرأة لا تكون الا جنسية ؟ فان نعم فما ذهبت اليه خطأ يثبته الواقع النفسى والفكرى فسيظل الشاعر يتغزل بالمرأة وتظل الشاعرة تتغزل بالرجل ما لم يمسخ الانسان ! .

وقد أتساءل أمام موقفك هذا عن السبب الخفى الذى أداك الى اتخاذه بقطع النظر عن " تشيعك " للشعر النضالى وأحاول أن أجد هذه الاسباب فى الشعر الغزلى نفسه اذ أعتقد أن هذا الشعر لم يزل فى أغلبه تقليديا موضوعا وشكلا . ولم يزل الشعراء لم يغيروا نظرتهم للمرأة فأتى الشعر الغزلى بكاء . . وأنينا . . ووصفا " للنهود الثائرة " والتبعة لا ترجع فى هذا الى الشعر الغزلى بل إلى نظرة الشعراء للمرأة والجمال وأنت لا شعوريا قد ثرت على هذه النظرة الجامدة كما ثار ويثور كثيرون مثلك .

وهل حاول المنادون بضرورة وجوده الشعر الغزلى النظر فى هذه القضية ؟ ... سؤال اترك الاجابة عنه للذين ينادون بضرورة وجوده .

وأود قبل الانتهاء من بسط هذه الخواطر أن ألقى سؤالا على الاخ الرياحى ان سمح " ألا تعتقد أن هذه النزعة الواقعية فى أدبنا ما هى الا ظاهرة اجتماعية فكرية وثقافية وجدت فى فترة تاريخية معينة وانعكست فى الادب وخاصة منه فى الشعر ؟

وقد تخلق فترات تاريخية أخرى نزعات قد تختلف تمام الاختلاف عن هذه النزعة ومن المعلوم أن ظاهرة التبدل والاختلاف لا تنحصر فى الادب بل تتعداه إلى الميدان الفكرى الحضارى وما الادب الا مظهر من مظاهر الحضارة المتعددة لذا اعتقد أن الادب لا يكون أدبيا حقا الا اذا استطاع التحرر من قيود المدارس واجتياز الموقف الذى يوجد فيه للسيطرة عليه وفى السيطرة على الموقف تتمثل القدرة على الغوص فى روح العصر ثم التطلع الى المستقبل والتنبؤ به سواء كان ذلك فكريا أو أدبيا .

وما الادب الا سبر للاعماق . . وتنبؤ : وما الخلق الادبى والفنى الا مقدرة على تجاوز الحدود . . وتمزيق الحجب .

اشترك في نشرتنا البريدية