يقول الفيلسوف الفرنسي " هنري برجسون " : " الوجود يعني التغيير ، والتغيير يعني النضج ، والنضج يعني الإستمرار في تجديد الذات وخلقها إلى ما لا نهاية " بمثل هذا القول أبدأ مناقشتي لمقال بعنوان : " الشعر الغزلي في الميزان " للأخت فضيلة الشابي تفضلت بنشره مجلة الفكر في عددها الخامس ، فيفري 1969 وقد حاولت فيه الكاتبة الرد على " تحمسي للشعر النضالي " ورفضي للشعر الغزلى بلغة مهذبة وروح نقدية واعية وتجرد كامل مما جعل المقال يختلف كثيرا عن الردود والمقالات السابقة التى خاضت نفس الموضوع . . . وتقول الاخت أن الذي دفعها إلى إبداء وجهة نظرها هو " الغلو الذي لمسته في مناداتي بهذا الشعر النضالي وبضرورة التخلي عن الشعر الغزلي " وهي لعمري ملاحظة وجيهة لا يمكن لي التنكر لها والتخلص منها . . .ولعل مرد ذلك الغلو الذي اصطبغت به قصائدي هو الظرف الذى قيلت فيه ، إذ أني كتبتها جميعا على فترات متعاقبة كنت فيها تحت تأثير موضوع واحد وفكرة واحدة الامر الذي جعلني أكتب بحرية كاملة وأفرغ مشاعري التي كانت كالخيل المكبوتة التي أطلق سراحها فاندفعت تركض في كل الإتجاهات . . . أقول هذا بكل صراحة ملفتا نظر الاخت إلى أنني لست ممن تستهويهم المدارس الادبية كما قالت ولا أنتمي ولن أنتمي لواحدة منها فأنا من هذه الناحية متسكع لي مبدئي الخاص واتجاهي الخاص ومواقفي الخاصة
من كل ما يجري حولي ويجد في عالم المادة . . . وأنا كمتسكع أدبي لم يعد يرضيني بقاء الشاعر العربي في ميدان الذاتية مخدرا " برضاب الغيد " أو " مقبلا أقدامهن في العود وفي الرحيل " أو " مبحرا في عيونهن " . . . لم يعد يرضينى ركوع الشاعر أمام الجنس أو تكالبه عليه . . . لم تعد ترضيني المناجاة والسفسطائية والعبث والزيف . . . لم تعد ترضيني الرجعية . . .
ولست أجهل " أن الادب اتجاه وليس توجيها " ولكن عصرنا عصر العلم والتكنولوجيا يفرض علينا توجيه العواطف الخسيسة كما توجه الآلات وتعديلها تماما مثلما يفعل رئيس الدولة عندما يوجه الفرد الوجهة الصحيحة الناجعة ويرشده سواء السبيل إذا ما لاحظ خللا في تصرفاته داخل المجموعة . . . ولتعلم الاخت فضيلة الشابي والقارىء الكريم بصفة عامة أن اتجاهي هذا من أعمال السخط والتحدي للعواطف البالية والكليشيهات الجاهزة . . ثم هو رفض لوضع تاريخي وراثي لم يعد يتلاءم مع الواقع الحياتي للفرد وما يتطلبه هذا الواقع من يقظة تامة وعمل انتحاري متواصل حتى يغير ما به تغييرا جذريا ويدرك حقيقة الحضارة التي لا يمكن لها أن تقوم في عالمنا العربي إذا بقي الروم الجنسي ينهش حياتنا وجماجمنا " كما يقول نزار قباني في ديوانه الاخير " يوميات امرأة لا مبالية " هذا الشاعر الإنسان الذي غير اتجاهه تماما إثر هزيمة 5 يونيو 1967 وأصبح عمله يتمثل في التفتيش عن مواطن الداء في جسم الإنسان العربي ؛ ولقد اتضح له فيما بعد أن الجنس " أكبر همومنا على الإطلاق " ولذا وجب علينا " أن نكسر خرافة الجنس والنظر إليه نظرة حضارية
وعلمية " وفي رأيه انه " لن يكتب لنا النصر أبدا ما دام فكر الرجل العربي يمضغ كالجمل غلافات المجلات العارية ويعتبر جسد المرأة منطقة من مناطق النفوذ والغزو والفتوحات" . . . أليس من الإستهانة بوجودنا أن نبقى نقول الشعر الغزلي و " نتفنن " في تجميله حتى يحفر أعصاب العميان ويزيدهم عمى على عمى . . . الإنسان العربي متخلف جدا مهما ادعى المدنية والتقدم ومهما أقيم في بلاده من معامل . . . الإنسان العربي بحاجة إلى إصلاح نفسه وتعديل عواطفه قبل أن يمسك الفأس ويدخل المنجم . . . الإنسان العربي بحاجة إلى قتل الشعر الغزلى وقتل الرجعية فيه . . .
هذه نزعتي منطلقها الواقع ومحورها الإنسان وهدفها سعادته . . . وهذا موقفي من الشعر الغزلي الذي لم تعد له أية فائدة في عصر الآلة . . . الشعر الغزلي ذلك " البنج " الذي مازال يستعمله البعض لتخدير الاعصاب . . . وهي نزعة وموقف خلقتهما الفترة التاريخية الحاسمة التي يمر بها الإنسان العربي . . . وإذا ناديت بالشعر النضالي وبضرورة التخلي عن الشعر الغزلي فليس معنى ذلك أن الشعر النضالي قادر على توفير الخبز للجياع ولا هو خاتم سحري بإمكان الرجل العربي أن يديره " فتصب المطر بالكسكسي والعصبان " لا والله وإنما قدرته تتجلى في الدفع والحث على القضاء على الجوع والامراض النفسيه واستئصال الطحالب الحقيرة من الارض حتى نضمن للأجيال العربية المقبلة الحياة ورغد العيش . . .
وقد ختمت الاخت فضيلة الشابي مقالها بتعريف للأدب هو من أدق ما قرأت إذ تقول : " وما الادب إلا سبر للاعماق وتنبوء " ، ولست أدرى لماذا أقدمت الاخت الكريمة على معارضة اتجاهي وهي تؤمن بهذا كله وتؤمن بأن الخلق الادبي " مقدرة على تجاوز الحدود وتمزيق الحجب " . . . الله أعلم . . ط . ر .
