الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

الشعر الغنائي الاندلسي، وظهور الشعر الغنائي "الروماني"

Share

-2-

3 - حول وجود شعر غنائى " رومانى " سابق للموشحات * الخرجات الرومانية لا يمكن ان تكون من خلق الشعراء العرب :

لقد

استطاع " نيكل " ان يؤكد - وانى لأميل مع هذا الى التخفيف من رأيه وحكمه - أن ابن قزمان  ورفاقه " كانوا بدون شك يفهمون شيئا من هذه اللغة " الرومانية " ، غير أن الذى يعلمونه منها لم يكن يتعدى ما كان يعرفه الكاتب " سرفانتاس " Cervantes ,من العربية او " لوب دى فيقا "Lop de Vega  من لغة " الفلامان " flamand وان كانت مؤلفاتهما تتضمن بعض جمل من هاتين اللغتين " (1). الا اني أرى ان هذا القول غير صحيح فيما يخص الخرجات " الرومانية " . فهى تحمل حقا آثار امتزاج قوى وثنائية لغوية عميقه . وقد كان الشعراء العرب يدخلون عليها بدون شك تغييرات قبل ا.ستعمالها ، فتبدو فيها آثار التغييرات الناشئة عن الرواية الشفاهية أو الكتابية لكن:

1 )هذه الخرجات ليست مجرد مفردات مقتبسة مضمنة ترمى الى اكساب القطعة لونا محليا أو صبغة غريبة بعيدة عن المألوف . وليست هذه الخرجات مجرد خلط لا معنى له ، رغم ما نجد من مشقة فى التنقيب عن معانيها . انما هى مبتكرات رقيقة ، وليدة فن مستقل ، لا تخلو ابدا من الجمال ، تتضمن من اللطف وخالص الصفاء قدرا يجعلها ما تزال تطرب نفوس المستمعين الاسبان المتفننين فى هذه الصناعة اذا ما كانوا يحنون الى تقاليدهم ولغة آبائهم .

2) وهذة الخرجات تعبر فى أغلبها عن روح غنائية مليئة أنوثة تخالف حقا روح الشواعر العربيات ذوات الشعر الجزل القوى . ونغمة هذه الخرجات قد احتفظت برقة الاصوات المؤتلفة المتوافقة الموروثة عن الامهات والاخوات_

وكانها صوت الفتاة البكر الغر - وانا لنرى فى هذه الخرجات ملامح بيئة اجتماعية وجو ثقافى يختلفان تماما عن بيئة العرب وجو ثقافتهم .

اما من يقول بان الخرجات قد وقع ابتكارها من طرف الشعراء العرب فانه يصطدم بعقبة كأداء . فاما ان يكون هؤلاء الشعراء قد وهبوا خيالا بديعا نادرا فاستطاعوا أن يبعثوا أساليب حياة غريبة تماما عن اساليب حياة جنسهم و مجهولة في كامل آدابهم ، فجاؤوا بها فى منتهى الروعة وغاية الأصالة . واما ان يكونوا نسجوا على منوال مسيحى وطريقة نصرانية قديمة العهد ومعنى هذا الاعتراف بوجود شعر غنائى " رومانى" سابق لشعرهم . لان هذه الخرجات _ وان كانت لا تندمج فى هذا الشعر الغنائى " الرومانى " - فهى على الاقل اثر له وصدى منه . ولسنا فى حاجة الى القول بان كلا من الرأيين السابقين يفترض عند هؤلاء الشعراء وجود حساسية غنائية ذات روح أوروبية , واقتدارهم على الخلق والابداع فى لغة غريبة عنهم . وليس من الطبيعى ولا من المنطقى أن يصل هؤلاء الشعراء (من هذه الحساسية وهذا الاقتدار ) الى القدر الذي نراه فى الخرجات .

* وجود خرجات سابقة للموشح يؤدى بنا الى طرح اسئلة ثلاثة :

انى اعلم كثرة الاسباب الداعية الى تأكيد وجود شعر غنائى سابق للموشحات بالاندلس ، علمى بكثرة الاسباب التى تدعو الى نفى هذا الشعر . و أعترف انى لن انفك اميل الى تأكيد وجود هذا الشعر السابق للموشحات ما لم يقم دليل قاطع عل خطا هذا الرأى . وسوف اعرض الآن بالبحث لمسائل ثلاث هامة متينة الصلة بمشكلنا الذى نحن بصدده ، وغايتى من هذا العمل أن احتج لرأيى واركزه على أسس ثابتة .

* هل كانت الخرجات موجودة قبل ظهور الموشحات ؟

هذا هو السؤال الاول : هل يمكن ان نقيم البرهان على وجود الخرجات قبل وجود الموشحات ؟

انا نجيب بالنفي في كثير من الاحيان - وتكون الاجابة فى هذه الحال تعتمد غالبا على أمثلة مما اشرنا اليه وسميناه " بمحاوله العودة الى الكلاسيكية " (2)  كما نجيب أحيانا أخرى بالايجاب فى أمثلة أخرى نعتبرها شواهد من نزعة الوفاء للتقاليد وللصناعة الفنية " الرومانية " القديمة .

وبقطع النظر عن نص ابن بسام - الذي كنا أوردناه آنفا (3)_ فهذا بعض ما نحتج به لرأينا :

- أ - اذا نظرنا الى المسألة من الوجهة النظرية ، فليس يوجد ما يمنع الشاعر من استعمال خرجة يستعيرها من غيره . فابن سناء الملك يشير الى هذا الأمر بقول صريح (4)- وهو وان لم يدرك التطور التدريجى فى التاريخ الا انه وارث تقاليد عريقة فى هذه الصناعة .

- ب - اما فى ميدان التطبيق العملى - وهذا يؤكد تلك التقاليد النظرية - فانا نرى عددا من الشعراء لا يتورعون عن استعمال مثل تلك الخرجات . وابن قزمان نفسه يستعير خرجاته من ابن بقى أو من الاعمى التطلى . وهو لا يصرح دائما بهذا الأمر الا انه يعترف بذلك من حين لآخر ، كما هو الحال فى الزجل رقم 52 (من الديوان ) حيث يقر بان خرجته - أو مركزه - مأخوذة من " القديم " :

" وتراه عندى من قديم مرفوع "

- ج - وان توارد شعراء عرب مختلفين أو شعراء عرب من ناحية وشعراء يهود من ناحية اخرى على استعمال خرجة بعينها ( سواء كانت رومانية أو غيرها ) لحجة تؤكد هذه العادة عندهم . فهل كان كل هؤلاء الشعراء يعمدون الى السرقة والنقل بعضهم عن بعض ؟ الم يكونوا بالعكس ينهلون من نفس العين ويأخذون من نفس التراث المشترك المشاع ؟

- د - ان الخرجة لا تتلاءم أحيانا مع الطابع الغالب على القصيد حتى انه لا يمكن تفسير وجه اقحامها فيه الا اذا قبلنا القول بان العادة قد اصبحت أن يختم الموشح بقفلة  copla  مستمدة من التراث الشعبى . ولنا في ذلك مثالان من عصر متأخر نجدهما فى شعر ابن خاتمة ( من شعراء القرن الرابع عشر بعد الميلاد ) . وقد ذكرتهما فى بحثى المنشور فى " الدراسات المهداة الى مينندز بيدال " ( ج 2 ، ص 405 ) وهما يوضحان فيما اعتقد هذه الطريقة

_ه_ ثم ان الخرجة تبدو أحيانا غير معقولة بل انه لا يمكن قبولها من الوجهه النفسانية ، إذا لم نسلم بوجودها قبل الموشح مستقلة عنه . فلنأخذ الموشح رقم 34 المنسوب الى الاعمى التطلى فى كتاب دار الطراز . فالموضوع مبتذل : شاعر يتغنى بتولى ملك جديد ، وعليه ان يشير الى موت الملك الراحل . وهو موقف يدعو الى قدر كبير من اللباقة والحنكة ، فكيف يخرج الاعمى التطلى من هذا المأزق ؟ انه يشخص المملكة ويجعلها تقول :

"واش كان دهانى     ياقوم واش كان بلانى     واش كان دعاني نبدل حبيبى بثان "

فهذه الخرجة تكون _ ان نحن افترضنا ان الأعمى هو الذي ابتكرها من

عنده - خالية من كل صدق نفسانى . وليس لها الا تفسير مقبول وهو ان الشاعر يسرد اغنية شعبية يعرفها الجميع ، وردت على لسان غادة لعوب .

- و - بقى ان نتعرض الى المشكلة من الوجهة الفنية الصناعية ، فان الخرجة تحمل آثار التغييرات التى ادخلها عليها الشاعر عند ما كان يعالجها ليجعل منها مركزا لموشحته باضافة قواف داخلية أو حذف قواف موجودة واختصار الفقرة الرباعية مثلا فى بيتين أو بزيادة عدد يختلف من الابيات . وهذا الأمر يشير - فى رأيى - الى وجود الخرجة قبل الموشح .

- ز - من المعلوم ان قافية (اى ) - وهى من خاصيات المضارع فى اللغة الاسبانية - كثيرة الوجود فى الخرجات . فاذا كان الموشح مختوما   بخرجة على هذه القافية فانه يجب ان تكون قوافى كل الاقفال على هذا الشكل . مما يضطر الشاعر الى تحمل مشقة البحوث اللغوية العسيرة . وبعد أفلا يحق لنا أن نقول بوجود الخرجة قبل نظم القصيد اذا ما كان فى الموشح قافية من شكل ( اى ) ؟

- ح - ثم انا اذا ذهبنا الى ان الموشح متفرع عن التسميط فى شكله وهيكله فلا مناص من أن نلاحظ ان ترتيب القوافى المشتركة فى الموشح على شكل ( أ - ب - ج ) مخالف لتقاليد الصناعة الشعرية العربية . ونحن نفسر هذا التركيب فى القوافى بوجوب نسج القصيد على منوال خرجة سابقة مركبة على هذا الشكل ( أ - ب - ج ) مع وجود تلاؤم صوتى بين القافية (أ ) والقافية ( ج ) ، أو بين القافية ( ب ) والقافية ( ج ) . وبما ان هذا التلاؤم الصوتى غير معروف في العربية فقد اضطر الشاعر الى بناء القوافى المشتركة فى القصيد على شكل ( أ - ب - ج ) البعيد عن التسميط كل البعد .

- ط - والتلاؤم الصوتى الغريب عن التقاليد العروضية العربية يظهر بكل وضوح فى الخرجات . ونحن نذكر ان ستارن قد نشر خرجة  ( Gorid vos , ay yermanellas )نجد فيها تقفية تعتمد التلاؤم الصوتى بين   ( male ) و ( demandare ) ومثل هذا كثير . وسنتتعرض الآن الى دراسة وزن الموشح .

أوزان الموشحات :

اما السؤال الثاني : فهل اوزان الموشحات وبالتالى اوزان الازجال , قائمة على عدد المقاطع كما هى الحال بالنسبة الى الشعر " الرومانى " ، أم هى تعتمد على مقدار طول المقاطع وتوالى الحركات والسكنات كما هو الأمر فى الشعر العربى الكلاسيكى ؟

وقد طال النقاش حول هذا السؤال وتركه العلماء الآن بعد أن اجمع الاخصائيون - أوكادوا - على تبني الرأى الثاني . فقد سلك هارتمان هذا

المسلك ونحا نحوه فى ايامنا ( نالينو ) و ( نيكل ) و ( كولان ) و ( ستارن ) و ( هو نرباخ ) و ( ريتر ) وغيرهم . . فانحازوا الى هذا الرأى فى بحوثهم . بينما عارض هذا الرأى ( البارون دى شاك ) و ( ريبيرا ) - والأول عالم فى اللغة والآداب الاسبانية والثاني اسبانى ، وكلاهما يمتاز بمعرفة دقيقة للصناعة الشعرية الاسبانية - فذهبا الى ان اوزان الموشحات تقوم على عدد المقاطع لاغير

وقد كانت الاوزان العروضية فى الشعر الرومانى - وبالتالى فى الشعر الاسبانى - مخالفة دوما للاوزان الكلاسيكية القائمة على التفريق بين المقاطع القصيرة والمقاطع الطويلة ، كما كانت تخالف عروض الشعر اللاتينى . فيجب اذن ان تكون هذه الخرجات الرومانية - اذا اعتبرناها سابقة للموشحات - تخضع لاوزان شعرية تعتمد على عدد المقاطع - مثلما كان يراه ( ريبيرا ) - لا لاوزان العروض الكلاسيكى ، عربيا كان أو لاتينيا . فهل نستطيع اثبات هذا الرأى مناقضين فى ذلك قول الكثرة من أساطين الاستشراق الاوروبى ؟

اعتقد انا نستطيع ذلك . فلنستمع الى ابن بسام من كتاب القرن الثاني عشر م . يقول : " وأوزان هذه الموشحات خارجة عن غرض هذا الديوان ، اذ اكثرها على غير اعاريض اشعار العرب " (5 )

ويتضح من هذا النص ان الخرجات ، والموشحات طبعا ، قد نظم أقدمها ، بدون شك ، على اوزان تعتمد على عدد المقاطع فحسب

ونحن نزداد يقينا برجوعنا الى ابن سناء الملك - وان كانت تعوزه النظرة التاريخية العلمية فانه حجة فى ميدان وزن الموشحات - وهو يقول: "و الموشحات تنقسم قسمين : الاول ماجاء على اوزان اشعار العرب ، والثانى ما لا وزن فيها ولا المام له بها " (6 ) وهذا القول فى غاية الوضوح ، ومن العجيب ان هذه الملاحظات لم تلفت اهتمام احد من الباحثين . بل وان ابن سناء الملك سرعان ما يعقب على هذا الكلام فيقول : " وهذا القسم ( الثاني ) منها هو الكثير والجم الغفير والعدد الذي لا ينحصر والشارد الذى لا ينضبط " (7) وأود ان تتاح لى يوما فرصة تفسير كامل هذه الفقرة وتحليلها فانها قد تعين على تفهم صعوبة الاتصال بين مختلف الثقافات .

ولننظر الآن الى ملاحظات ابن سناء الملك نظرة التطور التاريخى التى وقف المؤلف دونها : فالموشحات الأولى التى كانت مركزة حول خرجة " رومانية " كانت تخضع لاوزان قائمة على عدد المقاطع لا على مقدار طول المقاطع وقصرها كما هو الشأن فى الشعر العربي الكلاسيكى . وفي عهد متاخر نسبيا نظم الشعراء موشحات على الاعاريض العربية - وقد ذكر ابن بسام انها قلة بالنسبة الى غيرها - وقد يكون السبب في رجوعهم الى الأوزان

العربية عجزهم عن فهم الاعاريض القائمة على عدد المقاطع فحسب - وابن سناء الملك نفسه حجة بينة على هذا العجز - أو محاولتهم ارجاع الموشح الى حظيرة اللغة "الرفيعة " والاوزان العربية القديمة .

ولكنا لا نجد فيما أعلم - موشحا واحدا منظوما على وزن مثل الكامل أو الوافر - وهما من اكثر البحور استعمالا فى الشعر الكلاسيكى - من الاوزان التى تفكك التساوى فى المقاطع فتعوض مقطعين قصيرين(UU) بمقطع طويل ( - ) ( 8 ) :

فالموشحات - مهما كان نوعها - تخضع دوما لتساوى المقاطع ، وهذا يؤكد رأينا في أن اوزان الموشحات الاصلية كانت قائمة على عدد المقاطع فقط . فبعض الموشحات تخضع بدون شك للاوزان العروضية العربية المعروفة - و هذا لا نراه فى أى زجل فى اعتقادى - وهى الموشحات التى تخضع لبحور قديمة معروفة دون غيرها . وباستثناء هذه الحالات ، فان كل محاولة للتوفيق بين القطع المنظومة وأوزان محدثة مخترعة ، أو صور عروضية مشكوك فيها، هي عندى مصطنعة واهية . ومن الواضح ان الخط العربى او التخلى عن اعراب أواخر الكلمات تخليا كاملا - خاصة فى الزجل - يمكن من الحصول على تراكيب شعرية مقبولة فى الظاهر ، لا تخلو من خلل وتحويرات متفاوتة الشذوذ . لكن الاسبان يستطيعون أيضا محاوله جعل المقاطع الشعرية القشتالية اوزانا توافق الاوزان اللاتينية فى طول مقاطعها وقصرها : وانهم بالغون ذلك الى حد ما إذا تكلفوه تكلفا .

ونقول في الخلاصة انا ، اذا استثنينا بعض القصائد الوفية للاوزان التقليدية القديمة الكثيرة الاستعمال ، نجد ان أبيات معظم الموشحات - أبيات كل الازجال بدون شك - يمكن ان تقاس بعدد مقاطعها فحسب . وما من  صعوبة فى هذا الصدد سوى تأكيد الصوت على المقطع الأخير ، ذلك ان هذا المقطع الأخير ، فى الاسبانية Aguda يساوى مقطعين مثلما نرى ذلك فى كلمة Fin في البيت : ( De todo lo naciodo soyel  fin  ) وهذا الموضوع يتطلب دراسة أعمق لكنى افترض ان نتائج هذا البحث ستكون موافقه للنظرية التى أناصرها وانها ستؤكدها تأكيدا بينا . واستطيع ان أقول فى الوقت الحاضر إلى قد وصلت - بعد دراستى لمئات من الموشحات والازجال - الى نتائج أرضى من النتائج المبنية على تطبيق اوزان شعرية كلاسيكية مزعومه ، لو استعمل في ذلك سوى طرق بسيطة مثل عد المقاطع وتدقيق موقع الضغط الصوتى من البيت اعتمادا على معرفة لغتنا الاسبانية معرفة لا تعدو الاحساس الغريزى .

(يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية