حين نتحدث عن الشعر الفلسطيني المقاتل ، فإن علينا أولاً أن نحدد تخوم هذا الشعر وسماته وهويته ، حتى لا نضيع وسط ركام الشعر الفلسطيني الذي ظهر في السنوات الأخيرة.
فليس كل من كتب عن القتال والمقاتلين بصاحب شعر مقاتل . . الشعر المقاتل يولد في خنادق النضال ، مُعمَّدًا بالنار والخوف والاقتحام ، لأنه يتحمّل مسؤولية الدم ويشارك فيه بالوعي والبندقية .
ذلك الشاعر المترف الذي يهتف : (أسودَ العرب هُبُّوا للنضال)
ثم يتلفظ بإعجاب جرس الكلمات الضخمة وينام مُطمئنًا هو شيء آخر غير شاعرنا عبد الرحيم محمود الذي يهتف :
سأحمل روحي على راحتي وأُلقي بها في مَهاوي الردَى
ثم يتنكب سلاحه ويمضى ليُستشهد في معركة الشجرة . غير أننا سنسقط في التعميمات المسطحة إذا قلنا: إن كلَّ من قال الشعر في ميدان القتال ، فإنه يقول شعرًا مُقاتلاً . قد يكون شعرًا حماسيًّا ومخلصًا وموزونًا غير أن ذلك شيءٌ والشعر المقاتل شيءٌ آخر .
وقبل أن نتحدّث عن سمات هذا الشعر علينا أن نوضح مسألة هامة ، وهي أن الشعر المقاتل ليس فقط شعر المقاتلين .
إن الشعراء المناضلين الذين يحتضنون هموم الجماهير وأشواقها وتطلعاتها ، ويتعرّضون للسجن والموت والاضطهاد من أجل الكلمة المناضلة المغيّرة يكتبون شعرًا مُقاتلاً أيضًا : ناظم حكمت ، لوركا ، نيرودا ، إيلوار ، برخت،
الجواهري، أحمد فؤاد نجم ، محمود درويش ، سميح القاسم وغيرهم وغيرهم .
إلا اننا سنقتصر في الحديث هنا على الشعراء الفلسطينيين الذين يناضلون في صفوف الثورة الفلسطينية .
السمات الأساسية للشعر المقاتل أولاً - في البناء الفني :
إن أول شروط الشعر أن يكون شعرًا . وذلك يعني أن تستوفي القصيدة مكوناتها الفنية الأساسية من حيث الموسيقى والإيقاع وجرس الكلمات والتراكيب . ولن ندخل هنا في مناقشة حول مسألة الشكل العمودي أو الحديث ، فهذه مسألة حسمتها الحياة الفنية نفسها بالاضافة إلى أن الشكل أمر لا ينفصل عن المضمون . ومضامين الشعر المعاصر استتبعت بالضرورة عملية تغيير في الشكل . وعلينا أن نُنبه هنا إلى أن غنائية الشعر وقوافيه وإن لم تكن من المستلزمات الفنية للشعر المعاصر ، إلا أنه على الشاعر أن يلاحظ بأن الأذن الموسيقية للجماهير قد اعتادت طوال أكثرَ من ألفَيْ عام على نوع محدد من النغمات الموسيقية المقفّاة وهذا الوضع يتعارض نسبيًّا مع المستلزمات الفنية للقصيدة الحديثة . غير أن الاستجابة للنواحي الفنية البحتة وإهمال التأثير الغنائي والمقفَّى يضع عازلاً بين الجماهير وبين الاستجابة للشعر وبهذا يفقد الشعر المقاتل واحدة من أبرز سماته ، وهو التأثير بالجماهير والتفاعل معها .
ولقد وُفِّقَ العديد من شعرائنا في إحداث الانسجام والتوافق بين مستلزمات القصيدة الفنية وبين دورها الجماهيري ..
وسنحاول توضيح هذا الجانب من خلال قراءتنا لقصيدة " العودة إلى كربلاء " لأحد شعراء الثورة أحمد دحبور.
يا كربلاء وأنت جارحة وصعبة
آتيك بالفرح الجريء وما حسبتُ الحربَ لُعبة
آتٍ ولو كره السُّعاة إلى الخيول بلا فوارس
والسيوف بلا صليل
أودعتهم موتى وأرّخت الحياة لكل جيل .
هذا زمان يَكْبُرُ الفقراء فيه فيَقْتلون ويُقتلون .
هذا زمان للبطولة أو لمن شاء الجنون.
هذا زماني فاشهدي.
جسدي يرد إليك حربه .
ولديك ذاكرتي افتحيها تغلقي زمن العويل.
ليس الوصول إليك معجزة . .
وكنتِ خطوتِ فانهدم الجدار المستحيل
وظهرتِ ، فاتسعتْ خطاي
وأنا هنا فرحي معي ، ومعي الهدايا والشجون
آتٍ ويسبقني هوايَ
آتٍ وتسبقني يدايَ.
آتٍ على عطشي وفي زوادتي ثمر النخيل.
فليخرج الماء الدفين إلى ، وليكن الدليل.
واضح في هذا المقطع من القصيدة كيف يحقق أحمد دحبور انسحامً رائعًا ومتقدمًا بين إيقاع القصيدة العربية القديمة وبين الشعر الحديث ، وذلك من خلال التتابع الفني للقوافي البسيطة دون إقحام ، ومن خلال الاستفادة من هذا النغم الغنائي واستخدام المفردات والتراكيب المتجانسة والمتداولة .
تتألف هذه القصيدة من أربعة مقاطع شعرية تضم 47 بيتًا من الشعر تتقاسمها القوافي التالية :
الياء ) هواي . . يداي . . عِداي . . إلخ ( 14 قافية) اللام (النخيل . . القتيل . . . العويل إلخ ( 18 قافية الباء والهاء ) الأحبه . . ذئبه . . كعبه) 8 قوافي الواو والهاء (الوجوه . . امسكوه . . توجوه) 4 قوافي النون (يقتلون . . الجنون . . السجون) 3 قوافي
المجموع : 47 قافية ، وهكذا لم تشذ قافية واحدة من القصيدة . . ليس ذلك فقط بل إن توزيع القوافي على امتداد القصيدة لا يحقق فقط الموسيقى وعذوبة الوصول إلى القافية التي سبق وإن اعتادتها الأذن ، إنما يحقق فوق ذلك ربطًا مُحكمًا للحالة النفسية والذهنية لمجموع القصيدة في تنوع مواقفها .
ولا يتوقف الأمر على الجوانب الفنية التي سبق أن ذكرناها في هذه القصيدة ، وإنما هناك ما يمكن أن نسميه بالأسلوب الذي يستفيد من تراثنا الشعرى . . أحمد دحبور في مطلع القصيدة يؤكد قدومه إلى الأرض.
آتٍ ويسبقني هواي
آتٍ وتسبقني يداي
آتٍ على عطشي...
. . ثم يؤكد في نهاية المقطع الأول:
فأتيت يسبقني هواي
. . ثم يعود في نهاية المقطع الثاني ليؤكد :
وأتيت تسبقني يداي . .
وفي المقطع الأخير الذي أوردناه كاملاً في البداية نجده يعاود التأكيد مُجدَّدًا : ٠٠
آتيك بالفرح . .
آتٍ ولو كَرِهَ السُّعاه . . .
. . ليعود في النهاية ليثبت هذا الوصول كما بدأه في المقطع الأول في بداية ثلاثة أبيات متتالية . كما نستطيع أن نلاحظ أسلوب التكرار والتثبيت في نفس المقطع باستخدام (هذا) فى بداية ثلاثة أبيات متتالية . . وهكذا . .
إن حديثنا عن البناء الفني للقصيدة في الشعر المقاتل لا يستهدف وضع وصفات جاهزة لهذا الشعر ، إنما يستهدف تلمس السمات الفنية التي تبتكرها عبقرية الشاعر وصياغة هذه السمات وتقنينها وإبرازها والعمل على تطويرها مُجدّدًا .
وهذا بصورة عامة هو دور النقد الفني الذي يأتي تابعًا زمنيًّا للعمل الفني، ثم لا يلبث أن يضع أصوله ليعاود من جديد التأثير فيه . وهكذا دَوالَيْك بحيث تتطوّر وتنمو الحركة الشعرية والنقدية أيضًا .
ثانيًا - في المضمون :
السمة الثانية من سمات الشعر المقاتل ، كما يمكن أن نتلمسها في مضمون هذا الشعر ، نستطيع أن نجدها في الموضوعات التى تختلف جذريًّا عن موضوعات الشعر القديم : المديح ، الوصف ، الرثاء ، الهجاء ، الغزل إلخ . . وهذا أمر طبيعي في تلك المرحلة . ولهذا فنحن حين نريد أن نفهم ونحلل شعرنا المعاصر ، فإن أول ما نحتاجه هو فهم جملة التغيرات الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية الجديدة ، كما نحتاج إلى فهم طبيعة المرحلة وخصوصيتها ، وكل ذلك له تأثيره الكبير على الفنان أو الشاعر ، وعلى المهمات النضالية التي عليه أن يتصدَّى لها .
إن طبيعة المرحلة النضالية التي تجتازها بلادنا ، هي مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية من أجل تحرير الأرض والخلاص الوطني ، ومن أجل الوحدة والتقدم فوق الساحة العربية.
والشاعر بقدر وعيه واستيعابه لطبيعة المرحلة وبقدر إمكانياته على التعبير عنها ودفع الجماهير وتحريكها نحو إنجاز مهماتها المرحلية يكون ابنًا شرعيًّا لنضال هذه الجماهير.
وفي الأعمال الشعرية المقاتلة لا بد أن تتوفر خصائص أساسية يمكن إيجازها كما يلي :
أولاً : أن يكون هذا الشعر شهادة على العصر . وهذا لا يعني أن تُنقل الأحداث فيه بطريقة فوتوغرافية . ذلك أن كل حدث مرتبط بجملة متشابكة من العلاقات والمؤثرات التاريخية والمعاصرة . والشهادة هنا لا تعني أيضًا امتلاك القدرة على فهم الحدث بسياقه الظاهري أو السطحي ، إنما تعني فهم جوهر الحدث وحركته وعلاقاته.
ثانيًا : أن تمتلك هذه الأعمال الشعرية القدرة على تحريض الجماهير ودفعها إلى مواقع ومواقف أكثر تقدمًا وأكثر إيجابية وفعالية مع الحركة الثورية .
ثالثًا : أن تتميز هذه الأعمال بالفهم الواعي لحركة التاريخ والأشياء لتكون قادرة من خلال هذا الفهم على استشراف الغد والتبشير به ، ورسم صورته الأجمل لتستقطب وتُحرّك الجماهير نحو هذا الغد .
إن امتلاك الشعر لهذه الخاصية المميزة من أكثر الأمور دلالة على مدى ما يستطيع الشعر المقاتل أن يقدمه لنضال المرحلة . ولأنه في هذا الإطار لا يكون قد استوعب حركة التاريخ الحتمية والنضال الإنساني الدؤوب من أجل المستقبل الأجمل ، بل ويكون كذلك قد امتلك بُعدًا إنسانيًّا تقدُّميًّا يُعطي للفن قيمته الخالدة على امتداد الأمصار والأجيال.
ومن أجل أن يكون الشعر شعرًا مُقاتلاً وعظيمًا فلا بد أن تتمثل به مستويات ثلاثة :
1 - الشخصية
إن كل عمل فني أو شعري لابد أن يحمل ويعبر عن خصوصية صوت صاحبه ، بحيث يمكن للناقد أو القارئ المطلع أن يتعرف على صاحب العمل الشعري ، حتى بدون أن يقرأ اسمه أو توقيعه عليه .
إن هذه الخصوصية هي التي تميز الفنانين العظام في العالم والتي بدونها يخرج صوت الشاعر باهتًا أو تقليديًّا لا يُضيف شيئًا حقيقيًّا إلى التراث الفني أو الشعري الإنساني.
سواعد شعبي بغنيوة حنين مرة
من صوان . . حقنته.. حقنته
والشريان يا وطني
حقنته بدمعة ومهدت الطريق
الأطفال ومشيت
بالثورة طويله . . طويله
حقنته بالبارود مسيرتنا . .
بالطين .. ورشاشي العنيد
بجرعة نار أقصر طريق . . للبيت
الذين يتابعون شعر الثورة الفلسطينية سيكتشفون على الفور أن صاحب هذه الأبيات هو أبو الصادق . . هذا الشاعر الشعبي الكبير الذي يمتاز بأسلوب خاص ومتميز كما يمتاز بموضوعات ذات خصوصية مرتبطة دومًا بالبندقية والفدائي والأرض ، هذا الثالوث المجدول بالحنين والإصرار والذي يعبر عن توق الشاعر وروحه .
2 - المحلية :
إن الشاعر (ابن المرحلة) هو مرآة بيئته وصوتها ، ولهذا فلا بد أن يأتي شعره مُعبّرًا عن البيئة التي يعيشها بخصوصياتها الطبيعية والحضارية والثقافية والنضالية . إن عظمة الشعر بمدى التصاقه بالواقع المحلي وتعبيره
عنه . وكلما ازداد الشاعر تفاعلا مع واقعه الخاص كلما دخل باب الشعر الإنساني والعالمي من أوسع أبوابه.
طاغور كان يكتب شعرًا هنديًّا أصيلاً ولهذا فطاغور شاعر عالمي ، ناظم حكمت كان شاعرًا تركيًّا يعبر عن نفسه وعن تركيا قبل أن يصبح شاعرًا إنسانيًّا عظيمًا.
إن المحلية ليست بُعدًا مكانيًّا فقط إنما هي محصلة تاريخ الأمة وواقعها المعاصر أيضًا .
في ملحمة خالد أبو خالد " اجتياز الليالي الألف يبدأ بخطوة واحدة " يجدل الشاعر الماضي بالحاضر ويزاوج بينهما بقدرة فنية مذهلة ، نجد عنترة الفارس العربي الذي يحمي ذمار القبيلة ويذود عنها مُطارَدًا من قبيلته ومرفوضًا من أعمامه ومُتَّهمًا بنسبه وسواد لونه ، غير أن سر الكراهية الحقيقية لعنترة أنه يكشف ضعف قبيلته وعجزها عن مقاومة الغزاة.
هذا الفارس الذي يستحضره خالد أبو خالد من التاريخ العربي نجده واقفًا على العُرقوب في جنوب لبنان يتصدَّى للغزو الصهيونى ويدافع عن الأمة العربية
واقف . . واقف
عنتره
وجم الفرس
والروم
كان وحيدًا
والغبار الذي تصاعد في الشرق والغرب
كان غبار الهزيمة
تلو الهزيمة
مفروءة الظهور التي أدبرت
مذ أطلت صدورًا
واقفًا ظلَّ
حتى داهم المجوس بقايا بني عبس
على العرقوب
لكنكم لم تكونوا
رجعتم
قبل أن يبدأ الغزو
رده العبد
ويلكم
لا تقولوا لعبلة زيفًا من الشعر
كل الذي قاله الرواة لها
إن عبد القبيلة
ما رافق الصعاليك
زيف
رافق الصعاليك
وهو في الجبهتين
واقف . . واقف
بين جيشين
واحد زاحف من الغرب
والآخر المطارد في الشرق
أنتم
وهم
وهو في الحالتين
طعين الرماح التي تلتقي
تتحالف
أو تعقد الصلح سِرًّا
وجهرًا
مالك يغمس الأصابع بالدم
يبصم تحت النصوص التي كُتبت في
البلاد البعيدة
. . وفى زمن الحصار والموت والجريمة الذي يعبره الفارس الفلسطيني الذي يعبره الفارس الفلسطيني يصرخ خالد أبو خالد :
أدركوا عنترة
شرش الرمح
والسهم في الخاصرة
قبضة حول حبل اللجام
ومقترن الحاجبين على مقلتين
الهوى فيهما صورتان
لعبلة واحدة
للقبيلة أخرى
هنا منتهى الحرب
أو بدؤها
عادةً تبدأ الحرب أو تنتهي عنده
أو عليه
كما في الكرامة
يوم استردَّ لكم بعضها
وتصدَّى لهم
واستردّ السيوف
فمَجَّدَهُ مالكٌ وذووه
ودقوا له الطبل
قالت إذاعاتهم
- فى غد
عرس عبلة عبس
تزف لفارسها
هل نسيتم ؟
خذلتم
ألا ايها الراجعون عن الحرب
لم تبدأ الحرب
فالوطن احتُل من دون حرب
وفارسنا كان في السجن مُتَّهمًا
بمراودة البندقية
الفارس الفلسطيني الذي يتحدث عنه خالد أبو خالد تتضح مهماته النضالية المعاصرة :
ذات مساء على الجبهة الميتة
رجته النيابة أن ينكر التهمة
ارتبكت
تحت وطأة إصراره
أنه اجتاز - فى طلقتين - الملفات
والليل
والسنوات
أصر على أنه مُشعل الحرب
حيًّا
وميتًا
على مالك والمجوس
لقد وجدنا من المهم أن نورد مقاطع طويلة من هذه الملحمة لنوضح ما قلناه من أن المحلية ببعدها المعاصر والتاريخي هي مدخل أساسي للشعر العظيم.
3 - العالمية
قلنا سابقًا إنه بالقدر الذي يمتلك فيه الشاعر صوتًا خاصًّا ومُميّزًا يعبر فيه عن نفسه وعن ظروف المنطقة والمرحلة التي يعيشها ، وبقدر وعيه للحركة التاريخية ، وبقدر إيمانه بحتمية انتصار الإنسان ووحدة نضاله فإن شعره يدخل إلى ميدان الشعر العالمي العظيم.
فى قصيدة نخلة عَمّان نجد أحمد دحبور يتحدّث عن الفلسطيني الذي يقاتل وحده ويموت وحده بعد أن يتخلى عنه الجميع غير أنه يرفض الموت والصمت :
وأدركني مثلاً بالكلام الصباح
ولكنني لا أريد السكوت
فعندي الكلام المباح
وعندي السلاح
وفى خلدي أن سري على رأس رمح
وأن الجياع الرماح . .
على جذعها خلَّفوني وراحوا
على جذعها خلفوني
صعدت من النسغ . . كنت الشذا والثمارا
فإن أحرقوا بعضها أحرقوني
وإن أحرقوني ..
تقمصت نارًا
وتشهد هذا الرياح
النضال بالجياع والتجدد ، والنصر بالموت ، هذا ما يؤكده هذا المقطع كما يؤكده معظم الشعر الفلسطيني المقاتل .
فى ملحمة شهرزاد لخالد أبو خالد ، وبعد أن يتحدث عن نضال شهرزاد في الليالي الألف من أجل الإطاحة بشهريار وبناء الوطن الحر السعيد ينادي خالد أبو خالد بأن لا ننسى نضالنا السابق ، وأن لا ننسى أولئك الذين يناضلون على امتداد هذا العالم.
تذكر قساة البساطير
والأعين
الرعب
والحبل
والفأس
والأشرفية
والبندقية
والقصف
ليلة الله اكبر
عَمّان . . الله اكبر
والنصر حتمًا
تذكّر
وأنت تلون وجهي
تذكّر
بأن شريطًا من الأرض في آخر الكون لم يتحرر
حين يضع الشاعر أقدامه بين الجموع يناضل معهم ويُعبّر عن همومه وهمومهم ، فإنه لا يعود صوتًا مُتوحّدا ، إنما هو صوت الجموع ، يتعلم منهم ويعانى معهم ويمتلك تجربة النضال الحية من خلال العمل والممارسة.
إن المعاناة تخلق الشعر العظيم . . تجربة أيلول (سبتمبر) فى عَمّان والتي شارك فيها معظم شعراء الثورة الفلسطينية ، أنجبت أعمالاً شعرية كبيرة يمكن بسهولة فائقة أن تلمس صدقها وروعتها . .
عبْرتك قلعة شمّاء لم تسجد
وكان الموت في الطرقات
مألوفًا لدى الأطفال
موجودًا بلا جلَبة
كما الإفريز والأسفلت
والقِطَع التى تهوي من الجدران عند القصف
هذه الأبيات كُتبت في أيلول وتحت القصف للشاعرة مى صايغ . . وهي أم لأربعة أطفال . . خلال أيلول كان يفصلها عنهم الرصاص والموت . . من قصيدة إليك يا طفلي عمر وهو أصغر أطفالها تقول :
بيني وبينك يا عمر
بيني وبينك يا قمر
واد من النيران
أعبره إليك ولا أصل
وادٍ من الشهداء
وادٍ متصل
وتشدني عبر القذائف
صيحة الأطفال
تحملني إليك
أنا ما تركتك
في ليالي الجرح طوعًا
إنما عَمّان تُحزن مقلتيك
وقذائف الفاشست والعملاء
تحرقها .
وفي سجن الدخان
تبقى عزيمتنا تؤكد
وقفة الإصرار في وجه الجبان
وتحت القصف أيضًا حيث تنهمر القنابل كالمطر على المدينة يكتب الشاعر صخر :
عَمّان تحترق
عَمان تختنق
الموت في سمائها يدور
تائهًا يدور
باحثًا عن الحياة
تناثرت على سمائها
أشلاء ثوب رحمة الإله
والدرب صار بين حجرتين
أبعد منه بين نجمتين
فألف مرة . . يموت الموت
كل خطوة
لا يمكننا في هذه المقالة القصيرة أن نستعرض كل سمات الشعر المقاتل الفلسطيني الذي ظهر خلال السنوات الماضية ، غير أننا نرجو أن نكون قد وضحنا السّمات الرئيسية لهذا الشعر الذي وضع أقدامه على أبواب مرحلة شعرية جديدة ، اصطلحنا على تسميتها بالواقعية الثورية ، لأنها تحاول أن تستجيب من حيث الشكل والمضمون لمهمات مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية التي تجتازها أمتنا .
وفي مقابل هذه النماذج الشعرية الرائعة التي قدمناها ، فإننا نجد في المقابل شعرًا يخرج من بين صفوف الثورة الفلسطينية إلا أنه يفتقد إلى شروط الفن العظيم.
فمن هذا الشعر العادي نقرأ هذه الأبيات لنفس شاعرنا السابق صخر
عبيد الجيش قد زحفوا
وأحرار الحمى حلفوا
بأن النصر للأحرار
للثوار
وأن الجيش سوف يكون
جيش الثورة المغوار
وأن مكانه سيظل خط النار
عند الدار
ليصنع وثبة التحرير
خلف طلائع الثوار
إن مثل هذا الشعر العادي رغم إخلاصه وحماسه لا يُضيف جديدًا إلى الفن الشعري ، ولا يقف مُتلقيه مندهشًا أمام أي بيت فيه . إن الفن الشعري العظيم يُصيبنا دومًا بفرح فنيّ من نوع خاص يكاد المرء معه أن يغَصّ بالدهشة الغامرة وبلذة الكشف المفاجئة .
ومن طراز هذا الشعر العادي معظم شعر فتى الثورة :
ويمكن ويمكن سمعتو حكاية جرش
حكاية طويلة وبلاش نشرح ونفصّل عن جرش
ما الكل عارف جزار جرش
اللي رحب واللي فرش
فرش جماجم شعب ما انغلب
ولا عُمره انغلب
فرشها لجنزير تطحنها
وتجعلها قورمه ف عِلَب .
إن مثل هذا الكلام ليس حتى شعرًا عاديا . . لأن استخدام اللغة العامية إذا لم يتم بطريقه فنية مبدعة كما نجده عند أبو الصادق أو يحيى البدوي فإنه لا يُنتج في النهاية إلا شعرًا بهذا المستوى ، لنقرأ معًا هذه الأبيات من قصيدة أم الوتاد ليحيى البدوى والتي يصف فيها عملية عسكرية :
حدثني واحد في الإسناد (1 )
كان الليل غدارة موت
ورموش النهر الخضرا
طيرها رصاص الأيد المكوية بالزفت
والعرقانه (عالما نسفت) (2 )
فوق ظهور الربع سلاح
انتصر امبارح في الميكونج
وقبل امبارح في الأوراس
واليوم وداعه ( 3) في ذراع الناس
الخلف النهر
وقبل النهر
كان الأمر صريح وواضح
لازم يخرس رشاش الناتو (4) في (أم الوتاد)
. . وبعد أن يستعرض الراوي أسماء المجموعة وجميعهم من العمال والفلاحين باستثناء أستاذ مطرود من الضفة الغربية يُكمل روايته :
تدروا يا إخوان لمّا بغرّب قلبي بيهوى
غُصّه بالحلق ودمعه بالعين
لا هي فرحة ولا هي حزن
مش قادر أوصفها لكو كيف؟
وحربى الأسمر دق محمد في الكتف
- هُس . . والله كمين ، الأرض
انزل يا محمد
كمّل راوي الإسناد :
ما بندري كيف صوت محمد قطع النهر
باطل يا اولاد أنا بعرفهم يوم الفزعه (5) في المقحز (6)
بطل قلب الغور يدق
حسن أبو نصر الله يقول
كنت بجنبو تمام
لما قللوا الاسمر : نام
لكن وين ينام
سحب الملز (7) وهوه واقف
أودعها نص المريض
طلقة واحدة منهم بس اللي انطلقت
- يمكن طيش -
قسمه . . مكتوب له يموت
رجع محمد ع الأعناق
شوية دم غطت طرف السروال الأبيض
واللا نسيتوا إنو محمد عامل كساره
لكن خرس الرشاش النانو في (أم الوتاد) (8)
ومن نماذج الشعر العادي الذي يطلع علينا أيضًا ليس من حيث البناء الفني فقط وإنما في المضمون أيضًا هذه القصيدة لفتى الثورة وهى بعنوان الأنبياء يقول فيها :
نحن أنبياء هذا العصر
شئتم أم أبيتم
نحن أنبياء هذا العصر
ثُرتم أم رضيتم
نحن أنبياء هذا العصر
في وجوهنا علائم النبوة
في قلوبنا
بشائر الأُخوّة
نحن أنبياء هذا العصر
نحن التُّقى والطين
واضح أن الشاعر هنا يتحدث عن الفدائيين ، غير أن إحاطة الفدائي بهذه الصورة النورانية التقية الطاهرة وبأنهم مجموعة من الأنبياء ، يضع الفدائي فوق مستوى البشر حتى لا يستطيع أحد أن يتصور الفدائي يمشي على قدمين أو يرتكب أي خطأ ، وهذا أكبر تشويه يمكن أن يُوجّه إلى الفدائي، الفدائي الإنسان الذي يخرج من بين الجماهير يحمل سلبياتها وإيجابياتها، يعيش بين الجماهير ويتعلم منها بحب وتواضع ، أن هذا الخلل الفكري والسياسي في رسم صورة الفدائي يهبط إلى مستوى متدنٍ من حيث الذوق الشعري حين يقول :
يا لصوصًا تعبث في البشرية
كل شيء سرقتموه
وجئتم
تسرقون اليوم منا البندقية
بعتم المسجد والسجاد والمنبر
والتحفة الأثرية
بعتم الأرض والعرش
والأجساد البضة الطرية
يبدو واضحًا كما قلنا سابقًا إن كل شعر ينبع من صفوف الثورة ليس شعرًا مُقاتلاً غير أن الثورة هي التي يمكن أن تُنجب الأعمال الشعرية العظيمة .
والثورة ليست قفزة في حياة المجتمعات السياسية والاقتصادية فقط إنها ثورة في الحياة الثقافية والفنية والأدبية أيضًا ، وفي مقدمتها الشعر . . والشعر في بلادنا يُسمّى ديوان العرب..
