الشعراء أربعة :
الشعراء الأسماك
الشعراء الضفادع .
الشعراء الفراش .
الشعراء الهوام
فمن اى الاربعة انت ؟ . . وانما اعنى القارىء الشاعر ، لانى افترض انه ادرى الناس بان الشعر العربى يتنازعه اتجاهان
اتجاه ، اصلى اصيل ، لا ينكر احد من المتأدبين انه ميزة الشعر منذ نشأته ، وانه اكتسب بحكم ذلك ، صفة الملابسة الذاتية لجوهر الشعر حتى صار جزءا حيا فى هيكل القصيد لا قوام للشعر بدونه .
هذا الاتجاه اكتسب من نزعة المحافظة قساوتها وتصلبها . ولكنه فى ذات الوقت لم يخلد الى جمود المحافظة ورتابتها . فبهذا وذاك ، صار متمحضا للتطوير الرصين على يد الموهبة المهذبة ، والاحساس المرهف الصادق
اما الاتجاه الثاني ، فقد يكون رد فعل ، نجم عن فهم ضيق ، سطحى ، مع ذهول عن محاولة التطوير للاتجاه الاصلى للشعر معنى ومبنى ، عند القادرين او هو شوط الشاعرية المكتسبة بكل ما يلابسها من اعياء وكلال ، وما فى ذاتها من ضحالة مورد ، ويباب منبت ، عند غيرهم
بيد ان هذا الاتجاه على اختلاف عوامل ظهوره ، يعتبر وجوده ، مرحلة حتمية فى حياة الشعر العربى المعاصر
ولهذا الاعتبار ، يرجع الفضل ، فى جعل حركة التجديد فى الشعر شكلا تنطلق على مذهب ادبى ، يهدف الى تبصير الاديب بقضايا الانسان فى ابعاد مشاكل حياته كلها . . حتى ينغمس فيها بكل جوارحه . فتصير تلك القضايا مصدر وحيه والهامه . .
وهل كان من الضرورى ، ان يكون الالتزام منطلق حركة التجديد فى الشعر شكلا ، كما كان منطلقة محتوى ؟ . .
ان معتنقى هذا الاتجاه يجيبون فى غير تردد : ان نعم ، زاعمين ان الشعر
فى بحوره الخليلية يضيق بموضوعات الانسان المعاصر ، فضلا عن كون انسجام النغم الموسيقى المنبعث عن تلك الاوزان اصبح فى الاأذن العصرية ذا رتابة ممل تبعث على التثاؤب .
ولئن لم يكن هذا التنازع سجالا بين الاتجاهين ، اذ ما يزال أولهما متسلطنا سيما لدى اصحاب الثقافة العربية العريقة ، والواسعة . هؤلاء الذين يعتبرون الشعر ) الحر ( ضربا من فوضى القول ؛ فان انصار هذا ، وانصار ذاك يعيشون حيرة مقلقة ، مجدبة ، وعقيمة . استحالت عند البعض من الشقين الى ذبذبة ، وتهافت فراشى معمى المصير
ان بض شعراء الاتجاه الجديد ، بريد ان يثبت للناس قدرته على السباحة فى بحور الخليل كما تسبح اسماك الانسان ، لا كما تسبح اسماك البحر والفرق واضح ، اذ ان اسماك الانسان قادرة على العيش خارج البحر ، فى حين تفقد البحر حياتها خارجه . فشاعر الاتجاه الجديد حيوان برمائى بينما شاعر الاتجاه التقليدى حيوان مائى فقط . وفى هذا الفارق الساذج وحده يكمن اعتزاز المجددين المتهافتين . ولعل الصلة التى تربطنى بهذا الشق من مستعملى الحرف تجيز لى ان اطلق عليه اسم ( ضفادع الشعر )
او لم يكن من ضفادع الشعر هذا الذى قرأ له الناس الشعر الحر المتحرر وهو ذاك الشعر الذى تحرر من البحر ومن التفعيلة ومن القافية . وقرأوا له الشعر الحر المقيد ! . . وكان يمنى نفسه بمنزلة ( وولت هو تمن ) الشاعر الاميركى ، رائد الشعر المنسرح ، كما يصفه الكاتب الكبير الاستاذ ميخائيل نعيمة ، الا ان الذين مروا باعينهم على ما كان يكتبه من الشعر ، على الطريقة الجديدة ، تغامزوا به ساخرين ، فلم يصبر صبر نوح ، حتى يحكم الطوفان بينه وبين الساخرين ، لان وعي نوح بقضيته اعمق ، وايمانه بصيرورته اشد . او لعله وجد نفسه فى طليعة قافلة من الذباب ، زادها من القمم ، وتزعم فى ادعاء الحمق ، ان ما تفرزه عسلا مصفي . . وهو ألطف ، وألذ ، من ذلك العسل الذي تضعه النحلة العاملة ، في مسدسات صماء ، هى اشبه ما تكون فى عالم الشعر ببحور الخليل . فاكرم نفسه بالرجوع الى حصانة الخليل ، يهتف به الشعر قائلا :
فى شكلى اليوم ، يجرى بينهم خلف وعد آرائهم فى جوهرى ألف
هذان خصمان ، في ذاتي قد اختصما لا الشرع ، بينهما يقضى ، ولا العرف
بالحر هذا يسمينى على ثقة يشين بنى لديه الباب والسقف
حتى اليه هوام الارض قد زحفت فى ركنه عشش الاسفاف والسخف
داس الشعارير ، عن جهل قداسته حتى تشظى العمود ، واختفى الحرف
فبات خلقا غريبا ما له مثل ! . . أصم ، أبكم ، أعمى ، ما له أنف
أليس واضحا ان لدور النشر ، ومنابره من صحف ومجلات ، ضلعا فى
الخيبة التى منى بها الاتجاه الجديد فى كتابة الشعر . . فلولا تساهلها فى نشر واذاعة كل ما يصلها من مزعوم الشعر : ذلك الذى لا يعدو الكلمات المتناثرة كيفما اتفق ، على اسطر ، فاقدة لكل عناصر الشعر ، حتى تلك التى تواضع المجددون على جعلها شروط صحة فى كتابة الشعر على الطريقة الحديثة .
ولا اعنى تلك المقاييس التى تضمنتها دراسة الشاعرة العراقية نازك الملائكة ، فهي في اعتقادى اثقل من قيود الخليل . وان كنت لا اجارى الشاعر مجاهد عبد المنعم مجاهد في وصفه لتلك الدراسة عن الشعر الحر ، بانها دراسة ساذجة . ( مجلة الشعر المصرية العدد السابع ، السنة الاولى ) فلولا ذلك التساهل لما انفض من حول الشعر الحر انصاره . ولما هجروه ! . فاذا رجع هذا الشاعر - وغيره كثير - الى علمود الخليل بعد ان ساءه ان يحشر مع الذباب ، والخفافيش ، وهوام الارض لجميعها . وآله ان يسمح لها بروح تجارية بحتة ان تعشش فى هيكل الشعر الحر مستضعفة جانبه ، مستسهلة تسنم قمته ، فان الشاعر الكبير نزار قبانى ، لا يرى ذلك اكثر من كونه ظاهرة كل فن ، اذ يقول مدافعا عن الشعر الحر : " إذا كانت السهولة الظاهرية الطريقة الشعر الحر ، قد شجعت كثيرا من الدخلاء على الادلاء بدلوهم ، فى هذه البئر . وعلى ظهور كثير من النماذج الرديئة ، اساءت الى سمعة الشعر الحر ، والى شعرائه ، فان هذا يجب الا يتخذ ذريعة لمهاجمة الشعر الحديث : بمجموعة ففي كل فن يوجد موهوبون ومزيفون " . ( الشعر قنديل اخضر ص 53 لنزار قبانى ) متهافتو الاتجاه الاصلى للشعر ، هؤلاء الذين صبأوا في نظر اسماك البحر ؛ فمما لا شك فيه انهم بصبئهم ذلك ، انما ارادوا ان يدفعوا عنهم تهمة عصرية وسياسية فى ذات الوقت ، استعارها المتأدبون ، والبسوها لبعضهم ، فصار فيهم الرجعي ، والمحافظ ، والمتزمت .
وليتهم ما فعلوا ! . . لا مظاهرة لاسماك البحر . . وانما لانهم بما فعلوا ، ارتكبوا هفوتين فى حق مستقبل الشعر العربى ! . .
بالاولى : غالطوا ناشئة الشعر ، فاضلوا بعضها ، ممن لم يكسب بعد حصانه فكرية ، ولا ثقافة عروضية سليمة ، فانتهج نهجهم ، فى تقليد غبى مهتديا بنفاق هداهم ، وما غره بهم سوى زيف من الشهرة ، هى الامل الخلاب لكل ناشئ ، والمثل الاعلى لكل عباد الحرف متى كانوا صادقين مع انفسهم ومع الناس .
وبالثانية : شلوا حركة التطوير الرصين الواعى للاتجاة الاصلى للشعر اذ كان المفروض ان يقع هذا التطوير المنتظر على ايديهم ، لان تهافتهم فيه من الدلالة على الشعور بضرورة تطوير الشعر شكلا ومضمونا ، بقدر ما فى نفوسهم من جبن ، قعد بها عن مواجهة الموقف ، فى صبر المعتقد ، وجرأة المفكر فليتهم صبروا على التهمة قائلين مع الحومانى :
أنا يا مخناث رجعى مقالا وفعالا
أمقت الجدة فى عينيك غنجا ودلالا
ومناكير كست أطراف كفيك جمالا
او قابلوا التهمة باختها ، شارحين اتجاههم فى غير ما التواء ، او غموض مدلين بحجتهم ، غير متهيبين ولا مرتابين . متعرضين للقضية بالتحليل حسب ما يعتقدونه الحق . معللين صوابهم وخطأ الخصم . مرجعين الفروع الى الاصول ، لابراز الحقيقة مجلوة من كل شوائب الذات ، متحلية بموضوعية البحث الدقيق ، مرتكزة على فهم متسير لاسرار ملابسات القضية ، ومعطياتها وحتى مفارقاتها ، فى اخلاص لقضية التطوير الشعرى ليس غير ، كما فعل مفدى زكرياء فى هذه الابيات :
وعابثين . . أرادوا الشعر مهزلة فأزعجوا برخيص القول آذانا
تنكروا للقوافى ، حين أعجزهم صوغ القوافى . . وضلوا عن ثنايانا
قالوا : جمود على الاوضاع ، وزنكم فشعرنا الحر ، الا يحتاج أوزانا
فأين من جرس الايقاع خلطكم ما الشعر ؟ . . ان لم يكن دوحا واغصانا
وكيف ؟ . . هل خلد التاريخ ، سخفكم مهما تفنن ، اخراجا واتقانا ؟
وما عسى تنفع الاسفاف مطبعة تضفى الدمقس على الاموات أكفانا ؟
وهل أعار - رواة الشعر لغوكم وزنا ؟ . . وهل حشوكم بالحفظ أغرانا ؟
وما تفيد المعانى ، وهى مجدبة لو صاغ ألفاظها داوود ألحانا ؟
وهل تضيق القوافى وهى مخصبة عن الخوالد ؛ لو تصفو نوايانا ؟
وما الذى يصل الارحام فى غدكم ان كان ماضيكم زورا وبهتانا ؟
(رجعي ) العروبة . . لاعدوى الدخيل بنا شتان ما بين عدواكم و ( رجعانا)
فعلى الرغم ، من المسحة العقائدية البادية على رد الشاعر مفدى زكرياء على انصار الاتجاه الحديث فى الشعر ، فانه يعتبر شرارة تقابس فكرى ، قد يكون لهيبه النور المأمول لكشف جانب من قضية الشعر المعاصر
والشاعر مفدى زكرياء يحمل - فى تحمس - لواء مهاجمة الشعر الحر ، فهو لا يترك اية فرصة تمر ، دون ان يرشق سهامه - تصريحا ، وتلميحا - بصلب الشعر الحر . فها هو يقول : - من قصيد طويل في مهر جان شعرى أقيم بمدينة قفصة بمناسبة مرور ثلاثين سنة على وفاة الشاعر أبى القاسم الشابي - مخاطبا أبا القاسم الشابى :
وشعرك كان عريقا أصيلا ، وما كنت فيه بمستهتر
تصوغ التفاعل أوزانه فتزجى شراعك في الابحر
ويسمو العمود بأوزانه سموك بالروح والعنصر
( فلا خنشفار ، ولا ابطفار ولا قبلات على المنحر ) ؟
فخلدت شعبك فى العالمين ، وخلدك الشعر فى الأعصر
وبعد .... فهل بمثل هذا التهافت ، وهذا الاصرار على السباحة فى بحور الخليل ، وهذا التساهل فى نشر ما ينسب الى الشعر الحر وهو منه براء وهذا التنابز . . يمكن ان نحل مشكلات الشعر الشكلية ؟ . .
ألم يعد ضروريا ان نعترف - لمصلحة الشعر - ان سلاح الاصالة يفقد حدثته يوما فيوما ، وهو انهزام ، ما كان ليحيق بالتقليديين ، لو عملوا على تطوير اتجاههم الاصيل ، وتفطنوا لما فيه من امكانيات انعتاقية ، تسمح باستمرار سلامة الطبع العربى ، موازيا ومتمازجا ، ومستجيبا فى عفوية ، لمقضيات العصر ؟ . .
كما ان سلاح اللامبالاة والامر الواقع ، لم يعد فى امكانه افادة الشعر الحر ، كما كان يتوقع المجددون ؟ . لما لابس ظهور هذا النوع من الشعر من غموض في الهدف . . وفقدان للاطار المميزا لحركة التجديد ، والمبلور لاهدافها وطرائق عملها . مما جعلها حركة تجديد عشوائى ، فى نظر البعض ، وجعلها فى نظر البعض الآخر حركة تجديد مفتعلة ، لتغطية قصور . . وعجز . . ليس غير ! .
ولسوء حظ هذا الشعر الحر ، ان استسهله - لغموض الاهداف ، وفقدان الاطار فريق من المتشاعرين ، فكان ما كتبوه من زيف الشعر ، تزكية للنظرة التى تلقى بها التقليديون الشعر الحر ، وحجة لمهاجمته ! . .
ان اعتراف الشقين ( بتجاوز الاحداث ) لمفعول سلاحيهما ، يسهل الوصول الى حل جذرى لقضية الشعر المعاصر الشكلية ، اذا لم يجتث الخلاف من اصلة ، ويصلح ذات بين الاتجاهين ، فيجتمعان على كلمة سواء ؛ يصدر عنها كل شاعر او متشاعر ، وهو على بينة من المزالق والعوائق التى تكتنف سبيله ، وفي هذه المزالق والعوائق يكمن جمال الشعر وروعته ، فى اصالته ووعيه وشموله ؛ انسياقا او انعتاقا . وما هذه الا معطيات ايجابية ، ستنجم عنها حتما مقابس جديدة ، هي الحلقة المفقودة فى سلسلة المقاييس النقدية وستضاف وجوبا الى تلك المقاييس والمعادلات التى استعملها قدامة والجرجانى وابن رشيق ، وما زال بعضنا يعتمدها فى تقييم النتاج المعاصر ، وهو يدرك ان الزمن بدل غير الزمن وان الادب بدل غير الادب
